ارشيف من :أخبار لبنانية
الحكومة الجديدة بين ضمانات ميقاتي وخيارات الغالبيّة
نقولا ناصيف - "الأخبار"
لن يطول الوقت حتى تبصر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي النور منتصف الأسبوع المقبل، مع أن البعض القريب منه لا يلمس كثيراً استعجاله. بين تسميته رئيساً مكلفاً في 16 نيسان 2005 وتأليفه الحكومة في 19 نيسان، ثلاثة أيام كانت كافية لإظهار علاقة الرجل بالوقت واقتناص الفرصة.
بدءاً من غد، يبدأ الرئيس المكلف نجيب ميقاتي جوجلة الاستشارات النيابية لتحديد ملامح حكومته الثانية، وثالثة حكومات عهد الرئيس ميشال سليمان. ورغم تكتم المعارضة حيال الصيغة التي يرغب ميقاتي في التوصّل إليها، مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، لحكومة المرحلة المقبلة في ظلّ توازن قوى جديد أجرى انتقالاً للسلطة من قوى 14 آذار إلى قوى 8 آذار، ووضع الغالبية النيابية بين يدي هذه، فإن بضعة معطيات تستبق تأليف الحكومة الجديدة، من غير أن توحي بعقبات في طريق الرئيس المكلف:
1 ـ سعي رئيس الجمهورية والرئيس المكلف إلى حكومة يشارك فيها الأفرقاء جميعاً بمن فيهم تيار المستقبل وقوى 14 آذار، بغية دعمها بأوسع توافق وطني يمكّنها من الحكم وتعزيز الاستقرار السياسي والأمني وتحريك دورة النشاط الاقتصادي. إلا أن الرئيسين، وكذلك الغالبية النيابية الجديدة، يبدوان متيقّنين من أن المعارضة الجديدة لن تنضمّ إلى حكومة ميقاتي، وأن قراراً جدياً ونهائياً اتخذ بذلك.
ويستند هذا اليقين إلى الأسلوب غير المألوف في لقاءين قصيرين لبضع دقائق بين ميقاتي ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، غير مسبوق في علاقات مماثلة بين سلف وخلف في رئاسة الحكومة، ولا في تقاليد علاقات رؤساء الحكومات المتعاقبين، كما عند استقبال السلف خلفه في منزله، فلا يجامله في أحسن الأحوال بل يقطّب جبينه أمامه. لم يمنح لقاء الرجلين، وخصوصاً في نظر العارفين بطبائع الحريري، أي فرصة للقول بمرحلة جديدة بينهما كزعيمين سنيين. كانت الرسالة الواضحة من لقاءي الزيارة التقليدية والاستشارات النيابية أن الحريري ـــ على ما اعتاد أن يستخدم العبارة ـــ لا يريد أن يمنح ميقاتي غطاء شارعه السني لحكومته الجديدة.
لكن الأمر لا يقتصر على الجانب الشخصي فحسب، بل يتصل ببعد آخر يجري تداوله داخل حلقات ضيقة في تيار المستقبل، من أن وجود الحريري في الحكم والمحكمة الدولية لم يعودا خطاً أحمر سعودياً.
2 ـ يميل الرئيس المكلف إلى حكومة أكبر من تلك التي ترأسها عام 2005 وكانت من 14 وزيراً، ولا تزيد على 24 وزيراً من أجل منحها فاعلية أكبر في العمل وتخفيف الطابع الفضفاض في حجمها. مع ذلك لا يسقط احتمال تأليف حكومة من 30 وزيراً تتمثل فيها معظم قوى الغالبية النيابية الجديدة، ومطعّمة بوزراء تكنوقراط. وتبعاً لأحاديث بعيدة عن الأضواء حيال تركيبة الحكومة الجديدة، ستكون لرئيس الجمهورية حصة لا تزيد على ثلاثة وزراء، ولرئيس الحكومة حصة لافتة تمكّنه من امتلاك هامش واسع من الحركة بغية تفادي إضفاء اللون الواحد على الحكومة الجديدة، وإن طغى عليها تمثيل الغالبية الجديدة، ورفض المعارضة الجديدة المشاركة فيها.
3 ـ على وفرة ما يشيع أقطاب الغالبية الجديدة عن استعدادهم لمنح المعارضة الجديدة ـــ إذا انضمت إلى الحكومة ـــ نصاب الثلث +1 فيها، فإن الأمر لا يبدو كونه دعائياً لا أكثر. لا نصاب معطّلاً لأحد، ولا استعادة لتجربة حكومة الوحدة الوطنية. وما أباحته قوى 8 آذار لنفسها في الحكومة المستقيلة، لن تقدّمه لخصومها في الحكومة الجديدة.
