ارشيف من :أخبار لبنانية
هل من أسباب للشكّ في استقلال المحكمة الخاصة بلبنان؟(*)
د. داود خيرالله/ أستاذ مادة القانون الدولي في جامعة جورجتاون – واشنطن
الثقة باستقلال المحكمة، أيّة محكمة، هي من أسس شرعيتها والقوّة المعنوية التي تفرض طاعة واحترام قراراتها. ويسري ذلك بشكل خاص على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
انّ رغبة أصحاب قرار اقامة المحكمة في بلوغ العدالة ومدى تجرّدهم من المآرب الخاصة، سياسية أو سواها، اللذين ينعكسان في الاجراءات التي تعتمد في انشاء المحكمة، يلعبان دورا مهمّا في تكوين النظرة الى استقلالية المحكمة وكفاءة أعضائها ونزاهتهم، وبخاصة لدى المجتمع المعني بالدرجة الأولى باستقلال المحكمة وقدرتها على بلوغ العدالة. ولكن أهمّ العوامل التي تعزّز الثقة باستقلالية المحكمة ونزاهتها، أو تضعفها، تكمن في سلوك القيمين على أعمال المحكمة.
نبدأ بالاتهامات والأحكام التي كان يطلقها مسؤولون رسميون في الدول التي لا مشيئة لمجلس الأمن خارج مشيئتها، والتي كان لها اليد الطولى في اقامة لجنة التحقيق أوّلا ثم المحكمة الخاصة بلبنان، تلك الاتهامات التي سيقت بحقّ أطراف معيّنة منذ اللحظة الأولى لاغتيال الرئيس الحريري وقبل اجراء أي تحقيق أو الحصول على أيّة أدلّة. واذا أضفنا التصريحات التي كانوا يدلون بها بشأن المتوقع من المحكمة بعد انشائها، نرى أنّ في ذلك ما يثير الشكوك بانّ وراء الاجراءات القضائية التي اتخذت اثر اغتيال الرئيس الحريري، بما فيها المحكمة الخاصة بلبنان، مآرب تتعدّى الرغبة في بلوغ العدالة.
تتعزّز هذه الشكوك عندما نلاحظ أنّ جهود الدول صاحبة القرار في مجلس الأمن تنصبّ على اقامة محكمة دولية هدفها محاكمة مسؤلين عن جريمة لا تعريف لها ولا عقوبة في القانون الدولي، ويطبّق بشأنها القانون الوطني حصرا، في وضعنا القانون الللبناني، وذلك استثناء لجميع الحالات السابقة لجهة المحاكم الخاصة التي أنشأها مجلس الأمن في الماضي. ونلفت هنا أنّ مجلس الأمن لو أحال جريمة اغتيال الرئيس الحريري على محكمة الجنايات الدولية لردّتها لعدم الاختصاص، لأنّ الجريمة موضوع المحاكمة ليست من الجرائم الدولية الواردة في النظام الأساسي للمحكمة. في حين نرى أن مجلس الأمن يتجاهل مجرّد التحقيق في جرائم حرب وجرائم ضدّ الانسانية موثّقة، والتي تقع بطبيعتها في صلب القانون الدولي الجنائي وهي مبرر اقامة جميع المحاكم الدولية التي سبقت المحكمة الخاصة بلبنان، هذه الجرائم ارتكبتها اسرائيل بحقّ ألاف اللبنانيين في فترة تلت اغتيال الرئيس الحريري وسبقت انشاء المحكمة الخاصة بلبنان، أي في عام 2006.
لأول مرّة، (ومن المستبعد جدّا أن تتكرّر)، يلجأ مجلس الأمن الى الفصل السابع من الميثاق الأممي لانشاء محكمة أساسها القانوني اتفاقية غير مستوفية الشروط الدستورية لابرامها، ان لجانب الجهة الصالحة للتفاوض بشانها، أو لجهة الموافقة عليها من قبل السلطة التشريعية، كما ينصّ عليه الدستور للدولة التي هي الطرف الأساسي في هذه الاتفاقية. ولأوّل مرّة يقيم مجلس الأمن محكمة دولية بموجب الفصل السابع لا تنظر بجرائم حرب وجرائم ضدّ الانسانية. جرائم دأب مجلس الأمن، وكذلك فقهاء القانون الدولي، على اعتبارها المبرّر الأساسي لصلاحية مجلس الأمن في اقامة محاكم جنائية دولية بموجب الفصل السابع من الميثاق.
