ارشيف من :أخبار لبنانية

جنبلاط بات مقتنعاً بأنّ ما قبل القرار الاتهامي ليس كما بعده

جنبلاط بات مقتنعاً بأنّ ما قبل القرار الاتهامي ليس كما بعده
نبيل هيثم - "السفير"


ما اعلنه وليد جنبلاط غروب 21 كانون الثاني 2011، هو نتيجة موضوعية للمسار الذي أسس له بانعطافته الشهيرة في 2 آب 2008 عائداً الى موقعه الطبيعي الى جانب المقاومة وسوريا. لم يفعل ذلك بدافع الانتقام او التشفي، ولم يطلب الشكر من احد، كما لم ينتظر الشكر من احد، ومع ذلك جاءه الشكر بليغاً جداً من المكان الذي له مكانة كبرى وتقدير لدى جنبلاط: «لم يكن أحد يتوقع غير هذا الموقف من وليد كمال جنبلاط».

عندما تعطلت المبادرة السورية السعودية، القى جنبلاط باللائمة على من سماها «القوى الظلامية»، ولكم كانت دهشته كبيرة حينما اقترنت وفاة المسعى السوري السعودي، باستقالة وزراء المعارضة من حكومة سعد الحريري، فلم يجد سببا موجبا او وجيها لذلك، وكاد في لحظة ان يندد بتلك الخطوة، ولكنه اكتفى باعتبارها غير موفقة وخطوة متسرعة، وخصوصا ان المعطيات التي توفرت له عن مسودة الاتفاق آنذاك جعلته يعتقد ان الخلل تقني وليس سياسيا وفي الامكان تصحيحه. وهناك من ربط الخلل الذي اشار اليه جنبلاط بروزنامة التنفيذ.

بناء على ذلك، قرر جنبلاط ان لا بد من حركة مشاورات سريعة يجريها لعله ينجح في ترميم ما يمكن ترميمه، فمن جهة انتظر عودة «الرئيس المقالة حكومته» من السفر، ومن جهة ثانية فعـّل تواصله مع الرئيس نبيه بري، وكان لقاء على عجل مع السيد حسن نصرالله ومن ثم لقاء مكمل مع الرئيس بشار الاسد.

كان جنبلاط اول من زاره سعد الحريري بعد عودته من سفرته، في محاولة واضحة للاطمئنان على اصوات نوابه، بعدما بلغت رئيس حكومة تصريف الاعمال انباء بأنه قد لا يتنعم بالثروة النيابية الجنبلاطية. وفي هذا اللقاء حكى الحريري ما حكاه عن الرحلة الأميركية والمسعى السوري السعودي الذي سقط بسبب «الإخلال بالالتزامات وعدم الوفاء بها» على حد تعبير الحريري، قائلا انا «ملتزم بكلّ ما نتج عن المسعى السوري السعودي».

التقى جنبلاط الرئيس الاسد يوم السبت 15 كانون الثاني الجاري، وعاد من دمشق وفي نيته استكمال جولة المشاورات التي بدأها، وشعر بضيق جدي حينما فتح البازار على مصراعيه وبدأت الآلات الحاسبة في توزيع أصوات نوابه هنا وهناك، ووسط هذا البازار أعاد «بعض المنجمين» رفع المتاريس بينه وبين دمشق و«حزب الله». واكثر ما اقلق جنبلاط في ذلك الحين إدخال القرار الاتهامي على خط الاستشارات الملزمة التي كانت على مسافة يومين أي الاثنين في 17 كانون الثاني الجاري.

تراءت لجنبلاط الكأس المرة التي تلوح في افق الاستشارات والافضل له الا يتجرّعها. واما من سيسمي لرئاسة الحكومة الجديدة، فإن الموقف حساس ومكلف، خاصة مع المقولة المعروفة عنه بأنّ الاقليات تذوب امام القوى العظمى، واما في صراع القوى العظمى فإن القوى الصغرى تكون الضحية. لكن مع التلويح بالقرار الاتهامي بلغ القلق لديه اعلى درجاته، ودخل في تسويق فكرة تأجيل استشارات الاثنين تجنباً للتفاعلات التي يمكن ان تطرأ، فناقشها مع قادة المعارضة وطرحها على رئيس تصريف الاعمال الذي رفض ونام الجميع الا جنبلاط وفريقه ليل الاحد السابق للموعد الأول للاستشارات. فيما كان النائب طلال ارسلان يرفد الحركة الجنبلاطية بـ«رسالة مقنعة» وضعها في يد الرئيس ميشال سليمان وفرضت مسارعته الى التأجيل اسبوعاً.

