ارشيف من :أخبار لبنانية
ملاحظات حول القرار الاتهامي المنتظر
سامر ماهر العبد الله ـ "السفير"
مع اقتراب موعد صدور القرار الاتهامي في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريــري، يمكــن الإضاءة على بعض الجوانب الواقعية والقانونية التي تحيط به:
1ـ إن الإدعاء العام لدى المحكمة الدولية وبوصفه سلطة اتهام، ملزم بتقديم العناصر المكونة للجريمة كافة، وهذا الإجراء تفرضه طبيعة الدعوى الجنائية وخطورة النتائج التي تترتب عليها، بل وعليه الأّ يدخر وسعاً في جمع كافة عناصر الاثبات في الدعوى في شقيها الإيجابي والسلبي بما يقرّبها من إدراك الحقيقة. ولذلك فالتحقيق يجب أن لا ينحصر مع جهة معينة، أو حول فرضية معينة بل يجب ان يكون شاملاً للفرضيات القائمة والبحث المعمّق في اسبابها.
ذلك، إن أي اتهام جنائي يجب أن يقترن بالوقائع الثابتة الى جانب كافة الممكنات العقلية التي اتيحت امام التحقيق، ومن بين هذه الممكنات أسباب الأخطاء السابقة التي وقعت فيها لجنة التحقيق الدولية والتي أدت الى توقيف الضباط الأربعة وواقعة مراقبة الطائرات الاسرائيلية لمواكب الرئيس الحريري كما كُشف عنه (من قبل الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله)، وكذلك عمليات القرصنة الاسرائلية على قطاع الاتصالات في لبنان، والتي أصبحت ثابتة (مع ادانة دولية من مؤسسة تابعة للأمم المتحدة)، قبل اي استناد الى القرائن المستمدة من هذا القطاع في أي اتهام، خاصة بعد ان تكشفت قدرة إسرائيل على خلق أرقام تتزامن مع بعضها البعض في الخط الواحد، من دون علم صاحبها، وبالتالي فبركة اتصالات وهمية في أمكنة وأزمنة مختلفة، وبالتالي وجب ربط التحقيق بهذه الممكنات المذكورة صوناً لمصداقية القرار الاتهامي وتصنيفه في خانة المعقول او المقبول في معايير فقه القانون الدولي.
فمن المبادئ القانونية الدولية المتميزة نجد الحالة المعبّر عنها بـ«لا معقولية الأحكام القضائية الدولية» ومن ضمنها لا معقولية الإجراءات التي بنيت أو ستبنى عليها هذه الأحكام. كما إن أي تحقيق قضائي دولي، وتحديداً إذا كان جنائياً، يجب أن يتصف بالمنطق، وهذا يعني أنه يجب ان يكون هناك استعداد لدى القضاة لدراسة اي إقتراح يفيد التحقيق، ويسبق أحكامهم، وذلك يفيد القضاة ذاتهم لأنه يساعدهم على تبرير استنتاجاتهم.
امام هذه المعطيات، وفي حال عدم سير التحقيق الدولي بالفرضية الاسرائيلية، وبمعنى آخر عدم التحقيق في مسألة ضلوع إسرائيل في جريمة الاغتيال، فإنه من المؤكد أن هذا التحقيق سوف يتصف باللامعقولية مع ما يعطيه هذا المصطلح من حق للمتظلم في رفض نتائجه.
2ـ إن الشكوك المتعلقة بعدم حيادية التحقيق الدولي في ملف اغتيال الرئيس الحريري سببها مسار هذا التحقيق، وإنه من حق المتضرر منه ان يركز على تزايد العوامل السياسية المؤثرة فيه، والتي ادت اولاً الى اتهامات خاطئة لما يسمى «النظام الأمني اللبناني ـ السوري»، الذي كان سائداً في لبنان أثناء فعل الاغتيال. ذلك ان المحققين الدوليين أخذوا بشهادة كشهادة محمد زهير الصديق لعدة سنوات، رغم سطحيتها. وإذا كان رأس الهرم في جهاز التحقيق الدولي قد تغيّر، الإ أنه لا يمكن إنكار أن هذا التحقيق يعتبر كلأً متكاملاً يحكم عمله التضامن، وأن اي خطأ عبره ينسحب على الجهاز بأكمله، خاصة في ظل غياب أي مساءلة ولو محدودة.