ولأوّل مرّة يلجأ مجلس الأمن الى الفصل السابع من الميثاق في اقامة محكمة دولية لا تموّل من الموازنة العامة للأمم المتحدة بل تتولّى تمويلها، بالاضافة الى لبنان طبعا، دول متطوّعة في طليعتها الدول صاحبة الجهد الأكبر في انشاء المحكمة، ما يطرح علامة استفهام اضافية حول استقلال المحكمة وديمومتها.
كيف لعاقل أن يفوته التساؤل حول مبرّر الجهود الاستثنائية من قبل بعض الدول، وفي طليعتها الولايات المتحدة، والتي دفعت مجلس الأمن الىّ الخروج عن قواعد التزمها طوال عقود من الزمن في انشاء المحاكم الدولية الخاصة، وكذلك الى خروج عن قواعد ثابتة في القانون الدولي العام.
فالجريمة هي بالدرجة الأولى ضدّ الشعب اللبناني ولا تعني المجتمع الدولي الا بصورة ثانوية. ولا يمكن القول أنّ ضغوطا شعبية على الصعيد الوطني لهذه الدول أوعلى الصعيد العالمي، هي التي حتّمت اتّخاذ الاجراءات القضائية التي اتخذت بشأن اغتيال الرئيس الحريري، كما حصل أثناء المجازر التي امتدّت في الزمان والمكان في يوغسلافيا سابقا وروندا وسواها من الدول التي أقيمت من أجلها محاكم دولية خاصة.
أوجه الشبه عديدة بين اغتيال الرئيس الحريري وبنازير بوتو، رئيسة وزراء باكستان سابقا، ولكنّ اغتيالها لم يلق اهتماما مماثلا من قبل مجلس الأمن الدولي.
ليس الهدف هنا الاسترسال في تقديم الأدلّة على أنّ الدوافع الأساسية وراء انشاء المحكمة الخاصة بلبنان هي سياسية. فما جاء ذكره أعلاه هو غيض من فيض، لكنّه لا يسمح لذي عقل سليم بأن يتصوّر أنّ بلوغ العدالة هو هدف جهود الدول صاحبة القرار في مجلس الأمن، بالنسبة الى كلّ الاجراءات القانونية التي اتخذت بشأن اغتيال الرئيس الحريري وجميع الذين سقطوا معه أو اغتيلو من بعده.
اذا كان ما تقدّم يشكّل مادة للاقتناع بأنّ الدوافع وراء انشاء المحكمة هي سياسية بامتياز، الاّ أنّه لا يقدّم الدليل القطعي على عدم استقلالية المحكمة، فذلك يستدعي امعان النظر في سلوك القيّمين على أعمال المحكمة.
هنا أودّ بداية التفريق بين مرحلتين في عمل المحكمة: مرحلة التحقيق، ومرحلة المحاكمة. ففي المحاكمة العلنية ضمانات غير متوافرة في مرحلة التحقيق، السرّي بطبيعته. واذا كنّا نعرف، أو نستطيع أن نستقي المعلومات، عن السيرة الذاتية لقضاة الحكم، بما في ذلك الخبرة والكفاءة والسمعة الحسنة، وأن نراقب عملهم، فاننا، باستثناء المدّعي العام ربّما، في ظلمة تامة في ما يتعلّق بالذين يتولّون التحقيق، وبخاصة لجهة انتماء وولاء عشرات المتعاقدين مع المدّعي العام الّذين يتولّون عمليّات التحقيق الميداني، وما اذا كان لهم ارتباطات بحكومات أو مؤسسات ذات مصلحة في توسّل اغتيال الرئيس الحريري لمآرب سياسية معيّنة. ما نعلم هو أنّ جميع هئولاء يعملون تحت ستار السرّية ويتمتّعون بحصانة من أيّة مراجعة قضائية.
وبما أنّ المحكمة أعلنت مرارا عن استقلال المحكمة بما هي محاكمة وقضاة حكم عن التحقيق ومن يتولّونه، وبما أنّ المحاكمة لم تبدأ بعد، وسوف ينصبّ عملها على نتائج التحقيق، نرى أنّ النظر في استقلال ونزاهة الاجراءات القضائية فيما يتعلّق باغتيال الرئيس الحريري يجب أن ينحصر الآن في مرحلة التحقيق. وبما أنّ عمل المحكمة في مجال التحقيق هو امتداد لعمل لجنة التحقيق الدولية التي أنشأها مجلس الأمن بقراره رقم 1595 وأنّ المدّعي العام لدى المحكمة الذي يشرف الآن على التحقيق كان آخر رئيس للجنة التحقيق الدولية، فلا بدّ من أن نمعن النظر في مدى مهنية ونزاهة واستقلال المسؤولين عن التحقيق منذ بدايته.