على نحو كهذا، يصحّ تبرير احتفاظ رئيس الجمهورية بثلاثة وزراء من حصته دونما حاجة إلى آخرين ودائع، لأن لا ثلث +1 لأحد، ولا دور توافقياً في المرحلة المقبلة سيحتاج إليه رئيس الجمهورية في حكومة لن تضم هذه المرة نقيضين متناحرين، يفصل بينهما الرئيس التوافقي، أو يقيّد ـــ مقدار ما يستطيع ـــ حصول أي منهما على نصاب مرجّح أو آخر معطّل من خلال وزراء ودائع. سيكون للغالبية الجديدة ثلثا الحكومة من ضمن فريق عمل يريد ميقاتي أن يكون متجانساً.
4 ـ يعوّل ميقاتي في ترؤسه الحكومة الجديدة على ضمانات حصل عليها من دمشق وحزب الله، تمكّنه من حماية حكومته من محاولة استنزاف تيّار المستقبل لها عبر الشارع السنّي. وتكمن هذه الضمانات في:
ـ منحه أوسع هامش تحرّك في علاقة الموالاة الجديدة بالمعارضة الجديدة، وعدم إحراج رئيس مجلس الوزراء في ممارسته صلاحياته الدستورية في مجلس الوزراء.
ـ عدم قطع رؤوس حقبتي الحريري ومن قبله الرئيس فؤاد السنيورة، وخصوصاً بإزاء فريق العمل القضائي والأمني الذي أحاط بالرئيسين السابقين للحكومة، وكان عُيّن إبان الحكومة الأولى لميقاتي في 28 نيسان 2005: اللواء أشرف ريفي مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلي والقاضي سعيد ميرزا مدعياً عاماً تمييزياً.
ـ عدم ملاحقة أي من رموز المرحلتين السابقتين تحت شعار فتح ملفات الفساد وإهدار المال العام على نحو ما رافق مطلع عهد الرئيس إميل لحود. إلا أن هذا التطمين يقترن بوضع اليد على كل هذه الملفات ووضعها على الطاولة.
5 ـ فتح الباب على تداول عدد من الأسماء، معظمها بدا باكراً أنه يتسم بالجدّية للتوزير:
ـ يُطرح اسم نائب رئيس مجلس الوزراء السابق عصام فارس للمنصب نفسه إذا وافق على العودة إلى بيروت ومعاودة نشاطه السياسي.
ـ ُطرح كذلك من الوزراء الموارنة ناجي البستاني وجان عبيد وجبران باسيل ووسام بارودي (صهر رئيس الجمهورية)، ووزيران مارونيان أحدهما للنائب سليمان فرنجية والآخر لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط هو إيلي عون.
ـ ثلاثة أسماء كاثوليكية هي: القاضي سليم جريصاتي (يرجح لحقيبة العدل ويتمسّك بترشيحه حزب الله لسببين: أولهما تعاونه القانوني معه في ملف الحملة على المحكمة الدولية، وثانيهما ردّ الاعتبار إلى الرئيس إميل لحود لدعمه الحزب)، ونقولا فتوش الذي أسهم في قلب الغالبية النيابية، وميشال سماحة.
ـ من المرشحين السنّة للحكومة الجديدة: محمد الصفدي وليلى الصلح وعبد الرحمن البزري وعبد الرحيم مراد وعدنان القصار أو شخصية بيروتية تكنوقراط قريبة من ميقاتي.
ـ لن يتمثل حزب الله بوزراء من صفوفه، بل بأصدقاء على غرار تجربته في الحكومة الأولى لميقاتي، أحدهم عدنان السيّد حسين. ويسمّي رئيس المجلس نبيه برّي وزيرين من حركة أمل وثالثاً مستقلاً على غرار ما درج عليه منذ حكومة الرئيس عمر كرامي عام 2004.
ـ الوزراء الدروز الثلاثة هم: غازي العريضي ووائل أبو فاعور وطلال أرسلان.
6 ـ لن يجد الرئيس المكلف نفسه مربكاً في مقاربة حكومته، بدءاً من البيان الوزاري، الموقف من المحكمة الدولية، وتبني التسوية التي كان قد وافق عليها سلفه الحريري ثم تخلى عنها، وهي آلية وقف تعاون لبنان مع المحكمة تبعاً لثلاثة إجراءات: وقف التمويل وسحب القضاة اللبنانيين وتجميد بروتوكول التفاهم مع الأمم المتحدة.
عندما وافق الحريري على هذه الآلية، واعترف بها لجنبلاط عندما أبرزها له في آخر لقاء جمعهما في منزل الزعيم الدرزي في كليمنصو في 13 كانون الثاني، قبل أن يحمل جنبلاط موافقة الحريري هذه إلى الرئيس السوري بشّار الأسد في 15 كانون الثاني، لم يعد ثمّة من يتردّد في التزام ما كان التزمه الحريري ثم تراجع عنه. بذلك يقع وقف لبنان تعاونه مع المحكمة الدولية في صلب مهمة الحكومة الجديدة بطرحه أمام مجلس الوزراء وإقراره بغالبية تزيد على ثلثي وزرائه، الأمر نفسه بالنسبة إلى ملف شهود الزور بإحالته على المجلس العدلي
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018