ارشيف من :أخبار لبنانية
الخروج الحريري الثالث... و«خوف الوصول»
جان عزيز - "الأخبار"
إذا صدقت التوقعات والنيات والحسابات، وصدق كل منها إشكالية في ذاتها، فقد يشهد يوم الثلاثاء المقبل، مع نهاية الاستشارات النيابية، الخروج الحريري الثالث، من الفضاء الحكومي اللبناني، منذ نحو عشرين عاماً.
الخروج الأول عرفه الحريري الأب، بعد ستة أعوام كاملة من تربّعه على كرسي الرئاسة الثالثة. كان ذلك في كانون الأول من عام 1998. يومها وصل إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية، وقيل إن تبديلاً حصل في شكل متزامن، في مسؤولية «الملف اللبناني» في دمشق. انكفأ مثلّث الشهابي ـــــ خدّام ـــــ كنعان، وتقدّم بشار الأسد. وقيل إن ما كان يُحكى عن صراع في بيروت بين الجناحين السوريين، الجناح المدني والجناح العسكري، كان قد بلغ مرحلة استحالة التعايش، وحتمية الطلاق وسط تلك الأجواء، أجرى الرئيس الجديد استشاراته النيابية، لتنتهي بصفعة للحريري الأب. فهم سيد قريطم الرسالة، وقبل معادلة الإحراج فالإخراج.
بعدها، أعدّ رئيس الحكومة الأسبق خطة العودة على صهوة فرس بيضاء. طيلة عامين انكبَّ على سد كل الثغر التي نفذوا منها إلى ضربه وفتح لهم كل الفجوات التي تسهل استهدافهم. حصّن وضعه مجدداً في سوريا. اطمأن إلى حلفائه هناك. استمال بعضاً من «الأعداء» في بيروت، ترك الملف المالي والنقدي والاقتصادي يفعل فعله في حكومة الحص، ثم انفتح على بكركي بشعارات مختلفة، ووقف متفرجاً على «عسكرة النظام»، معلّقاً عليها بواسطة «الرسوم المتحررة»... حتى جاءت انتخابات عام ألفين، فعاد منتصراً.
كثيرة هي الأسباب التي أعطيت في حينه ويمكن أن تعطى الآن، لتفسير تلك العودة المظفّرة. فيها طبعاً ذلك التآمر اللبناني السوري لتمرير قانون انتخابات غازي كنعان، وفيها الجهد الحريري السعودي الضخم المبذول، بكل الإمكانات، للثأر، لكن فيها أيضاً فشل «المعارضة السابقة»، و«السلطة الجديدة»، في بلورة البرامج البديلة الإنقاذية والشاملة. وبمعزل عن تحديد المسؤوليات عن ذلك، تبقى النتيجة واحدة: أن الناس أصيبوا بخيبة، وصدمة، تزامنتا مع كل عوامل التحريض والتعبئة والتسويق، فتحوّل الخروج الحريري الأول، خطوة طفيفة إلى الوراء، ضمنت التحفز لوثبة أكبر إلى الأمام.
الخروج الحريري الثاني كان أكثر مأساوية ودموية وتأثيراً في المشهد اللبناني برمّته، وبكل ملحقاته الخارجية، كان ذلك أواخر تشرين الأول من عام 2004. بعد نحو شهرين من التجاذبات التي أعقبت التمديد لإميل لحود مطلع أيلول من ذلك العام، وبعد الكباش العظيم الذي اندلع يومذاك، بين الفريق الدولي المتسلح بالقرار 1559، والفريق السوري المتحصّن بالتمديد، وبعد كلام صريح قيل إنّ جاك شيراك أسمعه بلغة «الأصدقاء» للحريري الأب، قرر الأخير الخروج من اللعبة الحكومية، معلناً عبارته «النبوية» الشهيرة: «أستودعكم هذا الوطن الحبيب». جاء عمر كرامي على رأس حكومة المواجهة للإعصار الدولي فاقتصرت على وجوه اللون الواحد، وقيل يومها إنها اقتصرت على صقوره. وراحت التطورات اللبنانية آنذاك تسير على إيقاع مجلس الأمن. أزمة داخلية كبيرة بدت السلطة الجديدة عاجزة عن احتوائها. وهجمة خارجية أكبر، بدأت تنذر بزعزعة ستاتوكو عمره خمسة عشر عاماً، لا بلد عمره ثلاثة عقود كاملة.
