ارشيف من :أخبار لبنانية

هل سلاح المحكمة لا يزال صالحاً للاستخدام في لبنان؟

هل سلاح المحكمة لا يزال صالحاً للاستخدام في لبنان؟

نبيل هيثم ـ "السفير"

حتى ما قبل الياسمين التونسي ومن ثم المصري، كانت الولايات المتحدة ترفض الاستجابة لمحاولات فرنسية وقطرية وتركية لإخراج المحكمة الدولية من ساحة الاستثمار الاقليمي والدولي، ولم تكن خافية على أحد البصمات الاميركية في تعطيل التسوية السورية السعودية، خلال رحلة رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الى واشنطن.

ولكن ماذا بعد المشهد المليوني الأول من نوعه في تاريخ مصر والعالم العربي؟ هل ما زال التعامل الغربي وتحديدا الأميركي مع المحكمة ثابتا، وهل ما زالت تشكل سلاحا دوليا مجديا وقابلا للاستخدام في اللعبة اللبنانية، وهل هناك فرصة لاستخدام هذا السلاح، وهل الظروف الدولية والاقليمية مؤاتية لذلك، وهل المايسترو الاميركي يستطيع أن يستمر في إدارة المحكمة بالوتيرة الهجومية ذاتها ضد المقاومة، ام ان المتغيرات الكبرى في المنطقة ستفرض عليه الاقتناع بأن معركة المحكمة معركة خاسرة حتما وان الاستمرار فيها معناه مراكمة خسارة إضافية وتعليقها على حبل الخسائر الاميركية الممتدة من أفغانستان الى العراق مرورا بمصر؟

تجد في محيط الرئيس سعد الحريري من يرفض القبول بفكرة ان المحكمة قد تتأثر بالمتغيرات التي تشهدها المنطقة، بل على العكس، هناك من ينتظر خطوات سريعة من المحكمة وفي طليعتها إصدار القرار الاتهامي والرهان على أن مضمونه سيحدث انقلابا حقيقيا في لبنان وربما أبعد منه. على ان أكثر ما يتمناه هؤلاء هو صدور القرار الاتهامي قبل الرابع عشر من شباط الجاري لعله يتوّج التحرّك الشعبي الذي يحضر له الحريري وفريقه في الذكرى السادسة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وليس خافيا أن تلك التمنيات محكومة بمنطق الثأر من إسقاط الحكومة وإبعاد رئيسها عن السلطة.
في المقابل، يقول مرجع قانوني، انه لو كان مسار المحكمة مسارا قضائيا وجنائيا يرتكز على القانون الدولي العام وعلى أعلى معايير العدالة الدولية، لاستمر عملها دونما تأثر بأية عوارض جانبية مهما كان حجمها، سواء حصلت على مستوى لبنان أو على مستوى المنطقة، لكن تجربة التسييس منذ يومها الأول حتى الآن، تشير الى أن رياح المتغيرات ستلفحها، وستفرض تبدلات في مسارها أو تعديلات تبطئ من اندفاعتها، خاصة أن أولويات مرجعيتها السياسية الدولية، باتت في مكان آخر غير لبنان.

واللافت للانتباه حسب المرجع القانوني، انه حتى لو صدر القرار الاتهامي، فإن هذا الصدور يعادل «الصفر» من حيث القيمة القانونية والقضائية، وأن المحكمة الدولية وان كانت قائمة بقرار من مجلس الامن، فإن مفاعيلها اللبنانية قد انتهت بالكامل، ولكن ما يبقى هو الإخراج، وسلسلة خطوات بهذا الاتجاه، والكل يعلم أن ثمة توجهاً حقيقياً لتعديل بروتوكول المحكمة وسحب القضاة ووقف التمويل.

يتقاطع هذا الرأي القانوني مع جملة ملاحظات سياسية حول ما يصفه مرجع سياسي كبير «التراجع الحكمي» للمحكمة بناء على ما يحصل في لبنان والمنطقة:

الأولى، ان الضربة الاستباقية التي وجهتها المعارضة في لبنان ومن خلفها سوريا بإسقاط حكومة سعد الحريري تكاد تحمل في طياتها إعلانا رسميا غير مباشر بانتقال لبنان من موقع سياسي إقليمي الى آخر، أي أن لبنان الرسمي قد أخرج من الفلك الاميركي وان تشكيل الحكومة الميقاتية الثانية سيتم بمعزل عن الاميركيين وإملاءاتهم.

الثانية، ان الاميركيين الذين سبق لهم أن حرضوا عشية أحداث «7 أيار» من خلال قوة الدفع التي وفروها دوليا وعربيا للقرارين الشهيرين لحكومة فؤاد السنيورة في 5 أيار 2008، عادوا وتسببوا بالضربة الاستباقية التي تمثلت بإقالة الحريري في 12 كانون الثاني بعد إجهاضهم التسوية السورية السعودية، وهم بدأوا بالتكيف مع الوقائع الجديدة وبإعادة تطويع مصالح الولايات المتحدة على أساس تلك المتغيرات، وثمة إشارات كثيرة في هذا الاتجاه، ووصل البعض منها الى الرئيس المكلف، سواء مباشرة أو عبر الدبلوماسيتين الفرنسية والبريطانية.

الثالثة، الوهن السياسي الذي أصاب الفريق اللبناني للمحكمة، وبالتالي افتقاد الاميركيين، الأدوات اللبنانية التنفيذية والفاعلة لمواكبة أي إجراء يمكن أن يصدر عن المحكمة الدولية وفي مقدمها القرار الاتهامي. ومن الاكيد أن لبنان سيدير ظهره لتلك الاجراءات، وسيتجه الى اتخاذ إجراءات حكومية لنزع مخالب المحكمة الدولية.

الرابعة، التطور الجذري في موقف الراعي السعودي حول المحكمة، سواء في طرحه مسودة التسوية السورية السعودية والنص فيها صراحة وبقلم سعودي على إلغاء مفاعيل المحكمة الدولية باسترداد بروتوكول المحكمة وسحب القضاة اللبنانيين ووقف التمويل، أو من خلال مباركة الملك عبد الله بن عبد العزيز شخصيا لتكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة الجديدة في لبنان على أنقاض حكومة سعد الحريري، ولأجندة الحكم التي سيعتمدها ميقاتي والتي تشمل خطوات معينة نحو المحكمة. ومن الواضح هنا أن المملكة لم تعد تشكل الظهير الخلفي والغطاء لتلك المحكمة.

الخامسة، وقوع كل الساحات العربية الحليفة للمحكمة على خط الزلازل السياسية وتدحرج كرة النار حصراً في الساحات المصرية والأردنية، فضلاً عما أصاب الحواس الخمس السعودية، بعد إعلان وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل الانسحاب من جهود الوساطة المتعلقة بلبنان.

2011-02-03