ارشيف من :أخبار لبنانية
الرهان الحريري على ما بعد مبارك، وما عند بلمار
جان عزيز ـ "الاخبار"
من غير المستبعد أن يكون الفريق الحريري قد قرّر تنفيذ مناورة على رئيس الحكومة المكلّف، عنوانها التفاوض بشأن إمكان المشاركة في حكومته، علماً بأن إحدى قنوات التفاوض ـــــ المتمثّلة في حزب الكتائب ـــــ تبدو خارج لعبة المناورة، وجدية في البحث عن سبل الدخول إلى التركيبة الحكومية وأبوابها، ولو بشروط صعبة في مسائل عدد الوزراء ونوعية الحقائب والسقف السياسي للبيان الوزاري.
إلا أن المناورة الحريرية حاولت الإفادة من النيّة الكتائبية الصادقة لتعزيز تمويهها والتعمية، فدفعت بسمير جعجع، ومن ثم ببطرس حرب، إلى مزيد من تكثيف الجدار الدخاني التضليلي من حول ميقاتي، ولحجب الرهانات الحقيقية للعبة الحريرية القائمة أساساً على المزيد من ربح الوقت.
الوقت المطلوب حريرياً، يهدف على ما يبدو إلى انتظار أمر من اثنين، أو انتظار الأمرين معاً:
أولاً، جلاء مشهد الانهيارات الأميركية في المنطقة العربية، بحيث تنقشع الرؤية لدى عرب واشنطن أو مَن سيبقى منهم، إلى ضرورة إعلان الاستنفار العام وحشد الطاقات وتعبئة الصفوف الناجية، لتجنّب تعميم العدوى التونسية ـــــ المصرية. وفي هذا السياق يتوقّع الحريريون أن تستدرك الرياض وتدرك سريعاً أن إنقاذ الحريرية في لبنان هو الضمان الوحيد للحفاظ على آخر موطئ قدم سعودي في منطقة «المشرق»، كما هو ضرورة من ضرورات الحفاظ على النظام الهرم داخل المملكة العائلية الثمانينية العمر دولةً وأشخاصاً.
هكذا يراهن الحريريون على أن الوقت القليل مطلوب ليطوي النسيان ما حصل في نيويورك قبل أسبوعين من «عصيان» حريري على الرغبات السعودية، ومن «كلام كبير» من قبل أحد أبناء «الرعيّة من العوام»، في حق أحد الأمراء.
الوقت مطلوب لينسى البلاط ويسامح ويغفر، أو على الأقل ليدرك أن الخطر داهم والمصيبة تجمع والضرورة تقتضي إعادة ضخ كل الدعم المطلوب للنجل الثاني لأول حامل جنسية سعودية يحكم بلداً كاملاً خارج الرياض.
الرهان الحريري الثاني، هو الرهان الحريري الأميركي الثابت منذ ما بعد انتهاء حرب تموز 2006 على القرار الظني للمحكمة الدولية. وفي هذا السياق بدأت أوساط قريبة من الأكثرية السابقة تهمس بأمرين لافتين: أولهما أن خطاب مناسبة 14 شباط 2011 قد يستعيد بعضاً من أدبيات 14 شباط 2006، وخصوصاً لجهة توسيع دائرة الاتهام باغتيال الحريري مجدداً صوب دمشق، وثانيهما أن «البنية» الأساسية للاتهام الدولي باتت معروفة ومكشوفة، وأن الاطمئنان كبير إلى كون ما سيصدر عن المحكمة لن يأتي مستنداً إلى داتا الاتصالات، ولا إلى شهود مرحلة ميليس، ولا إلى كل ما أثير طيلة الأعوام الماضية بشأن ملابسات التحقيق، بل سيكون أكثر دمغاً ودلالة.
وتهمس الأوساط نفسها في هذا المجال بأن اغتيال رفيق الحريري حصل في النهاية بقرار من «أحد ما في دمشق»، ونُفّذ بتدبير من «أحد ما في بيروت»، أو تحديداً في إحدى ضواحيها. وتهمس أن الصيد الثمين الذي كشف الخيوط، راح يتبلور بعد سلسلة «الغيابات» الغامضة التي طاولت عدداً من السياسيين والأمنيين، والتي توّجت باغتيال مسؤول أمني «حزبي» كبير. وهو، بحسب تلك الأوساط، ما جعل عدداً من العناصر المتورّطين في جريمة 14 شباط 2005 يرون أن دورهم آتٍ، وأن «الغياب التصفوي» سيكون مصيرهم حتماً. وهو ما دفعهم إلى اللجوء نحو مَن يقدر على حمايتهم، في مقابل «الحقيقة الكاملة».
هكذا يسوّق الفريق الحريري أن المطلوب تمديد الفراغ الحكومي أياماً وأسابيع، كي تستفيق الرياض إلى ضرورة إعادة تأكيد «تكليفها» للحريرية في بيروت، وكي يتحوّل قرار بلمار قميص عثمان عصرياً ودولياً، في وجه نجيب ميقاتي.
وفي الطريق لا ضير من ترك الكتائب تلعب لعبتها وتجرّب حظوظها. فالأمر ـــــ وفق الحسابات الحريرية ـــــ يرمي أكثر من حجر في بحيرة الأكثرية الجديدة الراكدة. فوفق قراءة تلك الجهة، لا تمثّل الأكثرية الحكومية المكلفة حسماً سياسياً مونوليتيّاً بأيّ شكل من الأشكال، ففيها حزب الله صاحب «الأولوية السلاحية»، وفيها نبيه بري صاحب التطلّع إلى استعادة ما كان سابقاً، وفيها ميشال عون وسليمان فرنجية في تحالفهما الإشكالي... فكيف إذا أضيفت إلى كل تلك التباينات حسابات ميشال سليمان؟
تراهن الحريرية... رغم كل الانهيارات التي أصابت نظامها المحلي والإقليمي والدولي، وتراهن خصوصاً على ألا تتقاطع المعطيات لترفع في وجهها «ميقاتيّة» ثابتة لا عابرة هذه المرّة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018