ارشيف من :أخبار لبنانية

14 آذار: لماذا خسرنا؟

14 آذار: لماذا خسرنا؟

نصري الصايغ، السفير

قبل أن تصبح الخسارة إدماناً لا شفاء منه، وترويجاً لأوهام هشة، ولوماً للخصوم مكرراً، أمام قوى 14 آذار، فترة سماح، قد لا تطول كثيراً، لمراجعة مسيرتها، منذ انطلاقتها بـ«ثورة الأرز»، إلى بلوغها مرحلة قطع الطرقات، بالإطارات المشتعلة، وقطع أوصال «الوطن»، بخطب مذهبية شنيعة، تفوّقت على «الفكر» الذي يخرج من مخابئ طورا بورا، ومعاهد «القاعدة» الظلامية. لم يفت الأوان لمصلحة 14 آذار تحديداً.

على هذه القوى أن تبادر إلى طرح السؤال: لماذا خسرنا؟
البداية، كانت جارفة. ففي لحظة الاستشهاد، انخرطت قوى لبنانية كثيفة في مسيرة «استقلالية»، تطالب «بالحقيقة»، وتصر على المحاسبة. واستقطبت لحظة البداية، تأييداً دولياً حاسماً، واحتضانا عربيا تاما، وتفهما ممن صاروا في ما بعد، «معارضة».

كانت أميركا جورج بوش مع 14 آذار، وكانت فرنسا جاك شيراك كذلك، وكان مجلس الأمن الدولي رهن الاشارة، مكثاراً في إصدار القرارات الحاسمة، وكانت دول الاعتدال العربي شديدة التطرف في التأييد والإدانة، وكانت الطائفة السنية، شريكة الطائفة الدرزية، وبعض الطائفة المارونية. والأهم، كان دم الحريري رافعة، ودماء رفاقه مدداً لا يتوقف في شحذ قوة 14 آذار.

أطاحت هذه القوة بحكومة عمر كرامي باكراً. أجبرت الجيش السوري على انسحاب مهين. حاصرت بعبدا وعزلت رئيسها. وخاضت انتخابات لمرتين، وبتحالفين مختلفين، وفازت بأكثريتين، وألفت حكومات متتالية، برئاستها مع أرجحية وزارية. ومع ذلك، وبعد خمس سنوات، أُسقطت من السلطة، وخرجت مهزومة، بالضربة القاضية أولاً، ثم بالنقاط الدستورية.

فأين الخطأ؟
هل كان القبول، أو الإذعان، لإنشاء محكمة دولية خاصة بلبنان تحت الفصل السابع، خطأ أم لا؟ ألم يكن التسرع في إقرار ذلك، خطأ أم لا؟ ألم يكن عدم الأخذ بعين الاعتبار رأي الفريق الآخر خطأ أم لا؟ هل كان توظيف الدم، بأسلوب الاتهام السياسي، خطأ أم لا؟ ألم يكن اتهام سوريا بالاغتيال خطأ وتسرعاً دفع سعد الحريري ثمنه، أم لا؟ ألم يكن الانتقال من اتهام سوريا إلى تبنّ ضمني لاتهام عناصر من حزب الله بالاغتيال، خطأ أم لا؟
هل كان أسلوب التعاطي مع التحقيق سليما، بهدف بلوغ الحقيقة؟ هل كان موقف هذا التيار خطأ، منذ تعيين القاضي ميشال أبو عراج محققا، فاستقال لأنه رفض سلوك مسلك الانتقام؟ ألم يكن تبني المسار الذي رسمه فيتزجيرالد كارثياً؟ ألم يكن احتضان ديتليف ميليس تراجيدياً؟ ألم يكن بعض ما جاء في التحقيق يشي بوجود «شهود زور»، أو شهود غير ذي صدقية؟ ثم، كيف أدير ملف «شهود الزور»؟ أيجوز الاعتراف بشهود زور أساؤوا، ثم الامتناع عن السير بمقتضيات الاعتراف؟