التجاوزات الهادفة التي ارتكبتها لجنة التحقيق الدولية، بقيادة ديتليف ميليس، أوّل رؤسائها، بما في ذلك مخالفة معظم قواعد التحقيق الجنائي، ان لجهة انتهاك سرّية التحقيق، أو لجهة بلوغ استنتاجات قطعية في اوّل تقاريرها دون الاستناد الى أيّة أدلّة مقبولة قانونيّا، وكذلك اتخاذ اجراءات لا مبرّر قانونيا لها مثل الأمر باعتقال الضبّاط المسؤولين عن الوضع الأمني في لبنان. كلّ ذلك بهدف تعبئة الراي العام وتوجيهه نحو الظنّ بأطراف معيّنة واستصدار قرارات من مجلس الأمن الهدف منها سياسي بامتياز. وعندما ندرك أن ذلك كان يجري بتناغم مع تصريحات ذات مآرب سياسية واضحة لمسؤلين في الدول الأكثر اهتماما بالاجراءات القانونية التي أعقبت اغتيال الرئيس الحريري، فهل في ذلك ما يدفع الى الاطمئنان الى استقلال التحقيق عن الارادات السياسية التي هي سبب وجود المحكمة؟
التسريبات التي صدرت بشأن ما زعم أنّه تهم ووقائع بلغها المحقّقون منذ بداية عمل لجنة التحقيق الدولية، واستمرّت بعد أن استبعدت السيادة اللبنانية عن كل ما يتعلّق باغتيال الرئيس الحريري، وأصبح التحقيق جزءا من عمل المحكمة وتحت سلطتها الكاملة، هذه التسريبات تمّ استغلالها اعلاميّا من قبل مسؤلين في دول ذات مصالح سياسية معروفة . فهل في ذلك ما يعزّز الثقة بمهنيّة المحققين ونزاهتهم واستقلالهم عن الارادة السياسية لبعض الدول.
وبالاضافة الى فرادة المحكمة الخاصة بلبنان، مقارنة بالمحاكم الجنائية الأخرى لجهة تشكيلها واختصاصها والقانون الذي يطبّق في عملها، فانّ هناك فرادة في القواعد الاجرائية التي اعتمدتها خاصة لجهة التستّر على مصادر المعلومات بشأن الأدلّة التي يمكن ان تساق ضدّ المتّهمين اذا لم يشأ المصدر الكشف عن هويّته .
ثمّ أليس في تستّر المدّعي العام لدى المحكمة، السيّد بلمار، ومعارضته كشف معلومات محددّة بشأن شهود الزور، أقلّه في حدود ما أمر به قاضي ما قبل المحاكمة، ما يثير الشبهات؟ لكنّ جميع الشكوك تتبدّد ويحلّ محلّها اليقين عندما نقرأ في وثائق ومستندات نشرتها وكيكليكس، ولم يجر تكذيبها، عن علاقة بين السيد بلمار ومسؤلين أميركيين ولبنانيين. فانّ في هذه المستندات ما من شأنه أن يقضي على كلّ ادّعاء باستقلالية التحقيق في المحكمة الخاصة بلبنان. في احدى هذه الوثائق يطلب السيد بلمار من مسؤلين أميركيين توجيهات وأسئلة محددة يودّون أن يطرحها على مسؤلين سوريين أثناء قيامه بعمله في التحقيق مع هؤلاء المسؤلين.
انّ مثل هذا السلوك ينفي كلّ ادّعاء باستقلالية ومهنية ونزاهة التحقيق في المحكمة ويسخر من توصيات مجلس الأمن بأن تلتزم المحكمة أعلى معايير السلوك المهني. واذا كان من حرص على استقلالية المحكمة، فيجب أن يعبّرعنه بالمطالبة بكفّ يد المدّعي العام لدى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وجميع الّذين ارتكبوا تجاوزات يحرّمها القانون وابطال نتائج التحقيق الذي قاموا به.
