ارشيف من :أخبار لبنانية

ميقاتي لرئاسة حكومة إنقاذ... و«رباعي طرابلس» يثبّت تحالفه

ميقاتي لرئاسة حكومة إنقاذ... و«رباعي طرابلس» يثبّت تحالفه
خضر طالب - "السفير"


عندما أوقف رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم ووزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو مساعيهما في لبنان، اسـتكمالاً للقاء الثلاثي في دمشق بين الرئيس السـوري بشار الأسد وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، غادرا بيروت وقد نفضا يدهما من الأزمة ظناً منهما أن لعبة الشروط المتبادلة لا تزال عقدة غير قابلة للحل في الوقت الراهن، وأن القيادات اللبنانية هي التي ستستجدي لاحقاً هذه المساعي التي يمكن لها أن تصل إلى نتيجة عند ذاك.

في ذاك الوقت أيضاً كان لرئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط هامش من حرية التصرّف في الاستشارات النيابية، رهاناً على تلك المساعي التي ما إن بلغت الحائط المسدود حتى «أُلغي» هذا الهامش وبات جنبلاط محكوماً بموقف حاسم ما لبث أن اتّخذه «إلى جانب سوريا والمقاومة في الاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة»، وهو ما دفع بالقطريين إلى اتخاذ مبادرة عاجلة في ضوء الانتقال إلى مرحلة مختلفة من المواجهة اللبنانية في ضوء ما استجد.

تحرّكت قطر نحو باريس للتنسيق في ما يمكن وضعه من مخارج تنطلق من الوقائع الجديدة بعد أن باتت قوى المعارضة تمسك بالأكثرية النيابية التي تسمح لها بتسمية مرشحها لرئاسة الحكومة.

كان هناك شبه توافق على ضرورة تقديم اقتراحات تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الجديدة وإقناع المعارضة بعدم الذهاب إلى النهاية في «كسر» رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري تفادياً لتداعيات ذلك لاحقاً.

جرى الاتفاق على طرح مرشح توافقي لرئاسة الحكومة واستمزاج الآراء بين مرشحَيْن هما الرئيس نجيب ميقاتي ووزير الاقتصاد محمد الصفدي، ونُقل هذا الاقتراح إلى بيروت على عجل مساء يوم الجمعة الماضي ووصل إلى رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي أطلع قيادة «حزب الله» على الاقتراح القطري ـ الفرنسي الجديد ثم جرى التشاور مع رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون.

رفض «حزب الله» تحديد موقفه قبل التشاور مع الرئيس عمر كرامي الذي كانت قوى المعارضة قد تمنّت عليه الموافقة على تحمّل المسؤولية. وبالفعل جرى عقد لقاء بين الرئيس كرامي والأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، جرى خلاله التداول في الاقتراحات، فسارع الرئيس كرامي إلى التأكيد أنه عندما وافق على قبول الترشيح كان همّه المساهمة في إخراج البلد من المأزق الذي يتخبّط فيه وهو لا يسعى إلى المناصب، والأهم هو إخراج لبنان من أزمته الخطيرة، وأنه يفضل أن يتم اختيار شخص آخر... واذا تعذر ذلك فهو مستعد لتحمل المسؤولية الوطنية المطلوبة لحماية لبنان.
لكن العقدة الثانية التي كان على المعارضة تذليلها هي في كيفية الاختيار بين الرئيس ميقاتي والوزير الصفدي، خصوصاً أن ميقاتي كان اشترط سابقاً الحصول على مظلّة عربية سورية ـ سعودية لهذا الترشيح.

انطلقت ورشة مكثّفة من الاتصالات في كل اتجاه داخلياً وخارجياً لوضع هذا الاقتراح موضع التنفيذ، وشملت المرشحَيْن التوافقيين الرئيس ميقاتي والوزير الصفدي اللذين كانا على تنسيق كامل في كل الاتصالات الجارية، واستقبل كل منهما وفداً من المعارضة يوم السبت الفائت، قبل أن يتّجه الخيار للتوافق على اسم الرئيس ميقاتي الذي كان يشارك ظهر أمس في اجتماع «رباعي طرابلس» في منزل شريكه الوزير الصفدي مع النائبين أحمد كرامي وقاسم عبد العزيز، وما إن وصل ميقاتي إلى منزله في فردان حتى تلقى اتصالاً من الرئيس بري يبلغه بالقرار وبأن وفداً من المعارضة يريد الاجتماع به، وبالفعل وصل وفد المعارضة حاملاً موقفها وكذلك مجموعة عناوين والتزامات متبادلة، من أبرزها التزام الحكومة المقبلة برئاسة ميقاتي تنفيذ مطالب المعارضة المتعلّقة بإلغاء المحكمة الدولية من خلال البنود الثلاثة: إلغاء البروتوكول الموقّع بين لبنان وبين المحكمة، سحب القضاة اللبنانيين ووقف التمويل، إضافة إلى إحالة ملف شهود الزور إلى المجلس العدلي.

