ارشيف من :أخبار لبنانية

د. نور الدين لـ "الانتقاد" : تقرير "تيركل" إساءة إضافية للأتراك من قبل الصهاينة

د. نور الدين لـ "الانتقاد" : تقرير "تيركل" إساءة إضافية للأتراك من قبل الصهاينة

فاطمة ضاهر

عاد التوتر بين تركيا والكيان الصهيوني ليظهر في الساحة السياسية الدولية والإقليمية بعد قيام الأخيرة بإصدار تقرير لجنة "تيركل" المكلفة بالتحقيق في الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية وسفينة "مافي مرمرة" والذي أودى بحياة تسعة أتراك. وتضمن التقرير إتهاماً للضحايا الأتراك بمهاجمة الجنود الصهاينة الذين اضطروا بحسب التقرير إلى الدفاع عن النفس.
لإلقاء المزيد من الضوء على هذه القضية وعلى ما ستؤول إليه العلاقات بين تركيا وكيان العدو التقت "الإنتقاد" الصحفي والخبير بالشؤون التركية د. محمد نور الدين وكان لنا معه هذا الحوار:

كيف تصف تقرير اللجنة الإسرائيلية للتحقيق في الهجوم على سفينة "مافي مرمرة" التي كانت ضمن الأسطول المتوجه إلى غزة، خصوصاً أن هذا التقرير إتهم القتلى الأتراك بمهاجمة الجنود الصهاينة الذين اضطروا لإطلاق النار دفاعاً عن النفس؟

ـ أولاً لجنة "تيركل" الإسرائيلية قوبلت برفض تركي منذ أن تشكلت لأن النتيجة كانت محسومة سلفاً. ذلك أن قرار مهاجمة سفينة "مافي مرمرة" وأسطول الحرية لم يكن إبن ساعته بل كان تنفيذاً لقرار حكومي صدر عن أعلى المستويات. لذلك رفض الأتراك مثل هذه اللجنة منذ تشكيلها ودعوا إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية بدأت أعمالها في آب الماضي فشكّلها الأمين العام للأمم المتحدة. اليوم وبعد أن صدر التقرير بشكله النهائي أعلنت الحكومة التركية بطبيعة الحال وعلى لسان رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان أن التقرير فاقد للمصداقية. وأكثر من ذلك، أنا بتقديري إن صدور التقرير بهذه النتيجة بعد أشهر على الإعتداء على السفينة وبعد عدة مبادرات تركية لتحسين العلاقة مع "إسرائيل" يعتبر إساءة إضافية للأتراك من قبل إسرائيل بحيث أن الأخيرة لم تبق نافذة أو قوة ولو صغيرة من أجل إعادة التواصل مع تركيا بعد أشهر على القيام بهذا العدوان وبعد عدة مبادرات تركية لتحسين العلاقة مع "إسرائيل" يعتبر إساءة إضافية إلى تركيا.

برأيك كيف ستتصرف تركيا بعد هذا التقرير خصوصاً أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أعلن بعد صدوره أن تركيا "ستلاحق هذه المسألة" ؟
ـ لا شك أن ردة الفعل التركية على العدوان أولاً حينها ثم الخطوات اللاحقة التي أقدمت عليها الحكومة التركية تتسم بشيء من الإرتباك والتردد، بحيث أن المطالب التركية قد بدأت عالية لكنها انتهت إلى الإكتفاء بمطلبين هما الإعتذار الإسرائيلي وتقديم تعويضات إلى أسر الضحايا بعدما كان سقف هذه المطالب هو مثلاً كسر الحصار على غزة، ومع ذلك فإن "إسرائيل" لم تتجاوب مع المطلبين التركيين. بالمقابل فإن تركيا لم تطلق لجنة تحقيق رسمية من جانبها كما فعلت "إسرائيل" واكتفت بإحالة الموضوع إلى لجنة التحقيق التي شكلها الأمين العام للأمم المتحدة والتي لم تصدر تقريرها بعد. لذلك فأنا أعتقد أنه ليس أمام الأتراك سوى إنتظار ما سيصدر عن لجنة التحقيق الدولية واعتبار أن الكرة في الملعب الإسرائيلي وأن تحسين العلاقات مرتبط بمدى تجاوب الإسرائيليين مع المطلبين التركيين. ولا أتوقع أن تبادر أنقرة إلى أي خطوات تصعيدية في المستقبل من أجل الضغط على إسرائيل في ما يتعلق بهذا الموضوع.

هل تعتقد أن نتيجة التحقيق التي ستصدر عن لجنة التحقيق الدولية التي شكلها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ستكون مختلفة عن التقرير الإسرائيلي وهل سنشهد أي مساءلة مجدية لكيان العدو؟
ـ تركيبة اللجنة التي شكلها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لم توحِ بالإطمئنان للجانب التركي, حتى أن رئيسها الرئيس الكولومبي السابق معروف بعلاقاته الجيدة مع "إسرائيل". إضافة إلى انه إذا كان هناك من نتيجة ما ستصدر عن هذه اللجنة فالأرجح أنه سيبقي النتيجة في المنطقة الرمادية، ربما مع تحميل إسرائيل بعض المسؤولية عن هذا الأمر. لكن في مطلق الأحوال لا أعتقد أن التقرير سيحمّل إسرائيل المسؤولية الكاملة عن هذا الموضوع خصوصاً أنّ إسرائيل لم توافق بعلى تشكيل هذه اللجنة إلا ربما بعد الحصول على ضمانات بما يمكن أن تؤول إليه نتائج التحقيق.