في 14 شباط جاء الزلزال، ليصبح عام 2005 عام التحولات الكبرى، وليتحول الخروج الحريري الثاني، خروجاً من الحياة الشخصية ودخولاً صاخباً في الحياة السياسية للبنان، جعل خروج الحريري الأب قفزة كبيرة إلى الوراء، وقفزاً عظيماً في المجهول.
ولم يلبث المجهول أن تبلور تدريجاً، ليصير عودة حريرية ممرحلة. بدءاً بحكومة نجيب ميقاتي في نيسان 2005، مروراً بحكومتي السنيورة عامي 2005 و2008، وصولاً إلى العودة الكاملة مع الحريري الابن في تشرين الثاني 2009.
إذا صحّت التوقعات والنيات والحسابات يوم الثلاثاء المقبل، فقد تكون الحياة السياسية اللبنانية على موعد مع الخروج الحريري الثالث، وهو ما يفتح ملف الدروس والعبر والخلاصات، كي لا تتكرر أخطاء الخروجَين السابقين، وكي لا تُستعاد مآسيهما.
محصّلة الدروس تلك، ألّا نكون أمام حقبة تحتّم أيّ خروج مأساوي لأي من ثوابت المعادلة الميثاقية اللبنانية.
النصائح التي أسداها وليد جنبلاط في مؤتمره الصحافي أمس، تبدو صائبة تماماً لإنارة الطريق: لا كيدية، لا شارع، لا قهر، لا إلغاء ولا اغتيال سياسياً، فضلاً عن رفض أيّ اغتيال آخر.
كيف يصير خروج الحريري، دخولاً إلى الدولة الميثاقية السليمة السوية؟ إنها المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق الأكثرية الجديدة، إنها وزنتها ورهبتها أمام «خوف الوصول».
إذا صدقت التوقعات والنيات والحسابات، وصدق كل منها إشكالية في ذاتها، فقد يشهد يوم الثلاثاء المقبل، مع نهاية الاستشارات النيابية، الخروج الحريري الثالث، من الفضاء الحكومي اللبناني، منذ نحو عشرين عاماً.
الخروج الأول عرفه الحريري الأب، بعد ستة أعوام كاملة من تربّعه على كرسي الرئاسة الثالثة. كان ذلك في كانون الأول من عام 1998. يومها وصل إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية، وقيل إن تبديلاً حصل في شكل متزامن، في مسؤولية «الملف اللبناني» في دمشق. انكفأ مثلّث الشهابي ـــــ خدّام ـــــ كنعان، وتقدّم بشار الأسد. وقيل إن ما كان يُحكى عن صراع في بيروت بين الجناحين السوريين، الجناح المدني والجناح العسكري، كان قد بلغ مرحلة استحالة التعايش، وحتمية الطلاق وسط تلك الأجواء، أجرى الرئيس الجديد استشاراته النيابية، لتنتهي بصفعة للحريري الأب. فهم سيد قريطم الرسالة، وقبل معادلة الإحراج فالإخراج.
بعدها، أعدّ رئيس الحكومة الأسبق خطة العودة على صهوة فرس بيضاء. طيلة عامين انكبَّ على سد كل الثغر التي نفذوا منها إلى ضربه وفتح لهم كل الفجوات التي تسهل استهدافهم. حصّن وضعه مجدداً في سوريا. اطمأن إلى حلفائه هناك. استمال بعضاً من «الأعداء» في بيروت، ترك الملف المالي والنقدي والاقتصادي يفعل فعله في حكومة الحص، ثم انفتح على بكركي بشعارات مختلفة، ووقف متفرجاً على «عسكرة النظام»، معلّقاً عليها بواسطة «الرسوم المتحررة»... حتى جاءت انتخابات عام ألفين، فعاد منتصراً.
