ارشيف من :أخبار لبنانية
"الكتائب تتمايز بالغناء المنفرد لكنها لا تغرد بعيداً عن السرب"
دنيز عطاالله حداد، السفير
يسود الإرباك «تيار المستقبل». الجو ملبّد، والرؤية متعذّرة بسبب تراكم الغيوم المحلية والإقليمية والدولية. تجد «الحالة الضبابية» ترجمتها الأشد وضوحا في المداولات الجارية حول المشاركة في الحكومة أو عدم المشاركة. ينعكس ذلك إرباكا عند حلفاء «المستقبل» المسيحيين. لكل حساباته الآنية والمستقبلية. والجميع تحت ضغط استحقاق غير متوقع. لم يتم التحضير له، ولا وضعت تصورات مسبقة لكيفية التعاطي مع واقع مماثل.
يستمع الرئيس سعد الحريري إلى وجهتي النظر. يعيد تقييم ما سمعه مع فريق عمل ضيق. لكنه لم يعط بعد جوابا حاسما.
من حلفائه، وأبرزهم «حزب الكتائب» من يشجعه على الانخراط في الحكومة والمشاركة فيها بقوة وفاعلية. يذهب البعض إلى دفعه للتمسك بـ«الثلث المعطل» أو الحجم الأكبر الممكن، ضمانة لكل ما تم انجازه حتى الآن.
يستند هؤلاء إلى تجربة غير بعيدة نسبيا. يذكّرونه بما آلت إليه أوضاع المسيحيين عند مقاطعتهم السلطة والمشاركة في المجلس النيابي والحكومة. يومها يقول احد المتابعين «كانت الكتائب والقوات اللبنانية و«العونيون» وبكركي يمثلون الأغلبية الساحقة في الوسط المسيحي. وعلى الأرجح كانوا يملكون مجتمعين بين المسيحيين أكثر مما يملك الحريري اليوم بين السنة. اختاروا المقاطعة والإحباط والانسحاب من الحياة السياسية. فماذا كانت النتيجة؟ لقد دفعوا ثمن انسحابهم وهم لا يزالون يسددون «الفوائد» المستحقة حتى اليوم. فلا مكان للفراغ في السياسة ولاسيما في السلطة. ومن ينسحب سيجد العشرات من المستعدين للحلول مكانه. وسينعكس ذلك على الحضور في كل ادارت الدولة ومرافقها. والزعيم الفعلي، على الطريقة اللبنانية، هو الذي يستطيع الحفاظ على انصاره والدفاع عنهم في كل الظروف والمواقع».
ويعتبر هؤلاء «ان فريق الحريري الذي يعتبر «اتفاق الطائف» احد اهم انجازات رفيق الحريري للبلد والسّنة تحديدا ، قد يجد نفسه عاجزا عن الدفاع عن هذا الاتفاق في فترة لاحقة. فاذا قاطع «تيار المستقبل» الحكومة، وجرّد الرئيس نجيب ميقاتي من اكبر دعم سني له، وترك الاكثرية المستجدة اليوم لتحتضنه، كيف يمكن للرئيس ميقاتي الحفاظ على ما يفترض أنها مكتسبات للسنة، بما فيها اتفاق الطائف، اذا حصل اجماع حكومي مناقض، لاي سبب كان؟»
في مقابل هذه «النظرية» يميل فريق آخر للترويج لنظرية مختلفة قوامها مجموعة من الاسئلة. يسأل هؤلاء «كيف يمكن ان ننتقد على امتداد اشهر سلوك المعارضة السابقة وعرقلتها العمل الحكومي من الداخل ونكرر الامر نفسه؟ كيف يمكن ان نعتبر ان اتفاق الدوحة وثلثه المعطل يتعارض مع الدستور، ونقبل اليوم بما شككنا به بالامس؟ ماذا نستفيد من اضفاء «الشرعية السنية» على حكومة ميقاتي؟ اليس لحضورنا في المعارضة مردودا شعبيا اكبر؟ اليس اسهل علينا المواجهة متخففين من عبء الوزارات؟».
