ارشيف من :أخبار لبنانية
لبنان.. بين 1998 واليوم
يخطئ بعض السياسيين والمحللين في بيروت أو في عواصم المنطقة حين يعتقدون بصوابية الاعتماد على الموقف الأميركي بعد ما أطلقه اوباما ومعاونوه من تصريحات حول دعمهم للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان وما أجروه من اتصالات بهذه العاصمة أو تلك، أو ما قاموا به من استقبالات «ملغومة» و«موقوتة» فاهتمام واشنطن المتصاعد لا يعني أن القضية باتت كبيرة بقدر ما يعني أن هموم واشنطن واهتماماتها باتت صغيرة.
ومصدر الخطأ هنا ليس فقط في أن الإدارة الأميركية هي آخر من يحق له التحدث أخلاقيا عن العدالة الدولية، فيما الوثائق السرية المسرّبة تشير إلى جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، ارتكبها كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين فيها، والتي لو كانت هناك عدالة دولية بالفعل لوجب سوقهم جميعاً إلى محاكمات حول ما جرى ويجري في العراق وأفغانستان بل إلى محاكمات لا تقل شأناً عن محاكمات نورمبرغ الشهيرة التي جرت لأركان العهد النازي الألماني.
بل إن آخر من يحق له التبجح بالحديث عن «عدم الإفلات من العقاب» هو الإدارة الأميركية الداعمة بكل السبل للجريمة الدولية المستمرة، والمسماة الكيان الصهيوني وعصاباته وحروبه وانتهاكاته، بل الإدارة المانعة لأي إدانة سياسية أو محاكمة جنائية لأركان هذا الكيان رغم توثيق جرائمهم وانتهاكاتهم في تقارير صادرة عن هيئات دولية كالتقرير الشهير حول مجزرة قانا الذي قيل إن الدكتور بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة السابق قد دفع ثمناً غالياً لصدوره، أو تقرير غولدستون حول «المحرقة» الصهيونية في غزة، أو تقرير جريمة «أسطول الحرية»، وكلا التقريرين صادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
إن مصدر الخطأ الأساسي في ذلك كله يكمن بشكل خاص في عدم إدراك حجم الاحتقان العربي والإسلامي والعالمي من السياسات الأميركية عموماً، وفي منطقتنا خصوصاً، بحيث يتطلع الجميع إلى موقف واشنطن من قضية ما ليحددوا موقفهم في الاتجاه المضاد له، لا سيما حين يكون الموقف الأميركي متطابقاً مع الموقف الإسرائيلي، كما هو موقفهما من «المحكمة الدولية» اليوم.
ولقد عبر المحلل الاستراتيجي السابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية السيد فيليب جيرالدي عن هذا الاحتقان المهدد للنفوذ، بل للوجود الأميركي، بوضوح عن هذا الاحتقان في مقالة له نشرها يوم الجمعة على موقع «ضد الحرب» الذائع الصيت في الولايات المتحدة الأميركية والعالم.
قال جيرالدي: «لن يكون مهماً من سينتخب في 2012 اوباما أو سارة بيلين، فبعد ست سنوات من هذه السياسات سننتهي كأمة، وكدولة مفلسة ومكروهة في كل مكان. ارثنا الوحيد سيكون شبكة من سبعمائة قاعدة عسكرية ونيف موزعة في كل أنحاء العالم وستنهار الواحدة تلو الأخرى، فيما كان مفترضاً أن تقدم لنا السلام والرخاء لكنها لم تقدم أيّاً منهما».
وكم كان حرّيا بالرئيس سعد الحريري، وبمعاونيه المخضرمين ، أن يدركوا الفارق بين الظروف التي قادت إلى موقف والده الشهيد رفيق الحريري المعتذر آنذاك عن تشكيل الحكومة عام 1998 وبين ظروف اليوم، فيومها كان والده مدافعاً عن دستور ما زال غضاً بعد الطائف، وعن بند دستوري متعلق بالاستشارات الملزمة، وكان مع رفاقه ضحية ممارسات قاصرة مستثيرة لعواطف كثيرين ومشاعرهم، في حين يشهد لبنان هذه الأيام أخطر مؤامرة تستهدف مشروعاً تاريخياً تحمله الأمة لمقاومة أعدائها، بل تستهدف مشروعاً نجح في تحقيق انتصار ما زالت تداعياته تتفاعل داخل الكيان العدو.
لقد كان جديراً بالرئيس المكلّف ومعاونيه أن يدركوا أن المسألة ليست مسألة أصوات نيابية، يدرك الجميع كيف تنتقل من جهة إلى جهة، وكلنا يذكر كيف أن المجلس الذي أقر اتفاقية 17 أيار 1983 المشؤومة هو الذي ألغاها بعد أشهر، ثم هو نفسه الذي صوّت على معاهدة الأخوة والتنسيق والتعاون مع سوريا عام 1991، بل كلّنا يذكر كيف تحولت الأكثرية التي حملت الرئيس عمر كرامي إلى رئاسة الحكومة عام 2004 سرعان ما تحولت إلى أقلية في ربيع عام 2005 بعد أن تسلل بعض أعضائها، وبينهم من ضرب بسيف السلطان طويلاً، الواحد تلو الآخر، من مواقعهم إلى الضفة المقابلة.
المسألة إذن هي مسألة خيارات تاريخية، لا حسابات ظرفية، ولا يقلل من تاريخية هذا الخيار سوء أداء من هنا، أو خطأ في الممارسة من هناك. فالتاريخ ترسمه اتجاهات كبرى ولا تعّطله تفاصيل، على أهميتها، كما لا توقف حركته شياطين مهما تكاثرت، خصوصاً إذا كانت على شاكلة الشيطان الصهيوني أو تلك الشياطين الموزعة في كواليس القرار في عواصم الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة منها والحديثة.
فهل يجري الرئيس سعد الحريري، ومن معه داخل لبنان وخارجه، وبغض النظر عن نتائج الاستشارات النيابية الملزمة، مراجعة جريئة وعميقة للخيارات والمواقف، ويتذكر أن أول ما فعله والده الشهيد بعد اعتذاره الشهير عن تشكيل الحكومة عام 1998 هو انه منع وسائل إعلامه من نشر أخبار أو تعليقات سياسية تمهيداً لمراجعة شاملة، بل ولاستدارة كاملة، أدت فيما أدت إليه، إلى عودته بعد عامين ظافراً إلى سدة الحكومة وبعد توثيق صلاته بسوريا وبحزب الله نفسه وتمسكه بالخيار الذي تنطوي عليه هذه الصلات.
الصمود في المواقف فضيلة كبرى، لكن المكابرة والعناد في الخطأ اخطر الرذائل.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018