ارشيف من :أخبار لبنانية

عن مفاجآت 25 كانون الثاني

عن مفاجآت 25 كانون الثاني
ابراهيم الأمين - "الأخبار"
لنعد قليلاً إلى الوراء، ليس كثيراً، إلى بضعة أسابيع خلت، عندما كانت المفاوضات السورية - السعودية جارية بشأن الازمة في لبنان، إذ إن من المفيد تذكير من يرغب، بأن اصل النقاش كان حول بند واحد اسمه المحكمة الدولية والقرار الظني المنتظر. كانت الصراحة شديدة، الى حدود أن الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، كان قد سمع كلاماً مباشراً من الرئيس السوري بشار الأسد، فيه أن لا سوريا ولا إيران ولا حزب الله ولا المعارضة في لبنان، سوف يقبلون ترك الامور تسير هكذا من دون رداع أو حسيب، وأن مبدأ اتهام حزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري مرفوض، لأن من يفعل ذلك إنما يستند إلى معطيات ومعلومات جرت فبركتها. وقد أُطلع السعوديون على جانب من هذه المعلومات، خصوصاً تلك التي تقاطعت مع ملفات أولية أعدّها فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي في لبنان تحت عنوان «شبكات الاتصال المغلقة».

لم يتأخر السعوديون في إدراك حساسية الموقف، ثم إنهم لم يتأخروا في فهم حقيقة أن المعارضة في لبنان ومعها سوريا وإيران لن يقبلوا هذا الأمر بأي شكل من الأشكال، خصوصاً بعدما ظهر لأجهزة الاستخبارات المعنية، ما يكفي من معطيات عن عمليات التزوير والفبركة التي رافقت عمل لجان التحقيق الدولية. وكان الأهم، هو تفهم الملك عبد الله وبعض أركان حكمه لجدية الأمر وخطورته وحساسيته. وهذا ما ساعد على إنجاز تفاهم سريع على ملف المحكمة، قام على أساس أنه إذا لم يكن بإمكان أي من الأطراف المحلية أو الإقليمية القدرة على إصدر قرار بحل المحكمة الدولية، فإن من الممكن أن تبادر الحكومة اللبنانية الى جملة خطوات تقطع علاقتها بالمحكمة، وإلغاء كل أشكال التعاون الأمني والقضائي واللوجستي.

لكن ما حصل، هو أنه بعد أيام قليلة من إنجاز الاتفاق - التفاهم، تلقت سوريا رسالة سعودية عاجلة تطلب فيها إضافة بند سياسي على التفاهم، وجرى تبرير الأمر بأنه حاجة لتحصين التفاهم، ولتثبيت الحكومة القائمة، ومدّ الرئيس سعد الحريري بمقويات يحتاج إليها في مواجهة جمهوره وحلفائه. وعندما استُمع إلى تفاصيل هذا الطلب، بدا سريعاً أن الحديث يدور حول مطالب جوهرية تخص وجود الحريري وفريقه في الحكم، ومطالب أخرى تفيد حلفاءه، وهي لائحة المطالب التي تبدأ بوقف التعقبات عن فريق الحريري القضائي والأمني والإعلامي في لبنان (إقفال ملف شهود الزور) وسوريا (سحب مذكرات التوقيف ورد الملف القضائي إلى لبنان) والعالم (تعهّد اللواء جميل السيد وبقية المتضررين بعدم إقامة أي دعوى قضائية في العالم). وتصل المطالب إلى ملف السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات، وتثبيت الحكومة الحالية، وإزالة العقبات أمام ورشة العمل المقترحة من الحريري في الإدارة والمالية والخصخصة.

لكن، خلال أيام قليلة، عملت الولايات المتحدة الاميركية، وفريق في القيادة السعودية، ومصر، وقيادات بارزة في فريق 14 آذار بينها الرئيس الحريري نفسه، بكثافة على تأخير إقرار أي تفاهم الى ما بعد صدور القرار الاتهامي، والطلب الى دانيال بلمار الإسراع في إحالة أوراقه إلى القاضي دانيال فرانسين. وكان في خلفية هذا القرار، أن إصرار سوريا والمعارضة على التوصل إلى اتفاق على المحكمة، والقبول مبدئياً بغالبية مطالب الحريري الداخلية، يعني أن فريق المعارضة ليس بقادر على المبادرة، وأن ما يمكنه القيام به هو ما يهدّد به حزب الله من تحرك أمني سوف يكون لبنان كله ضده، وسوف يكون العالم العربي والغربي ضده أيضاً... كانت الخلفية تقول بأنه لا معنى لكلام حزب الله عن أن ما قبل صدور القرار ليس كما بعده.

صدر القرار، وفجأة انتقل الجميع الى جدول أعمال مختلف. وبدأت سلسلة المفاجآت - الصدمات لفريق 14 آذار ومعه الأميركيون وبعض العرب:
- جهوزية المعارضة لعدم القيام بأي خطوة في الشارع، وعدم اللجوء إلى حرق إطار واحد، والاكتفاء بمشهد المجموعات التي انتشرت لنحو ساعتين في عدة نقاط من بيروت.
- انتقال المعارضة إلى اللعبة الدستورية وفق آلية مُحكمة، قضت بالاستقالة الفورية وإطاحة الحكومة، وإبلاغ النائب وليد جنبلاط ضرورة إعلان موقف واضح ونهائي وغير قابل للتردد، والتوجه صوب قرار تأليف حكومة من طرف واحد.
- لجوء المعارضة الى تسمية الرئيس نجيب ميقاتي الذي وجد في عواصم عدة عربية وغربية ما يكفي من عدم الممانعة والدعم، والانتقال فوراً الى ترتيب إجراءات دستورية لم يكن بمقدور فريق 14 آذار ولا رئيس الجمهورية ميشال سليمان تعطيلها.

في هذه الأجواء، يمكن فهم حالة الارتباك غير العادية التي عاشها فريق 14 آذار، ولا سيما فريق الرئيس الحريري، الذي اكتشف نفسه مشلولاً غير قادر إلا على النزول في الشارع، ولكن أين وبوجه من؟ إذ بدا أنه هو من يريد إشعال فتنة سنية - سنية فكانت غلطة 25 كانون الثاني القاتلة.
لكن ثمة مفاجأة كبرى أظهرها لنا السيد حسن على طريقته في الحروب ضد إسرائيل، وتمثلت في أنه لم يحصل أن شوهد عنصر واحد من حركة أمل يسير في شوراع العاصمة يومي 25 و26 كانون الثاني 2011!
2011-01-28