لكن سواء شارك «المستقبل» ام لم يشارك فهو لن يكون وحيدا. فهو سيدخل الحكومة مع حلفائه من «قوى 14 آذار» مجتمعين او لن يفعلوا. لكن «لا مشاركة منفردة» على ما اكد مصدر حزبي مسيحي. وان «كل ما يحاولون تصويره من مراهنة ميقاتي على مشاركة كتائبية تحديدا غير صحيح». ويضيف المصدر «ان الكتائب تؤمن بالشراكة والعمل من داخل المؤسسات. لكنها لا ترضى بأي شكل ان تكون مشاركتها وحلفاؤها شكلية وغير مؤثرة. وهي معنية اكثر من غيرها بالضمانات المطلوبة من رئاسة الحكومة ابتداء من شكل الحكومة وصولا الى جدول اعمالها ومهامها».
ويؤكد مطلعون «ان الكتائب لن تغرد خارج سرب» 14 آذار» وان كانت من حين الى آخر تحب ان تغني «سولو» اظهارا لمقدراتها الصوتية لا اكثر».
والارباك ليس صفة «المستقبل» وحلفائه وحدهم. فرئيس الجمهورية ميشال سليمان يعيش الارباك نفسه. فحوله من يؤكد له ان السنوات الثلاث المقبلة ستكون مختلفة عن السنوات الثلاث السابقة. لكن هنا ايضا تختلف النظريات حول طبيعة تلك السنوات. فريق يعتبر «ان الرئيس الذي لم يستطع ان يستفيد من زخم السنوات الاولى وينتج، لن يكون بمقدوره فعل ذلك في السنوات الاتية». فريق آخر يرى العكس تماما «فما لم يستطع الرئيس انجازه في البداية لن يسمح ان تحل نهاية عهده وهو لم يتمكن، اقله من تحقيق بعض رؤيته وطموحه للدولة». لكن ما يجمع عليه الفريقان «ان اختيار الرئيس للوزراء المحسوبين عليه لم يكن موفقا تماما». ويقول احد المهتمين «نحن لا نتحدث هنا عن الوزراء على المستوى الشخصي وكفاءتهم او عدمها. نحن نصف واقعا انتج في نهاية المطاف رئيسا متروكا لوحده. كيف يمكن توصيف ذلك في السياسة؟».
والرئيس المتكتم والمراهن على ان «للجميع اليوم مصلحة في توسيع هامش تحركه» يبحث عن اسماء «تشارك الرئيس رؤيته لدور الدولة ومؤسساتها. اسماء تلتقي معه على وجهات النظر والقناعات المشتركة، بعيدا عن الحسابات الشخصية او الطموحات الشخصية». على ما يؤكد مطلعون. يضيف هؤلاء «راهن الرئيس سليمان على شخصيات ووجوه معروفة بسمعتها الطيبة وديناميكيتها في بيئتها والمجتمع المدني. وهو مستعد اليوم لتكرار التجربة مع شخصيات جديدة شرط توافر صفة الالتزام اضافة الى الصفات السابقة. وعلى الرغم من ثقة الرئيس الكبيرة بصهره وسام بارودي ونجاحه في انجاز عدد من المهام التي كلفه بها من دون صخب وضجيج، الا انه لا يزال مترددا في تسميته للحكومة المقبلة لاعتبارات القربى فقط». لكن عددا من المحيطين به يشجعونه على هذا الخيار «لتضمن اقله وزيرا مئة في المئة». في حين يعتبر آخرون «ان الوصول الى هذه المرحلة من عدم وجود بدائل كثر، مؤشر يدعو الى مراجعة حسابات كثيرة».
الرئيس سليمان لا يزال مرتبكا. والحريري مرتبك. وتكاد الدولة كلها تكون مرتبكة. والمحور؟ حكومة من 30 او 32 وزيرا، فيما التغيير من حولنا يطال ملايين الملايين من تونس الى مصر، التي تعيش لحظات مخاضها الاخيرة وترمي في وجه العالم تحديات واسئلة كثيرة على مستوى كل المنطقة ومستقبلها... وعلى لبنان أن يبدأ بقراءة العبر والدلالات في الرئاسة والحكومة والانتخابات والسياسة... والناس أولا وأخيرا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018