ارشيف من :أخبار عالمية

شارع مصر بين طوفان الجوع الهادر ونظام يتكبّر على تقديم التنازلات

شارع مصر بين طوفان الجوع الهادر ونظام يتكبّر على تقديم التنازلات
محللون سياسيون وخبراء إقتصاديون لـ"الانتقاد": مفاعيل التحرك المصري قد تتجاوز أحداث تونس وملايين الفقراء المصريين سينضوون قريباً تحت لوائه
فاطمة شعيتو
استفاق الشارع المصري منذ بضعة أيام على وقع هتافات عارمة أطلقت لها العنان معارضة شعبية تنادي بالتغيير وتطالب بإطاحة النظام الحاكم في ظل تخوّف مسبق أبدته المؤسسة السياسية المصرية من التغيير الجذري الذي آلت إليه مفاعيل "ثورة الياسمين" في تونس وإرباك واضح أمام عنصر شبابي غير حزبي خرج بعفوية ليقول كلمته على الرغم من تحذيرات أطلقتها وزارة الداخلية المصرية بعدم السماح بالتظاهر تحت طائلة الملاحقة والمحاكمة.
وبينما تتوالى دعوات المعارضة الى الخروج لتظاهرات هي الأكبر التي تشهدها مصر منذ ثورة العام 1919 ضد الإستعمار البريطاني ومن ثم "انتفاضة الخبز" في كانون الثاني/ يناير 1977، في ظل تلبية شعبية كثيفة لم تحد من تحركها الخسارة في الأرواح، يتوالى صدور بيانات عن البيت الأبيض، ظاهرها دعوة الحكومة المصرية لأن "تكون حساسة حيال تطلعات شعبها عبر القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، وباطنها تدخل فاقع ومضمور مسبقاً في الشأن الداخلي لبلد عربي ليس الأول على قائمة مشروع الإستغلال والتقسيم الصهيوني الأميركي في المنطقة.

صفوت الزيات: التحرك الشعبي المصري سيجبر النظام على تقديم تنازلات ستمثل الصدع الأول في قدراته
شارع مصر بين طوفان الجوع الهادر ونظام يتكبّر على تقديم التنازلاتشرارة الإنتفاضة المدوية التي أطلقها شعب تونس مؤخراً فتلقفت أصداءها لاحقاً مختلف الشعوب العربية، بدت خلال الساعات الأخيرة جلية الملامح على وجه الساحة المصرية التي شكّل مشهدها الميداني الآخذ في التفجر عنوان حديث أجرته "الانتقاد" مع المحلل السياسي والخبير العسكري المصري العميد صفوت الزيات الذي إعتبر أن فكرة الإطاحة بالنظام المصري المطروحة حالياً في الشارع المصري ستجبر هذا النظام على تقديم تنازلات ستمثّل الصدع الأول في قدراته، وهو القائم على عدم الرضوخ للمطالب الشعبية وهو ما ظهر خلال الإنتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر حيث وصل الأمر الى حد الإستهزاء بتحركات المعارضة عندما عمد جزء منها الى تحقيق ما يسمى البرلمان الشعبي الموازي، لافتاً الى أن التحركات القائمة حالياً مستمرة، وهي قد تبلغ ذروتها خلال الأيام القليلة المقبلة.

ورأى الزيات أن المشهد المصري يقوم حالياًَ على التضاد بين قوتين أساسيتين ومتوازيتين أولهما نظام قائم على سياسة العنف ويعوّل على أنه لن يقدم تنازلات حتى إخماد التحركات المعارضة، وثانيهما حركة كان من المتصوّر أنها ستقتصر زمنياً على يوم واحد هو الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير غير أن استمرارها حتى اليوم رغم سقوط ضحايا يؤشّر الى أن مصر أمام حركة مصممة على أنها لن تتوقف أمام مجرد تنازلات.

