ارشيف من :أخبار لبنانية
المساواة في تطبيق القانون من أهمّ مقاييس المحاكمة العادلة(*)
د. داود خيرالله / أستاذ مادة القانون الدولي في جامعة جورجتاون ـ واشنطن
لعلّ التزام مبدأ المساواة في تطبيق القانون وتجنّب الكيفية في تفسيره من أهمّ المقاييس الضامنة لمحاكمة عادلة. فازدواجية المعايير في تطبيق القانون ربّما كانت من أهمّ الأسباب التي قضت على ثقة العالم العربي بالعدالة الدولية. انّ مدى التزام المحكمة الخاصة بلبنان مبدأ المساواة في تطبيق القانون سوف يكون له أثر هام جدّا في تقرير مدى نزاهة قضاتها ومهنيّتهم واستقلالهم.
واجب التزام المقاييس التي تضمن بلوغ العدالة لا يبدأ بالمحاكمة، فالمحاكمة تقتصر على النظر في نتائج التحقيق وما يوضع أمام قاضي الحكم من تهم ووقائع تؤكّدها أو تنفيها. لكن سوف أقتصر في مداخلتي هنا على مبدأ المساواة في تطبيق القانون في معرض معالجة المحكمة لما أتوقّع أن يكون أوّل الدفوع التي سوف تنظر بها، ألا وهو الدفع بعدم قانونية المحكمة.
أستبعد جدّا أن لا يكون الدفع بعدم قانونية المحكمة هو أوّل الدفوع التي سوف يدلي بها متّهم يمثل أمام المحكمة، كائنا من كان هذا المتّهم. فغياب الأساس القانوني للمحكمة لعلّة تجاوز مجلس الأمن صلاحياته في انشائها، وبخاصة لجوؤه الى الفصل السابع من الميثاق، انّما هو اعتبار يتمتّع بحظوظ كبرى في النجاح خاصة اذا توافّر عنصر الاستقامة والثبات على مبدأ المساواة في تطبيق القانون لدى قضاة الحكم.
ربّ قائل انّ مجلس الأمن بالتحديد، هو جهاز من منظمة دولية سياسية بجوهرها، يتمتّع بصلاحيات واسعة جدّا ولا يخضع في قراراته لرقابة قضائية من أيّة سلطة.
الواقع أن عدم وجود آلية قضائية نصّ عنها في ميثاق الأمم المتحدة، وتشكّل مرجعية للطعن بقانونية قرارات مجلس الأمن، قد شجّع مجلس الأمن، وبخاصة في اطار الامتياز الذي تتمتّع به الدول الخمس الدائمة العضوية، أي حق النقض، (الفيتو)، على الكيل بمكيالين في قراراته وبخاصة المتعلّق منها بالشرق الأوسط.
لا بل انّ غياب هذه الآلية قد مكّن مجلس الأمن، في بعض الحالات، من تجاوز القانون الدولي وبعض نصوص الميثاق المنشئ لمجلس الأمن، ما دفع ببعض الحقوقيين وأساتذة العلوم السياسية الى اعتبار مجلس الأمن لا يخضع في قراراته لأيّة ضوابط قانونية اللهمّ سوى ما تمليه مشيئة الدول الصانعة لقراراته.
لكنّ المحاكم التي واجهت مهمّة تفسير قرارات أجهزة الأمم المتحدة وتطبيقها في حدود ما يجيزه الميثاق، وفي طليعتها محكمة العدل الدولية، اعتبرت أنّ الطبيعة السياسية الغالبة على قرارات أجهزة الأمم المتحدة لا تمنع المحكمة من ممارسة صلاحياتها في تقدير طبيعة المواضيع التي تطرح عليها والاجابة على الاسئلة التي تحتمل الاجابة القانونية. وسوف أقصر الكلام على قرار واحد لاحدى محاكم الجنايات الدولية الخاصة لشدّة ملائمته للموضوع الذي نحن بصدده.
