ارشيف من :أخبار لبنانية
مصر إلى الحرية
لا يسقط حاكم عربي انتهت صلاحيته إلا ويترك خلفه الكثير من المآسي ومن الدماء ومن التخريب. أمن المجتمع في عقل الحاكم هو أمن سلطته واستقرارها. يفيض صبر الجمهور عن قدرة تحمّل الاستبداد فيخرج احتجاجاً بمنسوب عالٍ من الغضب. الغضب الشديد والاستبداد العنيد هما خلاصة المشهد المتحرّك في أكثر من بلد عربي. خرجت الجموع في تونس وفي مصر تطلب الحرية والكرامة الإنسانية والوطنية. ثمة حاكم خرج على تاريخ شعبه وهمومه وسخّر السلطة كل السلطة المطلقة لمصلحة شريحة هامشية من أصحاب الحظوة والنفوذ، فرّطت باستقلال بلادها وبعناصر قوة مجتمعها وبمقدراتها وحقوق شعبها.
انقلب النظام المصري على تاريخه الوطني ومنجزاته في عهد جمال عبد الناصر فأسقط دور مصر وموقعها العربي والعالمي. ثلاثة عقود من الأسر ومن امتهان الكرامة الوطنية والإنسانية. انفجرت غضبة الشعب المصري في حركة احتجاج اجتمعت فيها روافد كثيرة يصعب اختصارها وتفكيك عناصرها بين الوطني والاجتماعي والثقافي والسياسي. تعاظم الاستبداد مثلما تفاقمت أزمة شرعيته. انتهى النظام إلى قطيعة نهائية حاسمة عندما سدّ كل قنوات الاتصال بشعبه عبر إعادة إنتاج سلطة على تزوير غير مسبوق. تلك لحظة حاسمة وتاريخية حين يفقد الشعب الأمل ويفقد القدرة على الاحتمال. يسقط الحاكم ويصرّ على إنتاج الفوضى. هكذا صار الانتقال من الاستبداد إلى الحرية مكلفاً وفظيعاً في العراق وتونس ومصر واليمن والسودان، وفي كل مجتمع ممنوع من إنتاج حركاته السياسية المنظمة في مناخ ديموقراطي. يأتي الاستبداد من الماضي وينشر بعض ثقافته في قوى التغيير. يأخذ التغيير في طريقه الكثير من الضحايا البشرية ومن الإرث المادي ويحمل بعض تشوّهات ثقافة في طريقها إلى الموت. أخطر ما في إرث الاستبداد أنه يقيم علاقة بين الحاكم والبلد، بين المستبد وفكرة النظام والدولة. تكره الحاكم ومعه القصر والمتحف والمؤسسة وأشياء كثيرة اتصل بها أو اتصلت به. الاستبداد يغذي ثقافة لا وطنية ولا مدنية ولا إنسانية. الاستبداد الذي يقوم على القهر والقمع والانضباط باسم الأمن هو نفسه في كل مكان يصنع أبشع أشكال الفوضى وهو ينهار. الاستبداد هو من يعتقد أن المجتمع ملك له إذا فقد سلطته عليه فيجب أن يخرب. من قواعد الاستبداد الخلط بين العام والخاص، بين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية، ومن بعدي الطوفان. لكن الشعوب تصحح مسيرتها. حيث هناك حرية هناك آفاق لكل احتمالات التقدم والتطور.
واحدة من أهم تعقيدات ظروفنا كعرب أننا لسنا متروكين لمصيرنا. بيننا وبين العالم الخارجي صراع لم يتوقف منذ مئات السنين. مرة لموقعنا الجغرافي، ومرة لما تحت يدنا من ثروة، ومرة لما لدينا من طموح. منذ قرن على الأقل نحن هدف العالم الصناعي المتقدم يريد إعادة تشكيل وجودنا. لم ينشغل العالم بمكان كما انشغل بهذا «الشرق الأوسط». كلما وجد له «صيغة إخضاع» رأى أنها لا تحقق كامل أهدافه.