وفي السياق نفسه، أشار الزيات الى أنه يضاف الى التصوّر الميداني المسبق للوضع المصري تصوّر آخر دولي ربما ليس لصالح النظام المصري، وهو يتمثّل بموقفين أميركي وأوروبي يحذّر من استخدام العنف ضد المواطنين، موضحا أن هذا النظام يسعى الى الترويج الى أن القائمين بالتحرك المعارض هم جماعات "الإخوان المسلمين"، لافتاً الى أن مصر تقف أمام تطوّرات قد تمثّل نقطة تحوّل كبيرة في ظل نظام له وضع خاص يتمثل بعدم الإنصات لصوت الشعب والتصوّر بأن الأمن القومي يشكّل مسؤوليته الخاصة مقابل حديث متواصل عن ضعف النخبة في الشارع المصري، وهو ما ينقضه التحول الدراماتيكي الكبير الذي تعيشه مصر.

الولايات المتحدة تعيش حالة إرباك حيال الوضع المصري غير مدركة عمق خطورته
وعمّا إذا كان التدخل الأميركي في الشأن الداخلي المصري له خلفية تأتي في سياق المشروع الصهيوني الأميركي الساعي الى تفتيت المنطقة وتقسيمها، أكد الزيات أن النظام الأميركي له رغبة دائمة باستمالة أنظمة أخرى متحالفة معه وتراعي أهدافه في المنطقة، مشيراً الى أن الولايات المتحدة الأميركية "غير مدركة حتى الآن مدى عمق وخطورة الأحداث التي تدور في مصر على اعتبار أنها شكلت عنصر مفاجأة للجميع على غرار تونس التي قيل أن تجربتها لن تتكرر على صعيد دول عربية أخرى، فإذا بالتجربة نفسها تنطلق بعد أيام قليلة في مصر.
وفي هذا الصدد، رأى الزيات أن الإدارة الأميركية التي بدأت تتحدث فور إنطلاق تحركات المعارضة عن تحقيق مطالب الشعب المصري تحت عنوان الحرية والعدالة والإستقرار الحكومي، تعيش حالة إرباك ترجمتها بالدعوة الى عدم استخدام العنف ضد المتظاهرين.

وفي ظل سيناريو مطروح يشير فحواه الى تطلّع أميركي لتحييد الرئيس المصري حسني مبارك عن سدة الرئاسة لصالح رئيس "الجمعية الوطنية للتغيير" محمد البرادعي الذي قطع زيارة الى العاصمة النمساوية فيينا ليعود الى مصر بهدف قيادة التظاهرات اللاحقة في القاهرة، اعتبر الزيات أن دور البرادعي فرض عليه عدم التواجد في الشارع المصري خلال الأيام الماضية ما خلق إحساساً لدى هذا الشارع ليس في صالحه، ولفت الى أن هناك من يوجه له لوماً شديداً في أقطاب المعارضة والحركة الشعبية لعدم حضوره السريع في قلب الأحداث مادياً ومعنوياً.
ورأى الزيات أن الجهة التي تقود الشارع المصري حاليا "مجهولة"، معتقداً أن تياراً من شباب "التواصل الإجتماعي المعلوماتي" (فايس بوك) قد يفرز نخبته القادمة، وأضاف "نحن في لحظة غموض وأمام معادلة النظام مقابل إيقاف الحركة الإحتجاجية دون تقديم تنازلات، وإن وصل مستوى العنف الى القتل".
أحداث مصر تأتي في سياق حركة قد تتجاوز مفاعيلها ما شهدته تونس
وفي ختام حديثة لموقعنا، قال الزيات "أعتقد أن ما يحدث في مصر حركة قد تتجاوز ما حدث في تونس وما يحدث في لبنان بحكم الثقل المصري التاريخي والديمغرافي، ومصر تعيش لحظة تحوّل لافتة في الشرق الأوسط، وإن افترضنا أن النظام نجح في لحظة ما في وقف العمليات الإحتجاجية قبل تقديم تنازل، فإن مجريات الأحداث ستجعل أميركا و"إسرائيل" والتيار الإعلامي الثقافي المؤيد للنظام في ظرف حرج للغاية ستؤرخ تفاصيله السنوات القادمة، كما أرخت الأيام لحظة دخول رئيس حكومة العدو السابق آرييل شارون الى جنوب لبنان في كانون الثاني/ يونيو عام 1982، وهي لحظة تخيّل الجميع أنها ستقود للإنهيار، غير أنها تحوّلت الى نقطة انطلاق حركة المقاومة التي يقودها حزب الله مغيّرة بذلك خريطة الشرق الأوسط بما فيه لبنان".