كثيرة هي الأسباب التي أعطيت في حينه ويمكن أن تعطى الآن، لتفسير تلك العودة المظفّرة. فيها طبعاً ذلك التآمر اللبناني السوري لتمرير قانون انتخابات غازي كنعان، وفيها الجهد الحريري السعودي الضخم المبذول، بكل الإمكانات، للثأر، لكن فيها أيضاً فشل «المعارضة السابقة»، و«السلطة الجديدة»، في بلورة البرامج البديلة الإنقاذية والشاملة. وبمعزل عن تحديد المسؤوليات عن ذلك، تبقى النتيجة واحدة: أن الناس أصيبوا بخيبة، وصدمة، تزامنتا مع كل عوامل التحريض والتعبئة والتسويق، فتحوّل الخروج الحريري الأول، خطوة طفيفة إلى الوراء، ضمنت التحفز لوثبة أكبر إلى الأمام.
الخروج الحريري الثاني كان أكثر مأساوية ودموية وتأثيراً في المشهد اللبناني برمّته، وبكل ملحقاته الخارجية، كان ذلك أواخر تشرين الأول من عام 2004. بعد نحو شهرين من التجاذبات التي أعقبت التمديد لإميل لحود مطلع أيلول من ذلك العام، وبعد الكباش العظيم الذي اندلع يومذاك، بين الفريق الدولي المتسلح بالقرار 1559، والفريق السوري المتحصّن بالتمديد، وبعد كلام صريح قيل إنّ جاك شيراك أسمعه بلغة «الأصدقاء» للحريري الأب، قرر الأخير الخروج من اللعبة الحكومية، معلناً عبارته «النبوية» الشهيرة: «أستودعكم هذا الوطن الحبيب». جاء عمر كرامي على رأس حكومة المواجهة للإعصار الدولي فاقتصرت على وجوه اللون الواحد، وقيل يومها إنها اقتصرت على صقوره. وراحت التطورات اللبنانية آنذاك تسير على إيقاع مجلس الأمن. أزمة داخلية كبيرة بدت السلطة الجديدة عاجزة عن احتوائها. وهجمة خارجية أكبر، بدأت تنذر بزعزعة ستاتوكو عمره خمسة عشر عاماً، لا بلد عمره ثلاثة عقود كاملة.
في 14 شباط جاء الزلزال، ليصبح عام 2005 عام التحولات الكبرى، وليتحول الخروج الحريري الثاني، خروجاً من الحياة الشخصية ودخولاً صاخباً في الحياة السياسية للبنان، جعل خروج الحريري الأب قفزة كبيرة إلى الوراء، وقفزاً عظيماً في المجهول.
ولم يلبث المجهول أن تبلور تدريجاً، ليصير عودة حريرية ممرحلة. بدءاً بحكومة نجيب ميقاتي في نيسان 2005، مروراً بحكومتي السنيورة عامي 2005 و2008، وصولاً إلى العودة الكاملة مع الحريري الابن في تشرين الثاني 2009.
إذا صحّت التوقعات والنيات والحسابات يوم الثلاثاء المقبل، فقد تكون الحياة السياسية اللبنانية على موعد مع الخروج الحريري الثالث، وهو ما يفتح ملف الدروس والعبر والخلاصات، كي لا تتكرر أخطاء الخروجَين السابقين، وكي لا تُستعاد مآسيهما.
محصّلة الدروس تلك، ألّا نكون أمام حقبة تحتّم أيّ خروج مأساوي لأي من ثوابت المعادلة الميثاقية اللبنانية.
النصائح التي أسداها وليد جنبلاط في مؤتمره الصحافي أمس، تبدو صائبة تماماً لإنارة الطريق: لا كيدية، لا شارع، لا قهر، لا إلغاء ولا اغتيال سياسياً، فضلاً عن رفض أيّ اغتيال آخر.
كيف يصير خروج الحريري، دخولاً إلى الدولة الميثاقية السليمة السوية؟ إنها المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق الأكثرية الجديدة، إنها وزنتها ورهبتها أمام «خوف الوصول».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018