ارشيف من :أخبار لبنانية
في انتظار «عبد ناصر» ما
ادمون صعب ـ "السفير"
لاحظ اللبنانيون، ومعهم عرب كثيرون، ان «لعبة الأمم»، مثلها مثل بقية الألعاب، «تفرق» على بضعة أرقام، وأحياناً على ثلاثة أرقام، تماماً كما حصل بين 23 كانون الثاني في لبنان، و25 منه في مصر.
وفي التاريخين، لم يكن المشهد في البلدين العربيين، المهمين بالنسبة إلى مديري تلك اللعبة، كما يشتهون. ففي لبنان، كانت اللعبة تقضي بأن ينزل إلى الشارع الفريق المعترض على المحكمة الدولية والقرار الاتهامي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بأكثريته الشعبية، فيلاقيه الفريق المدافع عن المحكمة والمراهن على ان القرار الاتهامي سيجلب معه «النهاية» للمقاومة و«حزب الله»، ويغلب على هذا الفريق الطابع المذهبي السني، فتندلع الفتنة التي بشّرنا بها الإسرائيليون منذ مطلع العام الماضي، وأعدّت لها تل أبيب العدة للتدخل من أجل فرض «الاستقرار» على حدودها الشمالية، على ما أعلن رئيس أركان جيشها غابي اشكنازي.
إلا ان اللاعبين الذين نزلوا إلى الشارع، قد أخطأوا في الأدوار، وفي الحسابات كذلك، فخيبوا مديري اللعبة وأربكوهم. نظراً إلى ان الفريق الآخر ـ ورقصة التانغو بحسب فريق 14 آذار تحتاج إلى اثنين ـ قد تحسّب للعبة، لا بل كانت لديه لعبة أخرى أكثر «متعة» من اللعبة الأميركية ـ الإسرائيلية، فسلك طريق المؤسسات، بدلاً من الشارع الذي أعده اللاعبون المتلهفون لإشعال الفتنة في لبنان.
وراح يتفرج على أبشع لعبة لم يشهد اللبنانيون شبيهاً لها في تاريخهم من همجية وعنف وخروج على النظام وتهديد للعيش المشترك على نحو مناقض لما كان «يكرز» به هذا الفريق على جمهوره ويفاخر به أمام اللبنانيين والعالم.
وقد ارتد هذا المشهد على مديري اللعبة وأربكهم، في وقت كانوا يحاولون إيجاد طريقة للتعامل مع «ثورة الياسمين» في تونس، التي أربكتهم هي الأخرى، بعدما تمسكوا بالرئيس زين العابدين بن علي الذي طالما قدموا حكمه مثالاً للديموقراطية، التي كانت تولد في مراكز الاعتقال، وغرف التعذيب، فضلاً عن المنافي.
وما كاد أمر العمليات يصل إلى لبنان بضرورة لملمة الرعاع من الشوارع، حتى كان شباب مصر يفجّرون اللعبة التي يئست الجماهير المصرية من اللهو بها، على حساب مستقبل شبابها وشاباتها، وازدهار اقتصادها، وهناء عيش أهلها الذين تغرق نسبة كبيرة منهم في فقر لا يوصف، فضلاً عن تسليم قرارها الوطني لمديري اللعبة الأميركية ـ الإسرائيلية الذين أخرجوا أكبر دولة عربية من ساحة الصراع ضد العدو الإسرائيلي، وجعلوا من «أم الدنيا» بلداً هامشياً، متسولاً للمساعدات الخارجية، ومتحولاً من دولة مواجهة للمشروع الصهيوني في فلسطين ودنيا العرب، إلى ضلع في جبهة لمقاومة المقاومة لإسرائيل ومحاصرتها، بل محاربتها، من غزة إلى القدس ومزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا، وصولاً إلى الجولان السوري المحتل. إضافة إلى «المشروع الفارسي» و«الهلال الشيعي»، بإدارة إسرائيلية مباشرة، وعلى نحو مناقض لتاريخ مصر وثقافتها ودورها في تكوين الوجدان القومي الذي نشره في مرحلة ما جمال عبد الناصر، ويصعب محوه من الذاكرة، رغم الخيبات الكثيرة والمرارات التي شهدها هذا الوجدان منذ هزيمة 1967.
وما قاله المنتفض المصري على حكم مبارك «ارحل، ارحل»، و«لن تحكمنا أميركا بعد اليوم»، بسبب الفساد المستشري وتجويع الشعب، ورهن القرار الوطني للخارج، قد قال مثله اللبناني للرئيس سعد الحريري.
وحتى لا يتكرر خطأ تونس ولبنان، بادر اللاعب الأميركي إلى الإيحاء للجمهور المصري الغاضب الذي نزل إلى الشارع في 25 كانون الثاني، بأنه متعاطف معه، وخصوصاً مع حقه في التعبير السلمي.
وكانت رسالة الرئيس الأميركي باراك أوباما أول من أمس، بعدما وضع يده على الملف المصري وكفّ أيدي البهلوانيين الصغار في الخارجية أمثال كلينتون وفيلتمان... انه مستعد للتخلي عن مبارك، «رجل أميركا» في الشرق الأوسط، شرط ألا يخسر هو، ومعه إسرائيل، دولة مركزية مثل مصر.
وكان الإسرائيليون الأكثر اندفاعاً في هذا الاتجاه، إذ أعلنوا صراحة ان خسارة مصر ستكون كبيرة للحلف المناهض لإيران في المنطقة. وفي حال عودة مصر إلى عروبتها، فلن يبقى في خط المواجهة مع طهران سوى إسرائيل والسعودية. هكذا نطق الإسرائيليون، بوضوح كلي!؟
وثمة مراقبون كثيرون للتحركات الشعبية في الشارع المصري، وخصوصاً للاندفاع الشبابي الذي صنع الثورة الجديدة بعيداً عن توجيهات الأحزاب والتنظيمات وأجندات قياداتها، يعوّلون على «عبد ناصر»، وقيادة شابة تشبه قيادة الضباط الأحرار الذين قادوا ثورة 1952 ونجحوا في خلع الملك فاروق.
يعوّلون على قائد يولد من رحم هذه الانتفاضة الشعبية التي لا مثيل لها في التاريخ العربي، منذ ثورة عرابي عام 1881، فيعيد مصر إلى أهلها والعرب. يعيدها إلى تاريخها، والى الوجدان القومي العربي.
لكن، من أين ستعود مصر؟
وأي طريق ستسلك؟
وأي كوبري ستعبر؟
على أي حال، ربما من حظ لبنان ان يأتي الرئيس نجيب ميقاتي إلى الحكم في زمن التحولات العربية الكبرى، من تونس، إلى مصر، فالأردن، فاليمن... والحبل على الجرار. وهي تحولات ستكون في مصلحة لبنان ومريحة له سياسياً، على أساس ان ما كان قبل ثورة مصر لن يكون كما بعدها. فهي المعول الذي دكّ الحصن الأخير للمشـــروع الأميركي في المنطقة.
حفظ الله لبنان ومصر من لعبة الأمم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018