محكمة الجنايات الدولية الخاصة بيوغوسلافيا سابقا هي أولى المحاكم الخاصة التي انشأها مجلس الأمن (1993 ) معتمدا الفصل السابع من الميثاق كأساس لصلاحياته في انشاء تلك المحكمة. أوّل الدفوع التي أدلى بها أحد المتهمين ويدعى داسكو تادجيك، كان الطعن بالأساس القانوني للمحكمة بحجّة أنّ الميثاق لا يمنح مجلس الأمن صلاحية اقامة مثل هذه المحاكم.
غرفة البداية لدى المحكمة ردّت الدفع بفقدان الأساس القانوني للمحكمة بحجّة أن لا صلاحية لها للنظر بقانونية قرارات مجلس الأمن. ولكن غرفة الاستئناف نقضت قرار غرفة البداية في الثاني من تشرين الأوّل عام 1995 واعتبرت أنّ لها اختصاص للنظر في قانونية انشاء المحكمة من قبل مجلس الأمن.
الجدير بالاهتمام هنا هو التعليل القانوني الذي اعتمدته المحكمة في قرارها والذي يشكّل سابقة مفيدة جدّا وهداية للمحكمة الخاصة بلبنان، هذا اذا لم تمارس ازدواجية في تفسير القانون وتطبيقه.
نظرت المحكمة أوّلا في الحدود القانونية لصلاحية مجلس الأمن، فاعتبرت أنّ الميثاق يعطي مجلس الأمن صلاحيّات واسعة جدّا، لكن لا يمكن اعتبارها صلاحيات غير مقيّدة بحدود. "فمجلس الأمن هو أحد أجهزة منظّمة دولية أقيمت بموجب اتفاقية تشكّل الاطار القانوني لها. ومجلس الأمن يخضع للقيود التي حددّتها الاتفاقية التأسيسية مهما اتسعت صلاحياته. ولا يمكن لهذه الصلاحيّات أن تتعدّى حدود الصلاحيات العامة للمنظمة".
ثمّ تعود المحكمة الى المادة 24 من الميثاق التي تفرض على مجلس الأمن القيام بواجباته المنصوص عنها في الميثاق "وفقا لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها والسلطات الخاصة المخوّلة لمجلس الأمن لتمكينه القيام بهذه الواجبات......" لتؤكّد أنّ الميثاق يتحدّث بلغة الصلاحيات المحدّدة وليس السلطة المطلقة.
ثمّ تنكبّ المحكمة على تحديد صلاحيّات مجلس الأمن بموجب الفصل السابع الذي اعتمده المجلس لاقامة المحكمة الخاصة بيوغسلافيا سابقا فتقول: أنّ اللجوء الى الفصل السابع يفترض تهديدا أو اخلالا بالسلم العالمي أوفي حال وقوع عمل من أعمال العدوان. ولئن كان من السهل تحديد أعمال العدوان من الوجهة القانونية، فانّ تقدير تهديد السلم العالمي هو أقرب الى كونه مفهوما سياسيا. "لكنّ تقدير وجود هكذا تهديد لا يعني استنسابا مطلقا، اذ يبقى في ألحدّ الأدنى، في حدود المقاصد والمبادئ الواردة في الميثاق."
لكنّ المحكمة استنادا الى هذه المقاييس، اعتبرت أنّ مجلس الأمن لم يتجاوز صلاحياته في انشاء المحكمة لأنّ حالة النزاع المسلّح التي سادت في يوغسلافيا لمدّة طويلة من الزمن كانت تشكّل بالفعل تهديدا للسلم العالمي يبرّر لجوء مجلس الأمن الى الفصل السابع. وقد ردّت المحكمة حجّة المتّهم بأنّ النزاع المسلّح الذي كان سائدا كان بمثابة ثورة داخلية ولم يكن نزاعا مسلّحا، واعتبرت انّ بعض الحروب الأهلية يمكن أن تشكّل تهديدا للسلم العالمي.
