ارشيف من :أخبار لبنانية

شكراً زهير الصدّيق

شكراً زهير الصدّيق

جان عزيز - صحيفة "الاخبار"

على مدى أعوام طويلة، ظل موقف الشارع المسيحي ملتبساً حيال الحريرية السياسية ومشروعها في لبنان. فمن جهة أولى كان هناك فريق مسيحي وقف منذ البداية ضد الحريري، هو فريق القوات اللبنانية بكل أحزابها وتكويناتها. حتى إنه يُروى أن بشير الجميّل حظر على الدبلوماسي السعودي آنذاك الدخول إلى مناطقه. وكانت حجته المعلنة لذلك أن الحريري يعمل على «أسلمة الأرض».
 
حتى عندما أقام رئيس الحكومة الراحل «مستوطنة» كفرفالوس ـــــ كما كان يسميها البشيريون ـــــ وعندما قُدّر لرجال بشير الوصول إلى تلك المنطقة منتصف عام 1982، أول ما قاموا به كان تفريغ تلك «المستوطنة». وكان لافتاً وشهيراً إقدام رجال بشير خصوصاً على نزع أشجار النخيل التي زُرعت في «المستوطنة»، وكانت من أول ما غزا الطبيعة اللبنانية بخلفيات سياسية وثقافية وعقدية مذذاك. واستمر هذا الموقف «البشيري» مع كل أطياف «القوات» والقوى المسيحية المركزية. يومها أمين الجميّل اتهم رفيق الحريري على الهواء أنه عرض عليه مبلغاً من عشرات ملايين الدولارات لشراء موقع رئاسة الحكومة، فردّ الحريري بأن الرقم صحيح، لكن العرض معكوس، وأن الجميّل هو مَن كان صاحب فكرة البيع، وأن ثمّة شاهدين على الواقعة في ذلك المقهى في منطقة فردان.

حتى إن القواتيين «المعاصرين» ظلّوا حتى الأمس القريب يشنّون أقسى الحملات على الحريري ومذهبه السياسي، بحجة أنه كان يموّل الحملات العسكرية التي استهدفت «المناطق المسيحية الحرة».

هذا في الشارع، أما لدى «الأنتلجنسيا» المسيحية، فكان الفرز عميقاً منذ ظهور الحريرية جديّاً أواخر الثمانينيات، وخصوصاً مع بداية التسعينيات، إذ سرعان ما ظهرت طبقة من «المثقفين» المسيحيين المؤيدين للحريرية، لا بل المنضوين إلى بناها العضوية المختلفة. وكان بين هؤلاء رأيان ذرائعيان: رأي يقول إن الالتحاق بالحريري هو السبيل الأفضل لبلورة «ميثاق لبناني جديد»، أو لتجديد معنى الميثاق اللبناني، كوسيلة وحيدة يمكن أن توصل، أو تُعدّ، أو تسهم في بلورة سياق محلي إقليمي ودولي، ينتهي إلى خروج الجيش السوري من لبنان.

في المقابل، كان هناك رأي ذرائعي آخر، بين «المثقفين» المسيحيين المؤيدين للحريري، يقول بالواقعية السياسية والبراغماتية الضرورية، على قاعدة أن المقدّرات المسيحية لم تعد تسمح لهذه الجماعة بأداء الدور الأول في النظام اللبناني، وأن على المسيحيين أن يقبلوا بهذا الأمر ويفهموه ويبلعوه، بحيث يستبطنون تدريجاً نوعاً من الذميّة السياسية، تؤهلهم للالتحاق بالطرف اللبناني الأقوى، ومَن أقوى من الحريرية، العمود الفقري للبدر السنّي كما قِيل، بكل إمكانياته المادية والبشرية والعلائقية، شرقاً وغرباً.

ولم يكن ينقص هذه الآراء إلا «استشهاد» رفيق الحريري، والهجمة الغربية لـ«تحرير» لبنان، التي أعقبت 14 شباط 2005، ومن ثم تحقّق الجلاء العسكري السوري... لتصير الآراء الآنفة الذكر بمثابة المسلّمات والحقائق والثوابت التي لا تسهل مناقشتها ولا يمكن محاججتها، لا بل حتى يستحيل رفضها أو التشكيك فيها.

هكذا حُشر الفريق المسيحي المعارض لمشروع الحريرية السياسية في زاوية التطورات المتسارعة، وأثقل عليه حتى الاختناق لاحقاً، هذا التقاطع الموضوعي بينه وبين حزب الله وسوريا، بعد عام 2005، أو بالتحديد بعد انهيار التحالف الرباعي وقيام تفاهم الرابية ـــــ حارة حريك.
على مدى نحو خمسة أعوام، ظل هذا الفريق يحاول صياغة خطاب نضالي جديد يقوم على مناهضة الحريرية استناداً إلى خطرها السرطاني ـــــ كما يصفه ـــــ على مفهوم الوطن والكيان برمّته، لا على الذاتية المسيحية فيه وحسب.

وكان يجهد الفريق المذكور للشرح والتفسير والأدلجة بأن الوطن أصلاً مجموعة من المرتكزات التأسيسية والعناصر التكوينية، وأن في طليعة هذه الأرض كجغرافيا، والناس كديموغرافيا، والدولة.

ففي الجغرافيا، بُحّ الصوت المسيحي المناوئ للحريرية وهو يُظهر أرقام المساحات الشاسعة المنتقلة ملكيتها إلى جنسيات خليجية محددة، في ظل تشجيع حريري وقوننة ومساعدة.

أما في الناس والديموغرافيا، فلم يغفل أحد عن كون هذا المشروع قد أضاف بتوقيع واحد منه في حزيران 1994 ما يوازي 8 في المئة من مجموع اللبنانيين، والبعض يقول إن عدد الذين أضيفوا يستحيل ضبطه.

تبقى الدولة، وقد حاكت الحريرية حولها دولة رديفة كاملة، على الطريقة العنكبوتية، من المركز الآلي في المالية، إلى 70 مجلساً ومؤسسة في السرايا، إلى 60 مليار دولار ديناً.

ولم تكف الحجج والأدلّة، حتى جاء زهير الصدّيق يتمرّد على سعد الدين الحريري بكلام عن تلفيقة المحكمة، وهو المشارك في الاغتيال. وحتى جاء خالد الضاهر يبشّر بالرجم بالنعال، وهو بطل حلبا وكل المرحلة السابقة لبقرة 14 آذار الحلوب. خدمتان جليلتان أسديتا إلى المناضلين لتعرية الحريرية وإسقاط كل أقنعتها. غداً، قد يجدر بالمعارضين للحريرية أن يرفعوا لافتات يكتبون عليها: شكراً زهير الصدّيق... شكراً خالد الضاهر.

2011-01-25