ذلك أنه يجب عدم إغفال أن التحقيق الدولي في ملف الرئيس الحريري هو إجراء في مسار قضائي سيطول، وهذا التحقيق وقع في خطأ جوهري واضح عند أخذه بإفادات شهود الزور اثناء ولاية رئيس لجنة التحقيق الدولية الأسبق، ديتليف ميليس، ولقد تغاضى خلفه سيرج براميرز عن هذا الخطأ لأسباب غير معروفة، وبعد خمس سنوات تم إخلاء سبيل الضباط الأربعة في عهد المدعي العام دانيال بلمار، وهذا يعني أن الإجراءات التحقيقية السابقة كانت خاطئة.
وفي هكذا مسار خاطئ، يفضّل إعادة فتح القضية التي انطوت على أخطاء جوهرية سواء في الواقع او في القانون، لأن التحقيق أساء تقدير الأدلة المقدمة اليه، وأنه من الخطأ الاستمرار في الملف من دون مراجعة كاملة للأخطاء الحاصلة، سيما وأن العدالة الدولية لها طابعها الخاص وهي تقوم على مبادئ صارمة، وفي حال الإخلال بها، وعدم إعادة التوازن اليها، يصبح من حق أي متضرر الطعن باي اجراء لاحق.
3ـ من الأمثلة التي تؤكد التخوف من نتائج التحقيق الدولي، هو الشعور بأن الجهات المحققة لا تتصرف في إطار الشعور بالمسؤولية القضائية، سواء لناحية التغاضي المطلق عن التسريبات وعن خرق سرية التحقيق بدءاً من تقارير جريدة السياسة الكويتية مروراً بدير شبيغل الإلمانية وصولاَ الى تقرير محطة CBC الكندية واشرطة التحقيق التي تواصل بثها قناة «الجديد»، إضافة الى كون قادة بعض الدول الكبرى يتصرفون كمفاوضين يحاولون ربط القضية بنواح سياسية.
ذلك ان عمل المحاكم الدولية يتأثر عادة بشكل او بآخر بالرأي العام العالمي والداخلي الذي ينتظر عملاً حيادياً متمتعاً بمصداقية كبيرة، وأنه من الصعوبة إقناعه باتهام مبالغ فيه، لأن مشكلة القرائن العلمية تكمن دائماً في تقييمها، وأنه من الخطر حصرها مقدماً، لأنها يجب أن تتضمن بياناً وفحصاً لجميع الأشياء والأدلة التي يمكن أن تؤدي الى كشف الحقيقة .
كما أن إعادة التوازن الى التحقيق في ملف الرئيس الحريري لا تتم إلا بمحاكمة شهود الزور، فكيف اذا كانت المحكمة الدولية قد رفضت محاكمة هؤلاء الشهود، وأن جهاز الإدعاء العام لديها، وبدلاً من أن يكون متحمساً لمحاكمتهم، نجده يرفض ويؤخر تسليم المستندات الخاصة بذلك لإصحاب المصلحة في محاكمتهم؟.
وفي حال الإصرار على تجاهل القرصنة الاسرائيلية، وفي الوقت ذاته الأخذ بقرينة الاتصالات للاتهام بالاغتيال، مع التمادي في رفض محاكمة شهود الزور، والتغاضي عن التسريبات المبرمجة، يصبح رفض الاتهام من الأمور الجدية، ويصح القول بأنه تم تغليب الاعتبارات السياسية على الاعتبارات القانونية، لأن دليل الاتصالات وفي ظل الخرق الاسرائيلي الكامل يصبح دليل نفي وليس دليل إثبات ومن غير القانوني الأخذ به.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018