تفاءل جنبلاط خيرا بالقمة السورية القطرية التركية في دمشق ولا سيما لناحية الحرص الذي أعلنته لايجاد حل لبناني مبني على المساعي السورية السعودية، ولكنه سرعان ما عاد الى منطقة القلق مع الاعلان عن احالة القرار الاتهامي من مدعي عام المحكمة الدولية دانيال بيلمار الى قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين. فلم يجد جنبلاط مبررا لتلك الخطوة وبدأ يرسم تداعياتها المحتملة والمقلقة.

لذلك كان لا بد من اتخاذ قرار حاسم خاصة ان المعركة ليست معركة استشارات او حكومة، بل معركة متصلة بأمن البلد واستقراره ووجوده، والقرار الاتهامي يشكل الشرارة التي قد تشعل لبنان، ولذلك اختار جنبلاط موقعه الى جانب المقاومة وسوريا. واتخذ ما قال انه موقف مدروس بتأن وهدوء وبلا تسرّع كما تقتضي المرحلة ونقله الموفدون الى حيث يجب ان يصل، وظهـَّره غروب الجمعة من كليمنصو، التي شكلت في الايام السابقة مقصداً للدبلوماسيين الغربيين وفي مقدمهم السفيرة الاميركية مورا كونيللي، سعيا لنهيه عما سيذهب اليه.

وكان مريبا لجنبلاط الدخول المفاجئ على خط القمة الثلاثية في دمشق من قبل وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل بإعلانه ان المملكة رفعت يدها عن جهود الوساطة في لبنان، ما حدا بجنبلاط الى وصف كلام الفيصل بـ«غير الدقيق ولا يتناسب مع المسار التاريخي المشترك السوري - السعودي في التعاطي مع المحطات المركزية للصراع في لبنان».

شعر جنبلاط بخيبة امل كبرى، خصوصا بعدما تيقن بـ«أن هناك من لا يقول الحقيقة، او يقول نصفها، او يقول شيئا ويضمر شيئا، وان هناك «مسؤولين» يسعون بأيديهم وأرجلهم لإخضاع لبنان، وكذلك سوريا، للمحكمة الدولية. وبعدما ثبت لديه بالملموس ان هؤلاء يماطلون كسباً للوقت لافساح الطريق لاصدار القرار الاتهامي ضد «حزب الله»».

خاب امل جنبلاط لأن الصورة التي عرضت امامه عن التسوية والمدى الذي بلغته ومواقف الاطراف منها المحليين والخارجيين ليست هي الصورة الحقيقية، بل كانت صورة مقلوبة، ومن الخطأ اعتبار الخلل تقنياً، كما سبق له أن اعتقد مع الاعلان عن انهيار التسوية السورية السعودية.

ومن الحقائق التي بدأت تتكشف امامه ان أحداً ما في مكان كانت له اليد الطولى في «خربطة التسوية»، وهناك من يعرض بعض الشواهد:
- في القمة الثلاثية في دمشق، يخرج امير قطر من جيبه ورقة، ويتلوها على انها ورقة التسوية المتفاهم عليها بين دمشق والرياض، والاساس فيها انها تضع المعارضة اللبنانية و«حزب الله» تحديداً وكذلك سوريا في موقع ان تقوم بتنفيذ الالتزامات التي قطعتها حول مجموعة من البنود التي يطلبها سعد الحريري، على ان يبادر الحريري بعد ذلك الى إعلان المطلوب منه حول المحكمة والغاء البروتوكول ووقف التمويل وسحب القضاة. وكانت مفاجأة حمد كبيرة عندما نفى الرئيس بشار الاسد علمه بوجود ورقة كهذه، وقال: «لم ار هذه الورقة على الإطلاق، انها ليست الورقة التي بحثناها». وعندما سأل الأسد الشيخ حمد: من أين أتيت بها؟ اجاب: انها من الامير سعود الفيصل؟