(*) مداخلة في مؤتمر لاهاي حول المحكمة الدولية بشأن لبنان- 2 /2/2011
الثقة باستقلال المحكمة، أيّة محكمة، هي من أسس شرعيتها والقوّة المعنوية التي تفرض طاعة واحترام قراراتها. ويسري ذلك بشكل خاص على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
انّ رغبة أصحاب قرار اقامة المحكمة في بلوغ العدالة ومدى تجرّدهم من المآرب الخاصة، سياسية أو سواها، اللذين ينعكسان في الاجراءات التي تعتمد في انشاء المحكمة، يلعبان دورا مهمّا في تكوين النظرة الى استقلالية المحكمة وكفاءة أعضائها ونزاهتهم، وبخاصة لدى المجتمع المعني بالدرجة الأولى باستقلال المحكمة وقدرتها على بلوغ العدالة. ولكن أهمّ العوامل التي تعزّز الثقة باستقلالية المحكمة ونزاهتها، أو تضعفها، تكمن في سلوك القيمين على أعمال المحكمة.
نبدأ بالاتهامات والأحكام التي كان يطلقها مسؤولون رسميون في الدول التي لا مشيئة لمجلس الأمن خارج مشيئتها، والتي كان لها اليد الطولى في اقامة لجنة التحقيق أوّلا ثم المحكمة الخاصة بلبنان، تلك الاتهامات التي سيقت بحقّ أطراف معيّنة منذ اللحظة الأولى لاغتيال الرئيس الحريري وقبل اجراء أي تحقيق أو الحصول على أيّة أدلّة. واذا أضفنا التصريحات التي كانوا يدلون بها بشأن المتوقع من المحكمة بعد انشائها، نرى أنّ في ذلك ما يثير الشكوك بانّ وراء الاجراءات القضائية التي اتخذت اثر اغتيال الرئيس الحريري، بما فيها المحكمة الخاصة بلبنان، مآرب تتعدّى الرغبة في بلوغ العدالة.
تتعزّز هذه الشكوك عندما نلاحظ أنّ جهود الدول صاحبة القرار في مجلس الأمن تنصبّ على اقامة محكمة دولية هدفها محاكمة مسؤلين عن جريمة لا تعريف لها ولا عقوبة في القانون الدولي، ويطبّق بشأنها القانون الوطني حصرا، في وضعنا القانون الللبناني، وذلك استثناء لجميع الحالات السابقة لجهة المحاكم الخاصة التي أنشأها مجلس الأمن في الماضي. ونلفت هنا أنّ مجلس الأمن لو أحال جريمة اغتيال الرئيس الحريري على محكمة الجنايات الدولية لردّتها لعدم الاختصاص، لأنّ الجريمة موضوع المحاكمة ليست من الجرائم الدولية الواردة في النظام الأساسي للمحكمة. في حين نرى أن مجلس الأمن يتجاهل مجرّد التحقيق في جرائم حرب وجرائم ضدّ الانسانية موثّقة، والتي تقع بطبيعتها في صلب القانون الدولي الجنائي وهي مبرر اقامة جميع المحاكم الدولية التي سبقت المحكمة الخاصة بلبنان، هذه الجرائم ارتكبتها اسرائيل بحقّ ألاف اللبنانيين في فترة تلت اغتيال الرئيس الحريري وسبقت انشاء المحكمة الخاصة بلبنان، أي في عام 2006.
لأول مرّة، (ومن المستبعد جدّا أن تتكرّر)، يلجأ مجلس الأمن الى الفصل السابع من الميثاق الأممي لانشاء محكمة أساسها القانوني اتفاقية غير مستوفية الشروط الدستورية لابرامها، ان لجانب الجهة الصالحة للتفاوض بشانها، أو لجهة الموافقة عليها من قبل السلطة التشريعية، كما ينصّ عليه الدستور للدولة التي هي الطرف الأساسي في هذه الاتفاقية. ولأوّل مرّة يقيم مجلس الأمن محكمة دولية بموجب الفصل السابع لا تنظر بجرائم حرب وجرائم ضدّ الانسانية. جرائم دأب مجلس الأمن، وكذلك فقهاء القانون الدولي، على اعتبارها المبرّر الأساسي لصلاحية مجلس الأمن في اقامة محاكم جنائية دولية بموجب الفصل السابع من الميثاق.
