ارشيف من :أخبار لبنانية
مأزق الحريري: لغة البورصة أم لفّة الأصولية؟
جان عزيز - "الأخبار"
على سيرة مشهدية 14 آذار 2005، كان أركان الفريق السيادي يومها يتهامسون يومياً معلومات عن حركة تحريضية يقوم بها جميل السيّد بحسب معطياتهم، ضد تحالفهم، إذ كان يُروى في حينه أن السيّد يقوم عبر عناصره بالتقاط مجموعات كبيرة من الصور الفوتوغرافية للمشاركين من القوى المسيحية في الاعتصامات حول مدفن رفيق الحريري، ثم كان يختار الصور الأكثر تظهيراً للحالة الاحتفالية التي كان يعيشها الشبان المسيحيون آنذاك، ويرسلها إلى الفريق الحريري الجديد، مع عبارة: هؤلاء هم المفجوعون باستشهاد رفيق الحريري.
مهما كانت صحّة هذه الرواية المتداولة في حينه، فإنها تظل في خلفيتها مؤشرة إلى حقيقة أن المزاج المسيحي المعارض هو ما مثّل المحرّك الفعلي لحركة 14 آذار 2005، وهو مزاج نزل إلى الساحة بهرجه ومرجه وأناشيده وفرحه، تحت شعار: «حرية، سيادة، استقلال». وسرعان ما تنبّه المزاج الخاص بالفريق الحريري إلى هذا الواقع، فبادر إلى محاولة التمايز على صعيدين: أولاً في الشكل، لناحية التزام مزاج هذا الفريق بتعابير حالة الحداد والأسى والوجوم، وثانياً في المضمون، لناحية الابتعاد عن شعارات السيادة والاستقلال، والاكتفاء بشعار بديل: «حقيقة، حرية، وحدة وطنية»، وذلك في إشارة واضحة من الفريق الحريري مذذاك أولاً إلى حصرية مسألة الاغتيال بالنسبة إليه، وثانياً إلى حرصه على الابتعاد يومها عن إشكالية الوجود السوري في لبنان، حتى ما بعد الانسحاب الكامل في 26 نيسان من ذلك العام.
في كل الأحوال، بدا واضحاً لجميع المعنيين في ذلك الزمن، أن الشارع المسيحي ضمن التحالف السيادي كان قاطرة التحرّك، وواجهته، والإطلالة المطلوبة له، والمسلّم بها لأكثر من سبب...
هذا الواقع بالذات، هو ما تبلور وتظهّر واتّضح في طرابلس أثناء «غضب» إحدى ساحاتها قبل يومين، إذ أفرزت تلك الأحداث بعنفها ومأسويتها، حقائق لافتة، أبرزها الآتي:
أولاً، أن الشارع المسيحي المتحالف مع الحريري لم يكن معنياً بأزمته المستجّدة ولا معبّأً لنصرته، ولا مستعداً للمشاركة حتى بتعبير سلمي مؤيّد له. وهذا ما كان جليّاً في اقتصار الحركة الاعتراضية على مناطق من لون مذهبي واحد، كما في ضحالة محاولة التعويض، عبر إعادة إحياء حركة الاعتصام عند قبر الحريري في وسط بيروت.