هل الإعتذار من تركيا والتعويض لأسر الضحايا كفيلين بإعادة العلاقات الإسرائيلية التركية إلى ما كانت عليه، خصوصاً أن الرئيس التركي عبد الله غل صرّح أنّ "العلاقات بين البلدين لن تكون يوماً كما كانت" ؟
ـ هناك ثلاث مستويات في هذا الإطار: المستوى الأول هو المستوى الشعبي ولا أعتقد أن أي اعتذار إسرائيلي أو أي تعويضات ستخفف من الغضب التركي والكراهية التركية لـ"إسرائيل" ولسياسات "إسرائيل".
المستوى الثاني هو العلاقات القائمة حالياً وفقاً لإتفاقيات سابقة بين البلدين وأعتقد أنها مستمرة بإعتذار أو بدون إعتذار. هذه العلاقات لا تزال قوية ومستمرة وعلى جميع الأصعدة.
أما على المستوى الثالث الذي يمكن أن يشهد تحولاً يتعلق بطبيعة أو باستئناف التواصل بين المسؤولين الأتراك والمسؤولين الإسرائيليين على مستوى عالٍ يعني على مستوى رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية. لكن أيضاً إذا تمّ هذا الأمر فلن يكون بطريقة مجانية أو تهافتية من قبل الأتراك لأن هناك عامل داخلي وهو الإنتخابات التي ستجرى في حزيران/ يونيو المقبل في تركيا وليس من مصلحة حزب العدالة والتنمية أن يظهر وكأنه متهافت على استئناف التواصل مع الإسرائيليين بعد الدم التركي الذي أريق.
برأيك كيف أثّر التوتر بين البلدين على العلاقات الإقتصادية بينهما؟
ـ المفارقة الملفتة والتي تستدعي النظر بعقلانية إلى العلاقات التركية الإسرائيلية أنه رغم أن ما جرى شكّل سابقة (يعني العدوان على مرمرة) في تاريخ العلاقة بين الطرفين، ورغم أن دماء مدنية تركية تسفك للمرة الأولى على يد دولة أجنبية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى؛ مع ذلك اكتفت تركيا بإلغاء أو تجميد بعض الإتفاقيات العسكرية المحدودة مثل إجراء مناورات عسكرية كانت مقررة ولم تقرر إلغاءاً نهائياً لما يمكن أن يحدث من مناورات في المستقبل. كما أن تركيا عملت على تغيير حركة الطائرات العسكرية الإسرائيلية التي تمر فوق أراضيها في طريقها إلى بلدان أخرى. لكن الأهم من ذلك هو أن هذه الخطوات تبقى متواضعة رغم كل شيء خصوصاً أن العلاقات الإقتصادية بين الطرفين لم تتراجع بل شهدت نمواً غير متوقع ومفاجئاً في العام 2010 وحتى بعد العدوان على أسطول الحرية. في الأشهر التي تلت العدوان على أسطول الحرية وبالمقارنة مع حجم التجارة في العام 2009 زادت الصادرات التركية إلى "إسرائيل" بنسبة 40%، أما الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا زادت بنسبة 20% أي بمعدل إجمالي حجم التجارة زاد بنسبة 30% بين الطرفين عما كان من قبل.
السبب بتقديري هو أن البلدين لا يزالان رغم كل التوتر السياسي بينهما يتمتعان بعلاقات بنيوية مردّها بتقديري إلى أن "إسرائيل" من جهة حريصة على ألاّ تفقد تركيا بشكل كامل وأيضاً تركيا حريصة على ألا تصل العلاقات مع "إسرائيل" إلى مرحلة القطيعة لحسابات عديدة تتعلق بالملف القبرصي، العلاقات مع الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وعضوية تركيا في الحلف الأطلسي بحيث أن تركيا ترى ـ وحزب العدالة والتنمية تحديداً ـ أنّ علاقات تركيا مع "إسرائيل" هي جزء من علاقات تركيا مع الغرب وهي لن تذهب بها إلى مرحلة القطيعة لذلك نشهد ليس فقط عدم إنهاء هذه العلاقات بل تطورها عن العام الماضي.
هل تأثرت إسرائيل من الناحية الإستراتيجية بعد منعها من القيام بمناورات عسكرية على الأراضي التركية خصوصاً أنها باتت تلجأ من أجل ذلك إلى بلدان غربية ذات مناخ وطبيعة مختلفين؟
ـ أنا أعتقد أن "إسرائيل" ترسل رسالة قوية إلى تركيا مفادها أن تركيا لم تعد كالسابق حاجة مهمة بالنسبة إلى "إسرائيل". وترسل رسالة أخرى مفادها أن مصلحة تركيا هي في البقاء على علاقات جيدة مع "إسرائيل" والضغط على الحكومة التركية عبر إقامة تحالفات والتعاون مع القوى المحيطة بتركيا مثل قبرص واليونان وبلغاريا . وهذه الرسالة مفادها أن "إسرائيل" قد لا تكون بحاجة إلى تركيا في الأمور العسكرية وغير العسكرية وأن هناك بدائل لتركيا. لكن مع ذلك أعتقد أن هذا السعي الإسرائيلي لإقامة مثل هذه العلاقات مع الدول الغربية المجاورة لتركيا ليس سوى وسيلة ضغط على تركيا لمنعها من أن تذهب إلى النهاية في علاقاتها مع "إسرائيل"، يعني صحيح أن الحاجة الإسرائيلية لتركيا لم تعد كما في السابق لكن أيضاً ليس من مصلحة "إسرائيل" أن تقطع هذه العلاقة مع دولة كبيرة مسلمة وإقليمية مثل تركيا.

2011-02-01