ارشيف من :أخبار لبنانية
ما هو سر «الثقة الزائدة» بالنفس لدى نجيب ميقاتي؟
نبيل هيثم - "السفير"
كتب رفيق الحريري جملته الشهيرة على باب الســرايا: «لو دامت لغيرك.. لما اتصلت إليك».
في تلك الجملة، أراد الحريري الأب أن يخاطب نفسه ومن سبقوه إلى السرايا ومن سيأتون من بعده، ولكن يبدو أن سعد الحريري تجاوز «المكتوب» وأعطى منذ إسقاط حكومته ومن ثم تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، أمثلة صارخة على انه غير قادر على استيعاب هذا الانهيار السريع والمتدحرج في البناء الحريري، وغير قابل بالتسليم بأن نجيب ميقاتي سيقيم في ذاك القصر الكبير.
هي ليست ضربة بالمعنى الشخصي للحريري، ولو أراد هو أن يعطيها هذا الطابع، ولا بالمعنى السياسي التقليدي. هي ضربة موجعة للمشروع الذي أراد استثمار جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005، عبر تغيير موقع لبنان الإقليمي وجعله رأس حربة في المشروع الأميركي في المنطقة.
الصورة في محيط الحريري تشي في ظاهرها بالاستعداد لمعركة سياسية طويلة الأمد، خاصة أن الرجل بات يشــعر انه دخل في الاختبار الصعب، وبالتالي أي مراقب يريد ان يقرأ الواقع الحالي لا يسعه إلا أن يستحضر مشهد 1998 مع الحريري الأب ولحظة خروجه من السلطة آنذاك ومن ثم عودته اليها بما يشبه تسونامي نيابي وسياسي بلغ ذروته عام 2000. ويستخلص من استعادة مشهد 1998 ان ليس هناك مجال للمقارنة بين تلك المرحلة والمرحلة الحالية لا بالظروف التي تختلف كلياً عما كانت عليه في تلك المرحلة، ولا بالسياسة ولا بالاشخاص ولا في الوقائع المحلية الإقليمية والدولية، وبالتالي ليس في الإمكان اسقاطها على الواقع الحالي، علماً أن بعض القارئين في فناجين السياسة المحيطين بالحريري ينصحون بمحاولة استنساخ تلك التجربة تعويلاً على الوصول الى النتائج ذاتها التي وصل اليها الحريري الأب عام 2000.
ويكفي ذكر اسم نجيب ميقاتي لكي يكتشف الجالس في حضرة رئيس حكومة تصريف الأعمال، حجم الحقد المكبوت، خاصة في ظل الثقة الزائدة بالنفس التي يبديها ميقاتي، في ظل قلق حقيقي من ان يكون سحر الدعم السعودي الملكي قد انتقل بسحر ساحر وبمفعول رجعي من سعد الحريري الى نجيب ميقاتي، وربما تكمن المصلحة السعودية بتبوء الأخير سدة الرئاسة الثالثة، ليس حفاظاً على مشروع بقدر ما هو تعبير عن وجود قرار بالحفاظ على المصالح السعودية في لبنان التي لا يمكن أن تختزل بشخص أو بيت سياسي.
ويتردد في الأوساط القريبة من رئيس الحكومة عن تشكيل ما يشبه خلية ازمة لدراسة الموقف وتقدير الخطوات الواجب اتباعها في المرحلة الميقاتية، على أن البحث الأساسي يتركز حول كيفية التعايش مع المرحلة الجديدة وكيفية الحد من الخسائر ومنع ذوبان القاعدة الشعبية الشمالية، وتحديداً الطرابلسية، في الحالة الميقاتية الجديدة بما تملكه من فرص ومؤهلات وإمكانات.
وبحسب تلك الأوساط فإن وجهتي نظر تتنازعان البيئة الحريرية، تطرح الأولى الالتزام بالسقف العالي الذي اصدره مكتب الحريري الإعلامي قبيل بدء استشارات التكليف، ويبدو ان الرئيس سعد الحريري يتبنى وجهة النظر المذكورة، وتعتبر الثانية، ان استنساخ مرحلة 1998 ليست مضمونة، وبالتالي تنصح بالبقاء في ميدان السلطة ولو من باب المناورة، ولا سيما ان سلبيات الخروج منها أكثر بكثير من الإيجابيات، ومن هنا يدعو اصحاب وجهة النظر هذه الى القبول بالمشاركة في الحكومة التي سيشكلها، وعلى قاعدة برنامج واضح يسعى الى إحراج ميقاتي وكشف برنامجه للمرحلة المقبلة، وخاصة على صعيد المحكمة، علماً أن مثل هذه المشاركة قد تشكل خط الدفاع الاول عن المحكمة الدولية في حال اريد استهداف تلك المحكمة او سائر الملفات المتصلة بها (شهود الزور) إن في البيان الوزاري او من خلال إجراءات متصلة بإلغاء البروتوكول. كما ان وجهة النظر هذه ترتكز في جانبها الاساسي على اقتراح بمحاولة حمل فريق حزب الله على القبول بتكرار تجربة الثلث الضامن كما سبق ووعد بها اقطاب المعارضة، وآخرهم النائب ميشال عون والنائب سليمان فرنجية.
لكن الصورة في المقابل تشي بثابتتين:
ـ إن الشراكة المطروحة على الحريري شأنها شأن ما هو مطروح على اي مكون سياسي، اي شراكة للتسهيل وليس للتعطيل.
ـ إن فكرة إعطاء الثلث الضامن تكاد تكون مستحيلة، فذلك معناه وضع رقبة الحكومة تحت سكين الحريري يقرر الإطاحة بها ساعة يشاء. وبذلك تتاح له فرصة تعويض الخسارة السياسية التي مني بها، وتعطيل أي إجراء تقرره الحكومة في ما خص المحكمة والقرار الاتهامي وصولاً الى شهود الزور. فبدل أن يحكم الحريري من على رأس الحكومة يحكمها بالثلث الضامن.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018