أحمد بهاء الدين شعبان: سياسة مبارك الإقتصادية أثبتت بشكل قاطع فشلها في تلبية حاجات المجتمع المصري
شارع مصر بين طوفان الجوع الهادر ونظام يتكبّر على تقديم التنازلاتأما في ما يتعلق بانعكاسات الوضع الأمني والسياسي المتأزم الذي تشهده جمهورية مصر العربية على إقتصادها المحلي، والذي تمثّل مؤخراً بخسارة البورصة المصرية أكثر من خمسة مليارات دولار أميركي من التداول بأسهمها خلال 120 دقيقة، فضلاً عن تراجع قيمة العملة المصرية "الجنيه" الى أدنى مستوياتها منذ العام 2005 وخسائر أخرى فادحة في الأسهم المصرية في بورصة لندن، أكد المحلل السياسي والخبير الإقتصادي المصري أحمد بهاء الدين شعبان في حديث خاص لموقعنا أن الحكمة تقتضي الآن مناقشة موضوعية وعميقة لأزمة المجتمع المصري، ذلك أن السياسة الإقتصادية التي انتهجتها السلطة منذ نيسان/أبريل 1974 تحت عنوان الإنفتاح الإقتصادي وتحرير السوق وإعادة هيكلة الإقتصاد المصري وصولاً الى غياب وتيرة الليبرالية الجديدة التي تم اعتمادها بعد حرب تشرين الأول/أوكتوبر في ظل حكم الرئيس حسني مبارك، تثبت بشكل قاطع فشلها الذريع في تلبية احتياجات المجتمع المصري، الأمر الذي ظهر عبر تفاقم حالة البطالة والفقر ومعدلات انهيار المستوى المعيشي والتضخم وارتفاع الأسعار حيث أصبح الملايين من الشباب المصري غير قادرين على الشعور بالأمان وهو عصب التمرد الواسع والثورة التي تشدها مصر اليوم على نظامها".

ملايين الفقراء المصريين سيشكلون قريباً طوفان الجوعى الهادر في الشارع المصري

ورأى شعبان أن النظام المصري يعيش مأزقاً عميقاً سوف يتعاظم ما لم يتم إنجاز إصلاح سياسي أولاً ثم آخر إقتصادي لعلاج المشكلة من جذورها، لافتاً الى أنه "حتى هذه اللحظة، الملايين من فقراء المجتمع المصري الذين قدرت الهيئات الدولية نسبتهم بأربعين بالمئة من مجمل الشعب المصري، وهم يعيشون تحت خط الفقر، لم يدخلوا بعد ساحة المعركة مترقبين مآل الأمور، ليشكلوا بعد هذه اللحظة طوفان الجوعى الهادر في الشارع المصري".
وإذ أكد أن الذين حركوا الشارع المصري هم من أبناء الطبقة الوسطى، أشار شعبان الى أن ثورة أبناء الطبقة الفقيرة في مصر لم تخطُ بعد شبراً على أرض الواقع، معتبراً أن هناك جرس إنذار حقيقي سوف يقرع، وهو يستمد جذوره مما نهب من المجتمع المصري طوال الأعوام الثلاثين ليذهب الى جيوب حفنة من رجال الأعمال الذين لا يتمتعون بالحد الأدنى من الوعي واللياقة الإجتماعية مع إصرارهم الغبي على تحرير جهاز الدولة من أي عيب إجتماعي في بلد يعيش أكثر من نصف شعبه تحت خط الفقر، على حد تعبيره.

