ارشيف من :أخبار لبنانية
الحسابات الأميركيّة تسقط المـبادرات الفرنسيّة
بسام الطيارة
سقطت مبادرة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في مهدها. لم يتبنّها الأميركيون ولا السوريون، لتدخل أزمة المحكمة الدولية في أتون أبعاد دولية لا يتأتى حلها من توافق لبناني محض. هذا في ظل رأي فرنسي بأن الملفّ اللبنانيّ خرج من لبنان والحديث عن «المطالب الثلاثة»
باريس| لا يتردّد مسؤول رفيع المستوى في باريس في القول إن «إزاحة مسار س. س. تعني وجود خطة بديلة»، وإلّا فإنّ مسار «س. س.» لا يزال الوحيد القادر على حماية لبنان. لكن جميع المؤشرات تدل على أن المبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي القاضية بتأليف «مجموعة اتصال حول لبنان» قد انتهت مفاعيلها قبل أن تنطلق.
ومن المستبعد أن تتطور هذه المبادرة لأنها تسعى إلى إحياء مسار «س. س.» عبر توسيع شبكة الاتصال لتشمل قوى إقليمية تبدو قادرة على التأثير في العدّ العكسي الذي يقود لبنان، ولربما المنطقة، نحو أتون عدم استقرار.
ويقول خبير في باريس مقرّب جداً من الملف اللبناني، إنّ مبادرة ساركوزي مرفوضة من السوريين ولا جواب عنها من السعوديين، بينما لا يهتمّ لها الأميركيون. يضيف أن الفرنسيين «كانوا يبحثون عن كيفية تخفيف تداعيات القرار الاتهامي»، وهم بلا شك في حال قلق كبيرة مما يمكن أن يحدث على الأرض. وقد فاجأهم التغيير الذي حصل في الأسبوعين الماضيين. وفي هذا الصدد، يقول الخبير إن عدداً من الطروحات كانت على مائدة التشاورات، منها «محاكاة ملف لوكربي» (Lokerbisation) الذي بدأ تداوله منذ سنتين والقاضي بإجراء محاكمة شبيهة بما حصل في لوكربي تطال ثلاثة أو أربعة أفراد من دون الوصول إلى الرأس المدبّر. يضيف: «كلما بُحث ملف المحكمة كانت لوكربي حاضرة في أفكار الجميع». وأشار الخبير إلى أن «رئيس الجمهورية ميشال سليمان طرحها أيضاً على الأفرقاء اللبنانيين»، وأن أوساطاً من حزب الله أجابت: «ليس لدينا أربعة ضباط نرسلهم لعشر سنوات في السجن»، في إشارة إلى رفض المسار الذي «يعني الحكم قبل المحاكمة».
مسؤول أمنيّ عمل في منطقة الشرق الأوسط يقول إن الملف اللبناني خرج من لبنان، والحديث عن «المطالب الثلاثة» (سحب سوريا لمذكرات التوقيف وترسيم الحدود وسحب سلاح المخيمات» هي مطالب تجاوزها الزمن، ويصفها بـ«المضحكة». ويقول إن الذين لا يزالون يتباحثون بها «خارج صورة الحدث» وليسوا على بيّنة مما يحصل. وهنا يلتقي الخبير مع المسؤول الأمني بقوله «تمّ تخطي النقاط اللبنانية كلها وبتنا في إطار إقليميّ واسع».
ويشرح الخبير أن المحكمة هي أهم بكثير من القرار الاتهامي. ويرى المراقبون في ذلك تأكيد أن القرار الاتهامي ليس إلا مقدمة لما يمكن أن يحصل داخل المحكمة، إذ إن قوانين المحكمة تسمح بالذهاب بعيداً في توسيع رقعة الاتهامات وتصنيفها خلال سير أعمال المحكمة. ويؤكد دبلوماسي عربي في باريس هذا الشقّ، ويقول إن السوريين أبلغوا الفرنسيين المعنيين أنه «إذا حمل القرار بين سطوره ذرّة من احتمال توجيه الاتهام مرة أخرى إلى سوريا»، فهذا يعني أن «جهات دولية تودّ أن يبقى السيف مصلتاً فوق رأس سوريا وحلفائها في لبنان». وبالتالي، يقول الدبلوماسي، لا ينبغي أن نَعجب حين نرى أن مواقف سوريا وحزب الله «متطرفة» (maximaliste) كما تصفها الدوائر الفرنسية. وتَوسع الخبير بشرح هذا الشق بقوله إن المحكمة يمكنها خلال المحاكمة «القفز فوق المتهمين» الذين يطالهم القرار الاتهامي الأول، وحسب مجريات المحاكمة، توجيه أصابع الاتهام إلى «درجات أعلى في هرم المسؤولية»، وبالتالي وصف الشبكة بـ«تنظيم إرهابي يهدّد السلم العالمي» قد يقود إلى «إجراءات دولية» على مستوى مجلس الأمن.