لقد جاء استنتاج المحكمة بهذا الصدد استنتاجا منطقيّا لأنّ جرائم الحرب والجرائم ضدّ الانسانية التي ارتكبت في بعض الاقاليم التي كانت تشكّل جزءا من يوغوسلافيا سابقا، وكذلك في رواندا، وهما الحالتان اللّتان لجأ فيهما مجلس الامن الى الفصل السابع لاقامة محاكم دولية خاصة، تشكّل بذاتها تهديدا للسلم العالمي وهذا ما يسلّم به معظم فقهاء القانون الدولي.
لقد اعتمدت المحكمة حالة النزاع المسلّح الذي كان سائدا في يوغوسلافيا كمعيار لشرعية لجوء مجلس الأمن الى الفصل السابع في انشاء المحكمة وردّ جميع الحجج التي أدلى بها المتّهم تادجيك لجهة غياب أي دليل في الميثاق على صلاحية المجلس في اقامة جهاز قضائي.
مهما بلغت بنا الرغبة في شرعنة قرارات مجلس الأمن فيما يتعلّق بالمحكمة الخاصة بلبنان، وكلّ الاجراءات القانونية التي سبقتها، فلا يمكن القول أنّ الحالة التي سبقت، أو رافقت أوتبعت اغتيال الرئيس الحريري ترقى الى حالة نزاع مسلّح ارتكبت خلاله جرائم حرب وجرائم ضدّ الانسانية التي كانت المبرر الأساسي وموضوع عمل جميع المحاكم الدولية التي أنشأها مجلس الأمن.
واذا أخذنا أيضا بعين الاعتبار ردود الفعل الشعبية على الصعيد العالمي حيال الفظائع التي ارتكبت أثناء النزاع المسلّح في يوغوسلافيا سابقا، والتي امتدّت في المكان والزمان، وكذلك العديد من القرارات العديدة التي اتخذها المجلس لوقف المجازر التي ارتكبت وجميع الأسباب الأخرى التي دفعت بمجلس الأمن اللجوء الى الفصل السابع في انشاء المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا، نرى أن لا مجال للمقارنة على الاطلاق بين جميع الحالات التي لجأ فيها مجلس الأمن الى الفصل السابع لانشاء محاكم جنايات دولية والحالة اللبنانية التي نحن بصددها.
ولا غرابة في أنّ خمسة من أعضاء مجلس الأمن، بما في ذلك اثنتان من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن هما روسيا والصين، قد عارضوا أو امتنعوا عن التصويت على القرار الذي انشأ المحكمة الخاصة بلبنان بحجّة أن لا مسوّغ للّجوء الى الفصل السابع من الميثاق.
وهكذا فاذا احترمت المحكمة الخاصة بلبنان، التي يرأسها القاضي أنطونيو كاسيزي الذي كان يرأس كذلك المحكمة الخاصة بيوغسلافيا، مبدأ المساواة في تطبيق القانون واعتمدت المعايير التي اعتمدتها تلك المحكمة، فانّه سيكون من الصعب جدّا على المحكمة الخاصة بلبنان ردّ الدفع بانتفاء الأساس القانوني للمحكمة.
واذا اعتبرنا، من وجهة أخرى، أنّ مجلس الأمن لم يكن بحاجة الى اللجوء للفصل السابع من الميثاق في اقامة المحكمة الخاصة بلبنان لأنّ أساسها القانوني هو اتفاقية بين لبنان والأمم المتحدة، أو هكذا كان يجب أن يكون، وبالتالي فهي لا تقارن بالمحاكم الجنائية الخاصة التي أنشأها مجلس الأمن بارادة منفردة وبموجب الفصل السابع، يبقى أنّ الأساس القانوني للمحكمة الخاصة بلبنان هو اتفاقية غير مستوفية الشروط الدستورية لصحتها ونفاذها.