- لقد تبين ان الملك عبدالله بن عبد العزيز، مباشرة ومن خلال نجله الأمير عبد العزيز، كان قد ابلغ الاسد موافقة المملكة على إلغاء المفاعيل اللبنانية للمحكمة الدولية وان الحريري سيلتزم بذلك.
- تبيّن انه بعدما تبلغ الجانب السعودي من الجانب السوري تجاوب المعارضة مع بنود التسوية، بادر سعود الفيصل الى اثارة مسألة «روزنامة التنفيذ» وقلبها بحيث تبدأ المعارضة وسوريا بتنفيذ المطلوب منهما ولا سيما لناحية سحب ملف شهود الزور وكذلك سحب مذكرات التوقيف السورية، ومن ثم يقوم «الرئيس المكلف» سعد الحريري بالمطلوب منه. ومن هنا بات واضحاً الدافع الذي حمل الحريري الى الحديث في مقابلته الصحافية مع «الحياة» عن اننا التزمنا وعلى الفريق الآخر أن يفي بالتزاماته.

- لقد تبيّن ان المعارضة، وبعدما طرحت عليها بنود التسوية، لم تعط موافقتها على البنود التي تعتبر مطالب للحريري، بل تعاطت معها بإيجابية وسجلت بعض الملاحظات، ومنها رفض تعزيز صلاحيات مدير عام الامن العام على حساب مجلس قيادة قوى الامن الداخلي، والتمسك بالتصويت بالثلثين، لأن من شأن تغيير هذه الآلية ان يخل بالتوازن الطائفي في قوى الامن الداخلي. واما الملاحظة الاساسية فكانت حول السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وتفيد بأنّ هذا الموضوع تم الاتفاق عليه في مؤتمر الحوار، على ان يتم تنفيذه بالحوار مع الفلسطينيين وبالإقناع. واما ما يتعلق بالقوانين الـ69 الموروثة من ايام حكومة فؤاد السنيورة فإن المعارضة لم تعط موافقتها عليها، علماً ان بري رفض احالتها مباشرة الى المجلس النيابي خلافاً للاصول، مؤكداً أن هناك اتفاقاً بين رئيسي المجلس النيابي والحكومة حول هذه القوانين وليطبق.

- لقد تبين ان التباساً حصل في تضمن الورقة عبارة «المواكبة الايجابية» لعمل الحريري. اذ ان هناك من تقصد تفسيرها على انها تطلق يد الحريري في كل شيء مقابل التنازل عن المحكمة. ذلك ان المقصود بـ«المواكبة الايجابية» هو ان الحريري كان يخشى بعد تنفيذ المطلوب منه حول التخلي عن المحكمة ووقف التمويل وسحب القضاة، ان تنطلق اصوات معارضة و«تشمت به».
في مؤتمره الصحافي، رفض جنبلاط القول بأن ما قبل القرار الاتهامي غير ما بعده. ولكن بعد المؤتمر بوقت قصير غيّر رأيه، حيث سيقت امامه مجموعة امثلة من وحي مسودة الاتفاق السوري السعودي ومنها:
- ان المسودة تطلب الا يرفع الضباط الاربعة دعاوى، ولكن بعد صدور القرار هل هناك امكانية للطلب او للتمني على الضباط الا يبادروا الى رفع الدعاوى واسترداد حقوقهم ومعاقبة من ظلمهم.
- ان المسودة تطلب سحب السلاح خارج المخيمات، فهل ما زال ممكناً بعد صدور القرار.
- ان المسودة تطلب سحب مذكرات التوقيف، فهل بعد صدور القرار ما تزال هناك امكانية للطلب او للتمني بسحبها؟
- كانت المعارضة تقبل بسعد الحريري رئيساً للحكومة، ولكن هل بات ذلك ممكناً بعد صدور القرار؟


2011-01-24