من هنا، يرى المراقبون صعوبة «العمل على تداعيات القرار»، لأن الأمور قد تجاوزت القرار. ويشير الدبلوماسي العربي إلى أنّ ما يسبق ساعة الدخول تحت قوس المحكمة يختلف كثيراً عما سوف يحدث عند بدء المحاكمة الطويلة، ويشبّه الأمر بالقاعدة الشرعية التي تقول إن «الحكم بعد الابتلاء بالفعل غير الحكم قبل الابتلاء به».
ويرى البعض أنه لا ينبغي وصف ما حدث بأنه تغيير أميركي مفاجئ، والسبب أن واشنطن لم تعلن مرّة واحدة أنها تسعى لتدارك ردّ فعل القرار الاتهامي. ويقول الخبير إن واشنطن كانت تنتظر صدور القرار وانطلاق الآلة القضائية. ويشير في هذا الصدد إلى أنه حتى قبل أسابيع كان التكليف بملف المحكمة في صف الموظفين الكبار مثل فيلتمان وعلى مستوى السفراء، لكن مع اقتراب تاريخ صدور القرار تقدمت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى الواجهة مباشرة. وبعد صدور القرار خرج الرئيس باراك حسين أوباما بنفسه ليشدّد على أهمية المحكمة. إذاً «الخطة B» التي يتكلم عنها البعض هي الخطة الوحيدة التي يعمل عليها الأميركيون، وكل ما سبق لم يكن إلا «لعباً في الوقت الضائع»، وهو ما يفسّر التلكّؤ في المباحثات، لينهي بالقول: «الآن دخل أوباما المعركة شخصياً».
ويوافق عدد من المتابعين على أنه «لو وجدت رغبة حقيقية بتحجيم الأزمة» لكان أمكن البناء على مبادرة س. س. إلا أن عدم التفات الأميركيين لها وعدم إعطائها أي أهمية، إشارة لا يمكن إغفالها في تقويم نيّات الأميركيين. ويقول الخبير إن «نصف الفرنسيين المهتمين بالملف اللبناني لا يرون ما يحصل على المستوى الأميركي ولا يرون النيات الأميركية المخفية»، ومن هنا إطلاق مبادرة ساركوزي التي تبيّن أنها ميتة قبل انطلاقها بسبب تمنّع لاعبين أساسيين عن تبنّيها: دمشق وواشنطن. ويشير الخبير إلى أن الهدف الأول والأخير للأميركيين هو «إعادة تركيب المنطقة»، وما المحكمة إلا «شيء بسيط جداً في لعبة ميكانو لا تقول اسمها» (un jeu de mecano qui ne dit pas son nom). ومن هنا، يتابع: «يجب توقّع جولة عنف كبيرة في المنطقة»، إذ من المستبعد أن تقبل الأطراف «من دون مقاومة» الانصياع لعملية «التطويع» الكبرى التي تعمل عليها واشنطن للالتفاف على العقبات التي تواجهها في المنطقة في فلسطين ولبنان والعراق وإيران.
وفي إطار هذه الخطة، يؤكد خبير فرنسي عمل سنوات على الملف اللبناني، أن «المحكمة لا يمكنها التخلص من حزب الله». ويضيف «فقط حرب إقليمية قادرة على التخلص من منظومة الحزب العسكرية»، ولا يعجب من أن «تجرّ إسرائيل أوباما إلى حلقة النزاع» وأن تصحّ التقديرات بأنه يمكن أن يكون «رجل حرب لربح احترام الأميركيين». فالتأزم تجاوز الحدود اللبنانية وقد كبرت مسألة المحكمة لتطال «أطرافاً إقليمية متعددة»، كذلك فإن عدداً من العاملين على الملف في واشنطن يرون أن المحكمة يمكن أن تستعمل للضغط على إيران، إما عبر تفكيك حزب الله أو عبر فك التحالف السوري ـــــ الإيراني، وهو المدخل الأول لإعادة رسم المنطقة وإعادة بعض الوزن للحليفين الأولين لواشنطن لدى العرب: مصر والمملكة العربية السعودية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018