ارشيف من :أخبار لبنانية
ميقاتي ينجز «ماكيت» حكومة «تكنو سياسية» من 24 وزيراً
خضر طالب ـ "السفير"
يمسك الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي أكثر من طرف خيط في حياكة حكومته العتيدة، يرخي أحدها لمنع انقطاعه بفعل «الشدّ العصبي» الذي يحاول سحب الخيط في اتجاه محدد، ثم يعود لشدّه في اللحظة التي يعتقد فيها الآخرون أنه قد أفلت منه، ثم يكرّر العملية ذاتها في خيط آخر، محاولاً إدارة ماكينة الحياكة بما تيسّر له من ألوان النسيج السياسي اللبناني.
لكن ميقاتي بدأ يلمس أن بعض الخيوط التي ربطها تُحمَّل بأثقال تحاول جذب ساعده إلى حدود عرقلته عن مواصلة عملية الحياكة، لعل ذلك يساهم في الاستسلام للفشل وإعلان عجزه تاركاً لـ«غيره» أن يقوم بهذه المهمة، فيسقط بذلك «الانقلاب» الذي أطاح الأكثرية السابقة لتستعيد «أكثريتها» وتعود إلى السلطة التي فقدتها في «لحظة تخلّ» لم تقرأ فيها «الجغرافيا السياسية».
يسمع ميقاتي صوت «مطرقة» قوى 14 آذار على «سندان» الأكثرية الجديدة، ويدرك جيداً أن الضربات «غير الطائشة» التي تصيبه من وقت لآخر إنما تريد حشره في موقع دفاعي يضطر فيه إلى مواجهة مع الأكثرية الجديدة دفعاً لتهمة «الانتماء» إليها، فيؤدي ذلك إلى سحب «التكليف» الذي حظي به على حسابهم.
لكن الرئيس المكلّف قرر أن يكمل طريقه في المفاوضات مع قوى 14 آذار من دون أن يدير ظهره للأكثرية الجديدة التي وافقت على تكليفه بفعل مداخلات دولية وعربية أفضت إلى تسوية حملته إلى رئاسة الحكومة، لأنه مقتنع بأن «مرحلة نجيب ميقاتي» لا تزال سارية المفعول، وأن هذه المرحلة ليست انتقالية على غرار تجربة العام 2005 عندما تلقّى من الرئيس سعد الحريري آنذاك وعداً بتسميته بعد الانتخابات النيابية التي أشرف عليها من دون المشاركة فيها، قبل أن ينقلب الوضع ويأتي الرئيس فؤاد السنيورة إلى رئاسة الحكومة بهدف التأسيس لمرحلة جديدة أشرف عليها مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان الذي وضع حينها «دفتر شروط» للمتقدمين إلى الرئاسة الثالثة لو وافق عليها نجيب ميقاتي آنذاك لبقي رئيساً لحكومات المشروع الذي حمله السنيورة، وربما إلى اليوم. وبعد أن سقط المشروع من يد السنيورة جاء الرئيس سعد الحريري لنسفه والانطلاق بمرحلة جديدة تأسيسية، إلا أن إدارة تلك المرحلة بتردّد على وقع البحث عن ثمن مرتفع، تسبب بعدم الثبات في مسار التأسيس الذي تعرّض لنكسات جدية كانت كافية لانهيار الطريق أمام مواصلة الرئيس الحريري السير نحو محطة «مرحلة سعد الحريري»، وبالتالي سقوط الرهان على استكمال تدعيم هذا البناء الذي كان يمكن أن يمنح الرئيس الحريري «زمناً مفتوحاً» من السلطة في لبنان.
انتهت تلك المرحلة أيضاً.. لكن إلى المجهول، قبل أن يجري بناء جسر خشبي عبر من فوقه ميقاتي نحو تغيير وجهة المسار الذي كان لبنان يسير فيه نحو الاصطدام الحتمي.
كان كل من السنيورة والحريري يمتلك فرصة الانتقال من خلف «المتراس» إلى حمل لواء تعطيل الاشتباك ودفع الآخرين للسير تحت تلك الراية، فرفض الأول الفكرة وأهدر الثاني الفرصة، حتى سقط اللواء أرضاً إلى أن تلقفه ميقاتي محاولاً السير وسط الاشتباك، يحتمي مرة بين ركام الصدام، ويقترب مرة من هذا المتراس أو ذاك تبعاً لغزارة النيران التي تطلق عليه من خلف كل منهما.
يعلم الرئيس المكلّف أن الرهان على عجزه عن تشكيل الحكومة كبير جداً عند فريق الأكثرية السابقة، ويعلم أن الأكثرية الجديدة تريد منه الانضمام إلى صفوفها ليكون رأس حربتها في المرحلة المقبلة، لكنه يصرّ رغم ذلك على السير بين وابل التراشق لعل الحرص على وجوده في موقع التسوية يؤدي إلى هدنة تسمح له باستدراج الفريقين إلى لقاء تحت رعايته في الحكومة، وإن كان هذا الاحتمال قد انطلق ضعيفاً وبدأ يتجه نحو الاضمحلال، ولهذا فإن ميقاتي وسّع قنوات التواصل والتنسيق مع «الخارجين» عن «قانون الصدام» لتقوية «جبهة الوسط» التي يصرّ على أن يكون لها اليد الطولى في حكومته العتيدة.
لذلك، فإن ميقاتي يراهن على دور «وسطي» فاعل لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس جبهة النضال النائب وليد جنبلاط، وهو دور يرجح له أن يحمي الرئيس المكلّف من سهام الأكثرية السابقة ومن «تغامز» الأكثرية الجديدة وضغوطها، لكن الدرع الرئيسة التي يمكن أن تخفف من وقع الهجمات المتتالية عليه تتمثّل بتشكيل حكومته التي يبدو أنها أصبحت جاهزة تقريباً، وقد عرض «الماكيت الأولي» على الرئيس سليمان مساء الأحد، على أن يبدأ بتنقيح الصورة خلال الأيام القليلة المقبلة قبل تظهيرها ونشرها بملحق إخباري خارج نشرات الأخبار المصرية التي تحتل الشاشات والصفحات.. وقد يستبق الإعلان أي تغيير في الوقائع المصرية، لعلّ صيغتها غير الفضفاضة عدداً ولوناً سياسياً يحشر كل الأطراف، خصوصاً إذا كانت للرباعي الجديد: سليمان ـ بري ـ ميقاتي (ومعه حليفه الثابت محمد الصفدي والحليف المستجد وربما الثابت لاحقا تمام سلام) ـ جنبلاط، حصة القرار في حكومة «تكنو سياسية» (مختلطة) من 24 وزيراً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018