ردّ ميقاتي بأنه لا يستطيع الالتزام بأي شيء لأن هذا الأمر من صلاحيات مجلس الوزراء مجتمعاً وهو لا يستطيع اختصاره بتعهّدات تلغي دور الوزراء، وإنه يمكن للحكومة أن تناقش هذه الملفات وتتخذ بشأنها القرارات التي تراها مناسبة، مؤكداً أنه لن يقبل بأي انتقاص أو قضم لصلاحيات رئيس الحكومة، وفي كل الأحوال يفضّل مراعاة الرئيس سعد الحريري في هذه القضية باعتباره «ولي الدم».

لكن ميقاتي استكمل مطالعته بأنه لا يريد اعتبار تولّيه رئاسة الحكومة انتصاراً لفريق على آخر، وإنما تأكيداً على الخيار الوسطي الذي انتهجه طيلة المرحلة الصعبة وأنه يريد أن يكون رئيس «حكومة إنقاذ» وليس «حكومة انتقام» ، مؤكّداً أن رئاسة الحكومة لا يمكن أن تكون ثمناً للتخلّي عن هذا النهج.
استمع وفد المعارضة الذي ضم المعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» الحاج حسين الخليل والمعاون السياسي لرئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل بإسهاب إلى «ثوابت» ميقاتي وعبّر عن تفهّم المعارضة لها، مؤكّداً أنها لا يمكن من جهتها أن تقبل بحصول أي مساس بصلاحيات رئاسة الحكومة وموقعها الوطني الجامع.

استمر النقاش التفصيلي في البنود المتعلقة بطروحات المعارضة وجرى تبادل الأفكار، ثم انعقد اجتماع مسائي ثانٍ جرى في خلاله البحث في التفاصيل.
في هذا الوقت كان الوزير الصفدي يزور رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لشرح وجهة نظر «رباعي طرابلس» الذي كان اجتمع أمس، وخلص إلى بيان مقتضب جاء فيه: «تم التداول بالمعطيات السياسية وبالمستجدات في ضوء الاستشارات النيابية المنتظرة غداً لتسمية رئيس للحكومة، وأكد المجتمعون أن المسار الذي أخذته الأمور في الساعات الأخيرة يهدد بحصول انقسام وطني خطير، وهذا يُحمّل القيادات جميعاً مسؤولية في إيجاد المخارج اللازمة لتجنيب لبنان احتمالات الانهيار الداخلي وما يستتبعه من تدخلات خارجية. ودعا النواب الى التنبّه لما يصدر عن اسرائيل من إشارات بالدخول على خط الأزمة اللبنانية، وأكدوا أن اتصالاتهم متواصلة بحثاً عن المخارج المحتملة وأن اجتماعاتهم ستبقى مفتوحة».

ويمكن القول، إن التنسيق بأعلى درجاته بين ميقاتي والصفدي مع النائبين أحمد كرامي وقاسم عبد العزيز، أثمر ولادة تحالف سياسي لا يقف عند حدود الاستحقاق الحكومي الحالي، وأكّد على استقلالية هذا التحالف خلافاً لما جرى التداول به خلال الأيام الماضية عن احتساب أصوات هذا التكتّل السياسي في صندوقة قوى 14 آذار، خصوصاً أن النواب الأربعة وقّّعوا على البيان ما يعني بالتالي التزامهم جميعاً ومن دون استثناء بأي قرار يصدر عنهم بشأن الاستشارات النيابية. لكن الأهم في هذا التحالف أنه تفاهم مسبقاً على التأييد المتبادل بين ميقاتي والصفدي في حال تقدّمت حظوظ أحدهما في الترشيح لرئاسة الحكومة، على أن يترجم ذلك بأن يبادر هذا التحالف إلى إعلان ترشيح الرئيس ميقاتي لرئاسة الحكومة بعد اجتماع له اليوم، قبيل موعد بدء الاستشارات النيابية الملزمة في القصر الجمهوري... والتي بات مرجحا لها أن تنتهي مساء يوم غد الى صدور مرسوم تكليف الرئيس نجيب ميقاتي بتكليف الحكومة العتيدة، لتبدأ بعد ذلك مهمة الرئيس المكلف.

2011-01-24