ارشيف من :أخبار لبنانية
رجل الدولة المفقود
الفضل شلق
لا بد للدولة من رجل دولة، يكون رجلاً أول ويعرف كيف يعلو على الصغائر ليهتم بشؤون المجتمع. تحتاج إدارة المجتمع إلى جدية في السلوك، وقدرة على القرار، ومراس في اجتراح التسويات، وجرأة على كظم الغيظ (كما كان معاوية يقول ويفعل)، واحتمال للشدائد وصلابة في وجه المؤامرات، وإقدام على التسويات، وعدم الخوف من التنازلات (تنازلات لصالح الدولة لا لصالح سماسرة العقارات والمقاولات)، وإصرار على المبادئ والأساسيات (وهي باختصار التزام بالمجتمع وبطبقاته الدنيا).
رجل الدولة لا يغيِّب الأهداف الاستراتيجية في سبيل مكاسب تكتيكية عابرة، قصيرة المدى. العيب كل العيب هو في غياب الاستراتيجيات الكبرى للدولة، هو في غياب مشروع للدولة لدى أصحابها. مشروع الدولة يكون في خطة لتنمية إنتاج السلع الزراعية والصناعية بعد إعمار البنى التحتية. لدى لبنان إمكانيات كبرى مالية، لذلك على الدولة استخدام هذا المال للإنتاج لا لتبديده ريعاً لدائنيها. بذلك يحل العمل المنتج مكان الريع، ويكون ذلك أساساً لبناء دولة قوية متماسكة.
يتماسك المجتمع بالعمل والسعي والإنتاج لا بالتحريض المذهبي والطائفي المقيت؛ لا يحقن التشنجات التي لا بد أن يأتي يوم وتنفجر وتتحول إلى اقتتال داخلي مدمر؛ ليس فقط بين الطوائف والمذاهب، بل داخل الطائفة الواحدة وداخل المذهب الواحد.
الشعبية الحقيقية تتشكل من العاملين المنتجين لا من قبضايات الأحياء الذين يتعيّشون من بيع السلاح واستخدامه لقتل جيرانهم وتدمير ممتلكاتهم. الشعبية تكون في إيجاد فرص عمل منتج للجميع لا في إنتاج عاطلين عن العمل لا يجدون الفرص
إلا في الهجرة أو البقاء تحت سلاح الحرب الأهلية الآتية، لا محالة، إذ أبقي الوطن على مساره الحالي.
يضع رجل الدولة مشروعاً إعمارياً وإنتاجياً طويل المدى. ينخرط اللبنانيون بمختلف أطيافهم في هذا المشروع ويعملون وينتجون ويزداد اعتدادهم بأنفسهم وثقتهم ببلدهم؛ ولا يُبقي البلاد مجرد فندق للسياح ومرتع للسماسرة ومهنهم المختلفة. لدى الوطن من الإمكانات البشرية والمالية ما يفوق حاجة لبنان إلى مشروع الدولة، المشروع التنموي الإنتاجي الذي يؤدي إلى الاندماج والانصهار مكان التحريض والانقسام وهول الميليشيات المأجورة. المشروع الإعماري جاهز، والمشروع الاقتصادي يمكن صياغته في وقت قصير.
يحتاج رجل الدولة إلى فريق يعمل ينتج لا إلى فريق يخوض المؤامرات ويحتال على الآخرين لإخضاعهم بالاستعانة عليهم بقوى أجنبية سواء كانت عدوة أو صديقة؛ علماً بأن أصدقاء لبنان كثر والأموال متوفرة أو متاحة بكثرة على أية حال.
مطلوب من رجل الدولة أن يجد الحلول المناسبة، وأن يقوم بما يلزم من التسويات في سبيل الوصول إلى إجماعات تجسد إرادة اللبنانيين وتجعل العيش المشترك ممكناً، وتؤدي بمختلف الأطراف إلى الوثوق بقيادتهم والاطمئنان إلى سلامة بلدهم وإلى ضرورة البقاء فيه والمساهمة في إعادة بنائه. لا عيش مشتركاً إلا بالعمل والإنتاج. العيش المشترك بالوعظ والإرشاد والشعارات، التي تبدو ظاهرياً وكأنها بريئة، هو عيش مشترك مستحيل التحقيق.