ولأوّل مرّة يلجأ مجلس الأمن الى الفصل السابع من الميثاق في اقامة محكمة دولية لا تموّل من الموازنة العامة للأمم المتحدة بل تتولّى تمويلها، بالاضافة الى لبنان طبعا، دول متطوّعة في طليعتها الدول صاحبة الجهد الأكبر في انشاء المحكمة، ما يطرح علامة استفهام اضافية حول استقلال المحكمة وديمومتها.
كيف لعاقل أن يفوته التساؤل حول مبرّر الجهود الاستثنائية من قبل بعض الدول، وفي طليعتها الولايات المتحدة، والتي دفعت مجلس الأمن الىّ الخروج عن قواعد التزمها طوال عقود من الزمن في انشاء المحاكم الدولية الخاصة، وكذلك الى خروج عن قواعد ثابتة في القانون الدولي العام.
فالجريمة هي بالدرجة الأولى ضدّ الشعب اللبناني ولا تعني المجتمع الدولي الا بصورة ثانوية. ولا يمكن القول أنّ ضغوطا شعبية على الصعيد الوطني لهذه الدول أوعلى الصعيد العالمي، هي التي حتّمت اتّخاذ الاجراءات القضائية التي اتخذت بشأن اغتيال الرئيس الحريري، كما حصل أثناء المجازر التي امتدّت في الزمان والمكان في يوغسلافيا سابقا وروندا وسواها من الدول التي أقيمت من أجلها محاكم دولية خاصة.
أوجه الشبه عديدة بين اغتيال الرئيس الحريري وبنازير بوتو، رئيسة وزراء باكستان سابقا، ولكنّ اغتيالها لم يلق اهتماما مماثلا من قبل مجلس الأمن الدولي.
ليس الهدف هنا الاسترسال في تقديم الأدلّة على أنّ الدوافع الأساسية وراء انشاء المحكمة الخاصة بلبنان هي سياسية. فما جاء ذكره أعلاه هو غيض من فيض، لكنّه لا يسمح لذي عقل سليم بأن يتصوّر أنّ بلوغ العدالة هو هدف جهود الدول صاحبة القرار في مجلس الأمن، بالنسبة الى كلّ الاجراءات القانونية التي اتخذت بشأن اغتيال الرئيس الحريري وجميع الذين سقطوا معه أو اغتيلو من بعده.
اذا كان ما تقدّم يشكّل مادة للاقتناع بأنّ الدوافع وراء انشاء المحكمة هي سياسية بامتياز، الاّ أنّه لا يقدّم الدليل القطعي على عدم استقلالية المحكمة، فذلك يستدعي امعان النظر في سلوك القيّمين على أعمال المحكمة.
هنا أودّ بداية التفريق بين مرحلتين في عمل المحكمة: مرحلة التحقيق، ومرحلة المحاكمة. ففي المحاكمة العلنية ضمانات غير متوافرة في مرحلة التحقيق، السرّي بطبيعته. واذا كنّا نعرف، أو نستطيع أن نستقي المعلومات، عن السيرة الذاتية لقضاة الحكم، بما في ذلك الخبرة والكفاءة والسمعة الحسنة، وأن نراقب عملهم، فاننا، باستثناء المدّعي العام ربّما، في ظلمة تامة في ما يتعلّق بالذين يتولّون التحقيق، وبخاصة لجهة انتماء وولاء عشرات المتعاقدين مع المدّعي العام الّذين يتولّون عمليّات التحقيق الميداني، وما اذا كان لهم ارتباطات بحكومات أو مؤسسات ذات مصلحة في توسّل اغتيال الرئيس الحريري لمآرب سياسية معيّنة. ما نعلم هو أنّ جميع هئولاء يعملون تحت ستار السرّية ويتمتّعون بحصانة من أيّة مراجعة قضائية.
وبما أنّ المحكمة أعلنت مرارا عن استقلال المحكمة بما هي محاكمة وقضاة حكم عن التحقيق ومن يتولّونه، وبما أنّ المحاكمة لم تبدأ بعد، وسوف ينصبّ عملها على نتائج التحقيق، نرى أنّ النظر في استقلال ونزاهة الاجراءات القضائية فيما يتعلّق باغتيال الرئيس الحريري يجب أن ينحصر الآن في مرحلة التحقيق. وبما أنّ عمل المحكمة في مجال التحقيق هو امتداد لعمل لجنة التحقيق الدولية التي أنشأها مجلس الأمن بقراره رقم 1595 وأنّ المدّعي العام لدى المحكمة الذي يشرف الآن على التحقيق كان آخر رئيس للجنة التحقيق الدولية، فلا بدّ من أن نمعن النظر في مدى مهنية ونزاهة واستقلال المسؤولين عن التحقيق منذ بدايته.
