ارشيف من :أخبار لبنانية

إسرائيل وخطر تغيّرات المشهد اللبناني

إسرائيل وخطر تغيّرات المشهد اللبناني

يحيى دبوق - "الأخبار"


توصيف إسرائيل لتطوّرات الوضع في لبنان بأنها «خطيرة جداً وتمثّل تهديداً حقيقياً على إسرائيل وتلزم بمتابعة الوضع والاستعداد»، دلالة إضافية على ارتفاع منسوب القلق الإسرائيلي مما يجري في لبنان. راهنت إسرائيل طويلاً، في ظل تعذّر خياراتها العسكرية ضد المقاومة، على إشغال حزب الله داخلياً، وكان الرهان قائماً على جهات «الاعتدال» في لبنان وما يمكن أن ينتج من «الخصومة» الموجودة لديها باتجاه احتواء حزب الله، ومن بينها تسليك مسارات المحكمة الخاصة بلبنان ضد المقاومة. خشية تل أبيب من إمكان أن يؤلّف حزب الله وحلفاؤه الحكومة المقبلة، وأن تتحول قوى «الاعتدال» إلى معارضة، ينزعان أحد أهم مقوّمات رهانات إسرائيل في الداخل اللبناني ضد حزب الله. صحيح أن قوى 14 آذار ستبقى قوة أساسية على المستوى السياسي، على فرض أن المعارضة ألّفت الحكومة بالفعل منفردة، وبالتالي ابتعاد قوى 14 آذار عن الحكم، يحرمها من أدوات أمنية وسياسية، من موقع السلطة، كانت تمكّنها من مواجهة أكثر نجاعة، ضد حزب الله. وبالتالي يمثل الاتجاه القائم منظور إسرائيل، نحو تشكّل واقع سياسي مختلف في لبنان مؤيد وداعم للمقاومة، قطعاً للطريق على رهانات موجودة في المخيّلة الإسرائيلية، لإشغال المقاومة داخلياً.

الخطر من ناحية إسرائيل، يتكون من عنصرين: في حال إمساك المعارضة بالسلطة، أو في أقل تقدير، إبعاد تسلط قوى 14 آذار عن القرار اللبناني، سيعني إضعافاً للرهان على المحكمة الخاصة بلبنان ضد حزب الله، باعتبار أن مفاعيل مساراتها يستلزم أداة «معادية» وحاكمة للمؤسسات الأمنية والسياسية، وإلا ستكون بلا فائدة عملياً، من منظور المصلحة الإسرائيلية؛ كما أن أصل إمكان تأليف حكومة داعمة للمقاومة، يشير إلى أن المخطط الأميركي ـــ الإسرائيلي، الذي دفع الى إجهاض المسعى السوري ـــ السعودي، كان مبنياً على مغالطات، وقراءة خاطئة لميزان القوى في لبنان وواقعها، ما يعني فقدان التحكم باتجاهات الأمور في هذا البلد.

في سياق التطورات اللبنانية، ورغم القلق والخشية الإسرائيليّين، هناك شبهة يردّدها البعض: هل ما يجري في الساحة اللبنانية، والموصوف إسرائيلياً بالخطير، سيجعل لبنان مكشوفاً أمام اعتداءات تل أبيب؟ بحسب الشبهة، فإن ابتعاد 14 آذار عن السلطة، سيبقي الدولة اللبنانية مكشوفة أمام الاعتداءات الإسرائيلية. وبالفعل، سبق لمسؤولين إسرائيليين أن وجهوا تهديداتهم في أكثر من مناسبة خلال السنوات القليلة الماضية. في الفترة التي سبقت انتخابات عام 2009، هدد وزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك، بأن «انتصار حزب الله وحلفائه في الانتخابات النيابية، سيعرّض الشعب اللبناني لجبروت الجيش الإسرائيلي»، كما حذّرت مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة المستوى في حينه، (يديعوت أحرونوت 06/06/2009) بأن تل أبيب «سترفع كل القيود الموضوعة على توجيه ضربات شديدة إلى لبنان... في حال فوز حزب الله في الانتخابات النيابية اللبنانية».

إلا أن الصورة كما تبدو، غير كاملة، إذ لم تنقطع التهديدات الإسرائيلية طوال السنوات التي أعقبت حرب عام 2006، ولم تكن مرتبطة باستحقاقات أو تغييرات متعلقة بحزب الله وحلفائه فحسب. في فترة تفرد قوى 14 آذار بالسلطة، أو في الفترة التي شاركت المعارضة فيها، ما بعد أيار عام 2008، كانت تهديدات إسرائيل تعلو وتنخفض ربطاً بالتقديرات الاستخبارية في تل أبيب حيال وتيرة ومستوى تعاظم القدرة العسكرية للمقاومة وإمكانات تفعيل هذه القدرة ضد الدولة العبرية. الهدف من التهديدات كان واضحاً: إيجاد حالة من الردع تمنع إمكانات التصعيد العسكري، أو ما يمكن أن يسبّبها. وفي الأغلب الأعمّ، كان الهدف هو منع حزب الله من تجاوز «خطوط حمراء» حيال امتلاك أسلحة نوعية تفقد إسرائيل تفوقها العسكري... مع ذلك، ومع انكسار الخطوط الحمراء تباعاً، لم تقدم إسرائيل على تنفيذ أيّ من اعتداءاتها، وبالطبع ليس خشية من أو على قوى 14 آذار، بل لأن الاعتداء مجازفة، قد يجرّ إلى مواجهة، تقرّ إسرائيل بأن الثمن الذي ستتلقاه بنتيجتها، كبير ومدمر وغير مسبوق.

إذاً، ما منع إسرائيل من تنفيذ اعتداءات، وما سيمنعها في المستقبل، هو امتلاك المقاومة قدرات صاروخية نوعية، وإرادة على استخدام هذه القدرات، الأمر الذي مكّنها من تحقيق ردع تماثلي مع الجيش الإسرائيلي. وبقاء السلاح وبقاء الإرادة هما اللذان يردعان إسرائيل ويفقدانها حافزية الاعتداء على لبنان، مهما كان لون الحكومة اللبنانية المقبلة وطعمها.

2011-01-24