أزمة مصر الإقتصادية لن تحل في ظل النظام القائم الذي اخترقه الفساد حتى النخاع
وأضاف شعبان أن النظام المصري مطالب الآن بإجراءات إقتصادية صارمة تبدأ بوضع حد للفساد المتجسد بنهب الثروة الوطنية حيث أصبح الثراء الفاحش مصدر نقمة عارمة في أوساط الجماهير المصرية بكل بفئاتها التي تفتقد أبسط أسباب الحياة، وتنتهي بخطة سريعة لمواجهة ارتفاع أسعار المواد الإستهلاكية الرئيسية وفرض ضرائب تصاعدية تأخذ حق الشعب من جيوب القابضين على الثروات الوطنية، على أن تأخذ بعين الإعتبار الحد من البطالة المتفاقمة في أوساط الشباب المصري".
وختم شعبان حديثه قائلاً " لم تعد الناس في الشوارع المصرية قابلة لتلقف أي أعذار أو مسوغات لتأجيل حل الأزمة الإقتصادية المستفحلة لأن الفقر يلتهم الملايين من المصريين قي ظل حياة ترف أسطوري تعيشها فئة قليلة، وهي أزمة من المؤكد أنها لن تحل في ظل النظام القائم لأن الفساد اخترقه حتى النخاع، وهو مدعاة للمطالب الجوهرية التي ينادي بها المصريون المحتجون اليوم في الشارع".

الاعلامي بن جدو : عصر الديكتاتوريات ولى ولم يعد ممكناً تخبئة أي شيء عن العالم الخارجي
شارع مصر بين طوفان الجوع الهادر ونظام يتكبّر على تقديم التنازلاتبدوره، أكد الإعلامي التونسي غسان بن جدو أن نجاح موجة الاحتجاجات في مصر "رهن بالجماعات الفاعلة على الأرض، في ظل وجود دولة مركزية قوية ونظام أمني متين، لكن مع سقوط الشهداء فإن المشهد قد يختلف".
 
وفي حديث خاص لـ"الانتقاد"، ذكَّر الإعلامي البارز بالثورة التونسية حيث كان سقوط الشهداء مؤشراً على إزدياد شعلة الثورة، فكلما سالت الدماء وسقط شهيد للثورة، بدأ الجماهير بالتحرك والزحف أكثر"، واعتبر بن جدو أن علامات نجاح التحرك الجديد في مصر تكمن "بالثبات وعدم التراجع، لأن تراجع الحركة الشعبية قد يؤدي إلى إجهاض مشروع التغيير"، مؤكداً أنه على بعض الأطراف السياسية أن "تتناغم مع نبض الشارع الذي يتوق إلى التغيير والحرية".

وأشار الإعلامي التونسي بن جدو إلى وجود أوجه تشابه بين الحراك المصري والثورة التونسية، فالأخيرة انطلقت من المدن الداخلية، وشهدت زخماً قوياً انطلاقاً من "سيدي بوزيد"، والأمر قد يكون مماثلاً لما جرى في مدينة السويس حيث الاشتباكات كانت أعنف من مواجهات ميدان التحرير في القاهرة، أما في الأولى فقد جرى قطع الإتصالات الهاتفية بشكل كامل، فضلاً عن التعتيم على وسائل التواصل الإلكتروني في كل البلاد.

وفي السياق نفسه، حذّر بن جدو من أن "النظام المصري قد تعلم من أحداث تونس"، لافتاً الى أنه "على نخب الشعب المصري أن تأخذ أيضاً من تجارب شقيقتها التونسية"، ورأى أن السبب الأساسي للهبات الشعبية التي نراها في بلدان عربية عديدة يكمن في أن الشعوب العربية تواقة إلى إحداث تغيير حقيقي، "فالناس ملّت من الأنظمة الحاكمة، ومن الرعاع البوليسي المتحكم بالبلاد والعباد، وعصر الديكتاتوريات ولى، ولم يعد ممكناً تخبئة أي شيء عن العالم الخارجي أو حتى داخل البلاد".
2011-01-27