ويعتقد المراقبون أنّ خلف هذه الظاهرة أكثر من دافع ومسبّب. منها رسالة حازمة وصلت من القوى العسكرية إلى حلفاء الحريري المسيحيين بأن اللعب بالشارع ممنوع منعاً باتّاً، تحت طائلة إعادة الاعتبار إلى كل الدولة، ولو عند مفترق «فوروم دو بيروت»، ومنها أيضاً رأي يقول بعودة المزاج المسيحي المؤيّد للحريري إلى انعزالية انطوائية لا تخلو من بعض عنصرية، على طريقة التفكير في أن المعركة الآن سنيّة ـــــ شيعية، فلا علاقة لنا بها، و«فخّار يكسّر بعضه». غير أن سبباً آخر أكثر تثقيلاً وأهمية يكمن خلف هذا الانفكاك المسيحي، ألا وهو عدم الاقتناع بالدوافع التي يقدمها الحريريون لمعركتهم. حتى إن هذه الظاهرة وجدت طريقها إلى صفحات مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، التي كتبت قبل أسبوع أن استطلاعات الرأي في لبنان تشير إلى تحوّل أكثرية المسيحيين اللبنانيين ضد المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري. حتى إن الدورية الأميركية الجديّة توقعت قبل سبعة أيام فشل أيّ حركة شعبية كبيرة دعماً للمحكمة. واللافت أن المجلة تستند في خلاصتها إلى استطلاع أجرته في لبنان قبل شهرين مؤسسة أميركية متخصصة هي «بيشتر ميدل إيست بولز». إذ أظهر الاستطلاع المذكور أنه في مقابل أكثرية سنية من 79 في المئة تعدّ المحكمة «حرة ونزيهة»، فقط 42 في المئة من المسيحيين يوافقون هذا الرأي «إلى حدّ ما»، فيما 55 في المئة من المسيحيين يرونها عكس ذلك. واللافت في الاستطلاع نفسه أن 3 في المئة فقط من المسيحيين يرون في سعد الدين الحريري الزعيم الوطني الذي يعجبون به في ظل أكثرية مسيحية واضحة أيضاً لم تعد تنتظر أي مساعدة تذكر من واشنطن.
الحقيقة الثانية التي أفرزتها ساحة طرابلس هي أن القوة الأساسية في الوسط السني المؤيد للحريري والمعبّأة لنصرته، ليست الطبقة السنية التقليدية البيروتية، ولا جانبية السني اللبناني المنتمي إلى الطبقة المتوسطة، بل الشريحة السلفية أو الأصولية التي غالباً ما قدمت الحريرية نفسها للغرب على أنها الجهة الصالحة لأن تكون بديلاً عنها، لا حليفاً لها. وهو ما جعل الحريرية الثانية تقع في مأزق طرابلسي ليس تفصيلاً، مأزق يتعدى البنى السطحية إلى عمق التركيب التكويني لهذا الفريق، الذي ظل خمسة أعوام يتوهّم ويوهم أنه قادر على الجمع بين لغة البورصة ولفّة الأصولية...
على سيرة مشهدية 14 آذار 2005، كان أركان الفريق السيادي يومها يتهامسون يومياً معلومات عن حركة تحريضية يقوم بها جميل السيّد بحسب معطياتهم، ضد تحالفهم، إذ كان يُروى في حينه أن السيّد يقوم عبر عناصره بالتقاط مجموعات كبيرة من الصور الفوتوغرافية للمشاركين من القوى المسيحية في الاعتصامات حول مدفن رفيق الحريري، ثم كان يختار الصور الأكثر تظهيراً للحالة الاحتفالية التي كان يعيشها الشبان المسيحيون آنذاك، ويرسلها إلى الفريق الحريري الجديد، مع عبارة: هؤلاء هم المفجوعون باستشهاد رفيق الحريري.
مهما كانت صحّة هذه الرواية المتداولة في حينه، فإنها تظل في خلفيتها مؤشرة إلى حقيقة أن المزاج المسيحي المعارض هو ما مثّل المحرّك الفعلي لحركة 14 آذار 2005، وهو مزاج نزل إلى الساحة بهرجه ومرجه وأناشيده وفرحه، تحت شعار: «حرية، سيادة، استقلال». وسرعان ما تنبّه المزاج الخاص بالفريق الحريري إلى هذا الواقع، فبادر إلى محاولة التمايز على صعيدين: أولاً في الشكل، لناحية التزام مزاج هذا الفريق بتعابير حالة الحداد والأسى والوجوم، وثانياً في المضمون، لناحية الابتعاد عن شعارات السيادة والاستقلال، والاكتفاء بشعار بديل: «حقيقة، حرية، وحدة وطنية»، وذلك في إشارة واضحة من الفريق الحريري مذذاك أولاً إلى حصرية مسألة الاغتيال بالنسبة إليه، وثانياً إلى حرصه على الابتعاد يومها عن إشكالية الوجود السوري في لبنان، حتى ما بعد الانسحاب الكامل في 26 نيسان من ذلك العام.