في هذه المنطقة التي تُغري وتُوحي بإمكانات التقسيم والتفتيت، وقد اختبر الغرب أكثر احتمالاتها، هناك عناصر تواصل ولحمة وتفاعل وتكامل تقاوم. هناك تراكم تاريخي من المشتركات ما يصعب إزالته بالخطوط السياسية والكيانات الحقوقية. العروبة وحاضنتها الإسلامية تتناوبان على تشكيل ثقافة المنطقة وهويتها. الغرب نفسه أدرك هذه الواقعة منذ العهد الاستعماري وسعى إلى تفكيك الهوية كمقدمة لبناء منظومة إخضاعه للمنطقة. التبشير، والتغريب، والاستشراق، والفرنسة، والتتريك، والفينقة، والفرعنة، والأفرقة وغيرها، كلها تلازمت مع مشروع السيطرة التي لا تقضي على الهوية فقط بل على المواطنة.
ليس صدفة أن الأقطار العربية، أو الكيانات المستحدثة في القرن الماضي، لم تنتج ولا واحدة منها مواطنة. هناك جدلية غريبة بين سعي الغرب إلى تعميق الخيارات الكيانية القطرية وبين عدم تطور حقوق المواطنة. مصر هي النموذج القائد والمتقدّم والأكثر وضوحاً.
تلازمت الوطنية المصرية مع العروبة ومع سعي النظام الناصري إلى التنمية والتقدم الاجتماعي. تلازمت الانعزالية المصرية مع سعي النظام بعد عبد الناصر إلى الانقلاب على مشروع التنمية والتقدم الاجتماعي. الثالوث الذي نراه يسيطر على النظام المصري هو التبعية، الاستبداد والفساد والامتيازات، والخروج عن خط التقدم. اشتبك عبد الناصر مع الغرب في مسألتين: السلاح، الكرامة الوطنية والسد العالي للتقدم الإنساني. ما زالت القضية نفسها في كل مكان. الوطني والاجتماعي متلازمان في بقعة يتطلع إليها العالم كمحور لركائز سيطرته وتطوره.
هكذا يخوض شعب مصر معركة صعبة ومعقدة. خلخلت الحركة الشعبية النظام وشلّت قدرته على المبادرة، وأصبحت قدرته على إعادة التماسك من خلال سلطة الأمن صعبة جداً. لكن بناء النظام الوطني في مصر ليست متروكة لخيارات شعبه وحدها من دون هذا التدخل الخارجي الكثيف لاحتواء التغيير وتنظيم مستقبله. مصر الحجر الزاوية في منظومة إقليمية كبيرة. هي القاطرة الوحيدة التي فيها المحرّك الأساسي، الشعب والجغرافيا والتاريخ والاستقرار الكياني. من مصر يبدأ العهد العربي المعاصر، بتراجعها صعدت الظواهر السلبية في كل مكان، وبتقدمها ترتفع روح النهوض العربي. بدأ الشعب المصري يصنع تاريخاً عربياً جديداً هذه المرة لا يمكن أن يخطف بنظام أمني أو يخدع بمفاضلة بين الكرامة الوطنية وحقوقه الاجتماعية. الانتفاضة الشعبية المصرية لا تحتاج إلى برنامج جديد، هي ذاتها تطلب الحرية والمشاركة والتنمية والاستقلال والاندراج في مناخ المقاومة العربي للمشروع الاستعماري الجديد. مصر فتحت أبواب الحرية، عادت إلى نفسها وتاريخها وعادت إلينا لتغيّر حسابات وتقلب معادلات ظن أعداء مصر والعرب أنها ثابتة لا تتغيّر. حين تقلق إسرائيل ويقلق الغرب من أي حدث عربي يجب أن نشعر بالثقة في المستقبل.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018