عاملان أساسيان شكّل غيابهما سببا أساسا لعدم استيفاء الاتفاقية المنشئة للمحكمة الخاصة بلبنان الشروط الدستورية: الأوّل تمثّل باستبعاد السلطة اللبنانية المولجة دستوريّا التفاوض بشأن الاتفاقات الدولية عن هذا التفاوض، وهذه السلطة هي رئيس الجمهورية الذي لم تأحذ الجهة الممثلة للأمم المتحدة بأي من ملاحظاته واقتراحاته الخطّية. والثاني كون الاتفاقية لم تحظ بموافقة السلطة التشريعية بحسب الأصول البرلمانية المتّبعة كما يقضي الدستور اللبناني، وذلك بسبب خلاف لبناني داخلي حول الاتفاقية.
وعلى الرغم من عدم ارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون الدولي في الوضع اللبناني، كجرائم الحرب والجرائم ضدّ الانسانية، ما استلزم تطبيق القانون اللبناني حصرا، وذلك خلافا لجميع المحاكم الجنائية الخاصة التي أنشأها مجلس الأمن، فقد لجأ المجلس الى الفصل السابع من الميثاق لاعطاء الصيغة التنفيذية لاتفاقية غير مستوفية الشروط الدستورية لصحّتها ونفاذها، مخالفا بذلك قواعد راسخة في القانون الدولي لجهة صحّة الاتفاقات الدولية ونفاذها.
انّ المحكمة الخاصة بيوغسلافيا، أثناء النظر في الحدود القانونية التي على مجلس الأمن التقيّد بها، اعتبرت، بمنتهى الوضوح، أنّ على مجلس الأمن، بالحدّ الأدنى، في قراراته التقيّد بالمقاصد والمبادئ الواردة في الميثاق، أي المادتين الأولى والثانية من الميثاق.
ويبدو أنّ مجلس الأمن، من خلال لجوئه الى الفصل السابع، أراد أن يمنح نفسه رخصة لمخالفة مبدأ أساسي من المبادئ المنصوص عنها في المادة الثانية من الميثاق ( المادة2 (7)) الذي يحرّم على الأمم المتحدة التدخّل في الشؤون الداخلية للدول "على أنّ هذا المبدأ لا يخلّ بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع". تصرّف مجلس الأمن وكأنّ التقيّد بأحكام الدستور اللبناني في ابرام الاتفاقيات الدولية يشكّل تهديدا خطيرا للسلم العالمي يقتضي اتخاذ تدبير قمعي وهو اعطاء الصيغة التنفيذية لاتفاقية فاقدة الشروط الدستورية لصحّتها ونفاذها. من الصعب أن نتصوّر اساءة لاستعمال السلطة وخروجا على الصلاحيات أكثر امعانا من هذه الاساءة وهذا الخروج على الصلاحيات اللذين قام بهما مجلس الأمن.
فلو اعتمدت المحكمة الخاصة بلبنان، بقيادة رئيسها أنطونيو كاسيزي، الاستقامة في اعتماد مبدا المساواة في تطبيق القانون وتجنّبت ازدواجية المعايير في النظر بالدفع بعدم قانونية المحكمة، لخلصت الى أنّ المحكمة تفتقر الى الأساس القانوني في اقامتها، ولضمنت بذلك لنفسها النزاهة والكفاءة والاستقلال عن القوى والمآرب السياسية التي كانت وراء انشائها، ولأعادت الى العدالة الدولية سمعة باتت بأمسّ الحاجة اليها، ولشاركت بشكل فعلي في انهاء الازمة اللبنانية وضمان السلم الأهلي الذي لعبت قرارات مجلس الأمن، بما فيها قرار انشاء المحكمة الخاصة بلبنان، دورا أساسيا في تهديده وما جرى ويجري على الأرض يشهد بذلك.
(*) مداخلة في مؤتمر لاهاي حول المحكمة الدولية بشأن لبنان- 2 /2/2011
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018