التجاوزات الهادفة التي ارتكبتها لجنة التحقيق الدولية، بقيادة ديتليف ميليس، أوّل رؤسائها، بما في ذلك مخالفة معظم قواعد التحقيق الجنائي، ان لجهة انتهاك سرّية التحقيق، أو لجهة بلوغ استنتاجات قطعية في اوّل تقاريرها دون الاستناد الى أيّة أدلّة مقبولة قانونيّا، وكذلك اتخاذ اجراءات لا مبرّر قانونيا لها مثل الأمر باعتقال الضبّاط المسؤولين عن الوضع الأمني في لبنان. كلّ ذلك بهدف تعبئة الراي العام وتوجيهه نحو الظنّ بأطراف معيّنة واستصدار قرارات من مجلس الأمن الهدف منها سياسي بامتياز. وعندما ندرك أن ذلك كان يجري بتناغم مع تصريحات ذات مآرب سياسية واضحة لمسؤلين في الدول الأكثر اهتماما بالاجراءات القانونية التي أعقبت اغتيال الرئيس الحريري، فهل في ذلك ما يدفع الى الاطمئنان الى استقلال التحقيق عن الارادات السياسية التي هي سبب وجود المحكمة؟
التسريبات التي صدرت بشأن ما زعم أنّه تهم ووقائع بلغها المحقّقون منذ بداية عمل لجنة التحقيق الدولية، واستمرّت بعد أن استبعدت السيادة اللبنانية عن كل ما يتعلّق باغتيال الرئيس الحريري، وأصبح التحقيق جزءا من عمل المحكمة وتحت سلطتها الكاملة، هذه التسريبات تمّ استغلالها اعلاميّا من قبل مسؤلين في دول ذات مصالح سياسية معروفة . فهل في ذلك ما يعزّز الثقة بمهنيّة المحققين ونزاهتهم واستقلالهم عن الارادة السياسية لبعض الدول.
وبالاضافة الى فرادة المحكمة الخاصة بلبنان، مقارنة بالمحاكم الجنائية الأخرى لجهة تشكيلها واختصاصها والقانون الذي يطبّق في عملها، فانّ هناك فرادة في القواعد الاجرائية التي اعتمدتها خاصة لجهة التستّر على مصادر المعلومات بشأن الأدلّة التي يمكن ان تساق ضدّ المتّهمين اذا لم يشأ المصدر الكشف عن هويّته .
ثمّ أليس في تستّر المدّعي العام لدى المحكمة، السيّد بلمار، ومعارضته كشف معلومات محددّة بشأن شهود الزور، أقلّه في حدود ما أمر به قاضي ما قبل المحاكمة، ما يثير الشبهات؟ لكنّ جميع الشكوك تتبدّد ويحلّ محلّها اليقين عندما نقرأ في وثائق ومستندات نشرتها وكيكليكس، ولم يجر تكذيبها، عن علاقة بين السيد بلمار ومسؤلين أميركيين ولبنانيين. فانّ في هذه المستندات ما من شأنه أن يقضي على كلّ ادّعاء باستقلالية التحقيق في المحكمة الخاصة بلبنان. في احدى هذه الوثائق يطلب السيد بلمار من مسؤلين أميركيين توجيهات وأسئلة محددة يودّون أن يطرحها على مسؤلين سوريين أثناء قيامه بعمله في التحقيق مع هؤلاء المسؤلين.
انّ مثل هذا السلوك ينفي كلّ ادّعاء باستقلالية ومهنية ونزاهة التحقيق في المحكمة ويسخر من توصيات مجلس الأمن بأن تلتزم المحكمة أعلى معايير السلوك المهني. واذا كان من حرص على استقلالية المحكمة، فيجب أن يعبّرعنه بالمطالبة بكفّ يد المدّعي العام لدى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وجميع الّذين ارتكبوا تجاوزات يحرّمها القانون وابطال نتائج التحقيق الذي قاموا به.
(*) مداخلة في مؤتمر لاهاي حول المحكمة الدولية بشأن لبنان- 2 /2/2011
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018