في كل الأحوال، بدا واضحاً لجميع المعنيين في ذلك الزمن، أن الشارع المسيحي ضمن التحالف السيادي كان قاطرة التحرّك، وواجهته، والإطلالة المطلوبة له، والمسلّم بها لأكثر من سبب...
هذا الواقع بالذات، هو ما تبلور وتظهّر واتّضح في طرابلس أثناء «غضب» إحدى ساحاتها قبل يومين، إذ أفرزت تلك الأحداث بعنفها ومأسويتها، حقائق لافتة، أبرزها الآتي:
أولاً، أن الشارع المسيحي المتحالف مع الحريري لم يكن معنياً بأزمته المستجّدة ولا معبّأً لنصرته، ولا مستعداً للمشاركة حتى بتعبير سلمي مؤيّد له. وهذا ما كان جليّاً في اقتصار الحركة الاعتراضية على مناطق من لون مذهبي واحد، كما في ضحالة محاولة التعويض، عبر إعادة إحياء حركة الاعتصام عند قبر الحريري في وسط بيروت.
ويعتقد المراقبون أنّ خلف هذه الظاهرة أكثر من دافع ومسبّب. منها رسالة حازمة وصلت من القوى العسكرية إلى حلفاء الحريري المسيحيين بأن اللعب بالشارع ممنوع منعاً باتّاً، تحت طائلة إعادة الاعتبار إلى كل الدولة، ولو عند مفترق «فوروم دو بيروت»، ومنها أيضاً رأي يقول بعودة المزاج المسيحي المؤيّد للحريري إلى انعزالية انطوائية لا تخلو من بعض عنصرية، على طريقة التفكير في أن المعركة الآن سنيّة ـــــ شيعية، فلا علاقة لنا بها، و«فخّار يكسّر بعضه». غير أن سبباً آخر أكثر تثقيلاً وأهمية يكمن خلف هذا الانفكاك المسيحي، ألا وهو عدم الاقتناع بالدوافع التي يقدمها الحريريون لمعركتهم. حتى إن هذه الظاهرة وجدت طريقها إلى صفحات مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، التي كتبت قبل أسبوع أن استطلاعات الرأي في لبنان تشير إلى تحوّل أكثرية المسيحيين اللبنانيين ضد المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري. حتى إن الدورية الأميركية الجديّة توقعت قبل سبعة أيام فشل أيّ حركة شعبية كبيرة دعماً للمحكمة. واللافت أن المجلة تستند في خلاصتها إلى استطلاع أجرته في لبنان قبل شهرين مؤسسة أميركية متخصصة هي «بيشتر ميدل إيست بولز». إذ أظهر الاستطلاع المذكور أنه في مقابل أكثرية سنية من 79 في المئة تعدّ المحكمة «حرة ونزيهة»، فقط 42 في المئة من المسيحيين يوافقون هذا الرأي «إلى حدّ ما»، فيما 55 في المئة من المسيحيين يرونها عكس ذلك. واللافت في الاستطلاع نفسه أن 3 في المئة فقط من المسيحيين يرون في سعد الدين الحريري الزعيم الوطني الذي يعجبون به في ظل أكثرية مسيحية واضحة أيضاً لم تعد تنتظر أي مساعدة تذكر من واشنطن.
الحقيقة الثانية التي أفرزتها ساحة طرابلس هي أن القوة الأساسية في الوسط السني المؤيد للحريري والمعبّأة لنصرته، ليست الطبقة السنية التقليدية البيروتية، ولا جانبية السني اللبناني المنتمي إلى الطبقة المتوسطة، بل الشريحة السلفية أو الأصولية التي غالباً ما قدمت الحريرية نفسها للغرب على أنها الجهة الصالحة لأن تكون بديلاً عنها، لا حليفاً لها. وهو ما جعل الحريرية الثانية تقع في مأزق طرابلسي ليس تفصيلاً، مأزق يتعدى البنى السطحية إلى عمق التركيب التكويني لهذا الفريق، الذي ظل خمسة أعوام يتوهّم ويوهم أنه قادر على الجمع بين لغة البورصة ولفّة الأصولية...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018