أين الخطأ؟
أليس اقتحام الفرنسي الملفات اللبنانية كافة، واقتحام الأميركي تفاصيل السياسات اليومية، خطأ جسيما؟ أليس معروفاً ان لفرنسا ثأراً على بشار الأسد ولأميركا ثأراً أبدياً على المقاومة؟ كيف يستقيم الوضع داخلياً، و«الشريك» الوطني محاصر بقرارات دولية وسياسات أميركية ـ إسرائيلية؟
ومع ذلك، ظلت قوى 14 آذار، حاكمة ومتحكمة، إلى أن نفذت إسرائيل عدوانها المدمر على لبنان.

فكيف تعاطت 14 آذار مع تلك الحرب. يوماً بعد يوم، وصولاً إلى القرار 1701؟ هل يمكن مراجعة تلك الحقبة لاتخاذ العبرة؟ ألم تكن تلك الحقبة تعميقاً لانعدام الثقة، وصل إلى حد الشكوك العظمى؟

ألم تشعر قوى 14 آذار بأنها كانت كلما توغلت في طلب الدعم الدولي، والاتكاء عليه، (وهو دعم مطلق وهائل ونافذ)، تخسر على الأرض؟ لقد كانت قوى 14 آذار، تسير بقدميها إلى الهاوية، وقد بلغت الحافة مراراً، إلى أن سقطت فيها في قراري الليل الأسود، يوم الخامس من أيار، الذي استجلب عليها «نكسة» السابع من أيار.

هل بادرت هذه القوى إلى الاعتراف بالخطأ وبالندم، أم أنها عادت وتسلّحت باتفاق الدوحة، فانتعشت مؤقتا، إلى أن خاضت انتخابات بشعارات العام 2005، وهي شعارات مناوئة لسوريا، والمقاومة وحلفائها؟

كانت قوى 14 آذار، تداري كل خطأ بارتكاب المزيد منه. وفي لحظة عربية مؤاتية، و«بنور سعودي قذفه الله في صدر الحريري»، استعاد طريق دمشق، فأجرى مصالحة معها، ثم برأها، ثم اعترف بشهود الزور... ثم توقف ولم... ولم... ولم. ألم يكن ذلك خطأ؟ استتبع كارثة على حكومة سعد الحريري برمتها فأسقطت حكومته التي تتشبث بها أميركا، ثم أسقط في حساب التكليف؟

وأخيراً، ما هذه الورقة التي شهرها وليد جنبلاط؟ أي بنود هي هذه البنود؟ وما هو ثمن «دفن الحقيقة»؟

أخطاء لا مثيل لها في السياسة، لا يكفي أبداً وضع اللوم على فريق 8 آذار وسوريا وإيران. ففي حال الخصومة والعداء، هناك فريق يكسب وفريق يخسر. والخاسر قد يكون على حق، والغالب قد يكون على باطل... ولنفرض أن فريق 8 آذار كان على باطل، فكيف هزم هذا الفريق المحاصر، والمؤيَّد فقط بسوريا المحاصَرة، وإيران المضطهَدة والمعزولة، فريق 14 آذار، الذي اجتمع العالم كله إلى جانبه؟

للفائدة فقط: لا يمكن أن تربح إذا كان نصف شعبك ليس معك، فكيف إذا كان ضدك، ولا يمكن أن تربح إذا كان جارك الأوحد (سوريا) ليس معك أو ضدك.
هاتان بديهيتان، يلزم أن تكونا قاعدتي كل قوة سياسية لبنانية. وعلى هاتين القاعدتين، تبنى الحقائق وليس العكس.

لم يفت أوان الحسابات الذاتية. وإذا ظلت 14 آذار، تلقي اللوم على خصومها، فإنها تكون قد تعلمت أمثولة قديمة جديدة: «دق المي هيي مي».

2011-01-27