غير مقبول من رجل الدولة تقديم الاعتذار تلو الاعتذار بأن الخصوم أقوياء يمنعونه من تحقيق أهدافه التنموية. إن برنامج عمل للخصخصة ليس برنامجاً تنموياً ولا يمكن أن يكون كذلك. يتناقض مبدأ نزع السلاح مع غياب مشروع للدولة يحمي المواطنين اقتصادياً (معيشياً) وعسكرياً (ضد العدو الإسرائيلي). هكذا مشروع للدولة يؤدي إلى الانصهار الوطني ويحل مشكلة السلاح تدريجياً. مشروع الدولة ينزع السلاح تلقائياً على المدى الطويل. رجل الدولة الذي يبرر العجز عن التنمية بمعارضة هذا الفريق أو ذاك يستعمل الحجج لتبرير فشله. رجل الدولة الفاشل لا يصلح أن يقود الدولة.
لا يكون رجل دولة من يضع قضية الصراع على السلطة فوق قضايا المجتمع. لا يكون رجل دولة من يتابع قضيته الخاصة في السلطة الخاصة على حساب مهمته الأولى وهي حل مشاكل الناس وتلبية حاجاتهم. ولا يكون رجل دولة إلا مَن يأخذ الاحتمالات بعين الاعتبار، ويضع لكل خطة بديلاً، ولكل برنامج عمل احتمال التعديل في ضوء المستجدات والمعطيات الجديدة. رجل الدولة هو من يرسم الخطط ويعدلها حالما يجد الحاجة إلى تعديلها ويقنع الآخرين بذلك. رجل الدولة يضع خططاً طويلة المدى إلى جانب خطط قصيرة المدى.
رجل الدولة هو رجل إنجاز يحقق ما وعد به من خطط، يفي بوعوده، يحترم أقواله، يحترم الآخرين، ولا يحترم الآخرين إلا بالوفاء. رجل الإنجاز يحتاج إلى أن يعمل بجدية ولا يعتمد على المساعدات الأجنبية إلا في حالات نادرة (المساعدات الأجنبية متوفرة على كل حال، بكميات أكثر مما تسمح الفئة الحاكمة بصرفه؛ لأسباب لا نعرفها).
رجل الدولة هو من يحفِّز جماعته على العمل والإنتاج، هو من يقود مجتمعه لتنفيذ برنامج إعماري اقتصادي يحميه بالسياسة؛ يحفِّز له بالسياسة. يحتاج رجل الدولة إلى أن يجعل الاقتصاد المنتج جوهر السياسة. رجل الدولة لا يكتفي بإصدار الأوامر. يستطيع إن أراد، قيادة الناس إلى العمل والسعي والإنتاج عن طريق العمل والتحفيز، إضافة إلى تحويل النظام من نظام غلبة إلى إطار ناظم للمجتمع.
رجل الدولة هو القادر على تحويل أفكاره وخططه وبرامجه إلى وعي لدى الناس. يحتاج رجل الدولة بالتعاون مع النخب الثقافية والتقنية والسياسية إلى خلق وعي من نوع آخر، وعي تنموي، لا الاكتفاء بالتحريض الطائفي والمذهبي كما تعود زعماء الطوائف. يمكن لرجل الدولة تحويل الوعي لدى الناس إذا كان هو يمتلك هذا الوعي. لكن فاقد الشيء لا يعطيه.
بالعمل والإنتاج، يستطيع رجل الدولة إنماء الإنتاج، وإحداث الكفاية وبناء الجيش. سكان لبنان لا يقلون عدداً عن يهود إسرائيل. إذا كان لديهم جيش قوي، يستطيعون ردع إسرائيل، ولا تجرؤ هذه على احتلال لبنان، جنوب لبنان، مرة تلو الأخرى. يحتاج رجل الدولة إلى تعميم المقاومة لا إلى محاصرتها في جزء في لبنان.
هذا ما تعلمناه من التجربة الطويلة، تجربة العمل سوية مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018