ارشيف من :أخبار لبنانية
سياسة الفشخة تطمئن ميقاتي
نقولا ناصيف ـ "الاخبار"
بعد أسبوعين على تكليفه، بات الرئيس نجيب ميقاتي أكثر ارتياحاً إلى ما بقي من المسافة التي تفصله عن إعلان حكومته خلال أيام. حصيلة أسبوعين من مشاورات لم تتوقف حدّدت له حلفاءه. لكن خصومه اختفوا أو أُخفوا .
بعد أسبوعين على تكليفه، بات الرئيس نجيب ميقاتي أكثر ارتياحاً إلى ما بقي من المسافة التي تفصله عن إعلان حكومته الثانية خلال أيام. حصيلة أسبوعين من مشاورات واتصالات لم تتوقف حدّدت له حلفاءه. لكن خصومه اختفوا أو أُخفوا حينما كُلف الرئيس نجيب ميقاتي ترؤس الحكومة لأول مرة، في 16 نيسان 2005، رجّحت كفةَ تسميته معارضةُ ذلك الوقت التي ضمّت الحزب التقدّمي الاشتراكي وحزب الكتائب والقوات اللبنانية والشخصيات والأحزاب المسيحية المنضوية في قرنة شهوان، إلى تيّار المستقبل قبل أن تعهد العائلة إلى الرئيس سعد الحريري في 20 نيسان الزعامة السياسية وقيادة التيّار، وارثاً والده الراحل. أعطت تلك المعارضة ميقاتي 57 صوتاً في مقابل تعهّدات كانت قد طلبتها منه ووافق عليها، وهي إقالة قادة الأجهزة الأمنية وعدم الترشح للانتخابات وإجراء الانتخابات في مواعيدها، وأصدرت المعارضة حينذاك بياناً بذلك. بعد عشرة أيام انسحب الجيش السوري من لبنان، وفي حزيران، على أثر الانتخابات النيابية، انقلبت المعارضة أكثرية، والغالبية الموالية لدمشق أقلية. في 90 يوماً أعطى ميقاتي لقوى 14 آذار مرحلة انتقالية مهّدت لها وضع اليد على السلطة في لبنان. آنذاك توزّع حلفاء سوريا بين مَن تغيّب عن استشارات التكليف، ومَن تفادى التسمية، ومن اختار النائب عبد الرحيم مراد، إلى 45 نائباً أودعوا رئيس الجمهورية إميل لحود الاسم ولم يعلنوه.
بعد ست سنوات تضع المفارقة ميقاتي في المكان نفسه، على رأس حكومة تنتزع السلطة ممّن أعطوا إياها عام 2005، والكثير من حول غالبية 2005 تغيّر كثيراً: لم تعد سوريا مطرودة من لبنان وتفاقم نفوذها، ولا الحلفاء الإقليميون والدوليون قادرين على إدارة النزاع اللبناني وترجيح الكفة على نحو أدوار القاهرة والرياض وواشنطن، انقلبت التوازنات الداخلية رأساً على عقب، وكذلك الخيارات.
عند تكليفه رئاسة حكومته الثانية، بعد ست سنوات، تبادلت الأكثرية والأقلية بالإكراه مواقعهما. الموالون صاروا معارضين، والمعارضون عادوا موالين كما كانوا عام 2005. حصل ميقاتي من الفريق الذي لم يُسمّه عام 2005 على 68 صوتاً، بينما ألقى مؤيدوه حينذاك أصواتهم في صندوق الحريري عام 2011. وكما قيل عن أول تكليف إنه اقترن بتعهّدات، يقال عن التكليف الثاني الأمر نفسه، وإن ميقاتي سيلتزم إخراج لبنان من المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
إلا أن بضعة معطيات بدأت تحوط بمسار تأليف حكومة ميقاتي منذ تكليفه في 25 كانون الثاني:
1ـــــ رغبة دمشق في استعجال إبصارها النور. وبعض المعلومات يتحدّث عن إمكان إعلان التشكيلة قبل نهاية الأسبوع الجاري. بيد أن الموقف السوري لا يقتصر على هذا الجانب فحسب، بل أبرَزَ اهتمامه بقاعدتين يأمل من الأفرقاء اللبنانيين، المعنيين بتأليف الحكومة، أخذهما في الاعتبار: أولهما عدم إرباك ميقاتي أمام طائفته، وتقديم التسهيلات التي تساعده على تعزيز موقعه رئيساً لمجلس الوزراء، وفي الوقت نفسه زعيماً سنياً. وثانيهما استجابة ما يطالب به الرئيس ميشال عون في حصصه في مقاعد الحكومة الجديدة وحقائبها.
وعندما يُسأل ميقاتي عن حدود الدور السوري في التعاطي المباشر مع تأليفه الحكومة، يجيب بأن لا تدخل مباشراً أو غير مباشر. لم يدخلوا معه في الأسماء والحقائب. يقول أيضاً إنه يعرف ماذا يريد منه السوريون، لذا لا يسألونه إياه لأنهم يعرفون سلفاً موقفه من المطلبين اللذين باتا يتصدّران صلة سوريا بلبنان، وهما حماية المقاومة والعلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية.
وما لا يقوله ميقاتي، يفصح عنه أقطاب في الغالبية الجديدة، من بينهم رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، وهو أن الحريري أخفق في استيعاب أهمية هذين المطلبين، أو في أحسن الأحوال دُفع إلى تجاهلهما، فتكبّد الثمن وحده. لم يعِ تأثير العلاقة مع سوريا على الاستقرارين السياسي والأمني وعلى وجوده هو في الحكم، ولا أهمية إبقاء الحوار مع حزب الله مفتوحاً طوال الوقت عندما يختلف معه وعندما يتفق. وما لم يقدم عليه مرة الحريري الأب مع سوريا وحزب الله، خفّ إليه الحريري الابن بلامبالاة ظاهرة، إذ رأى أن في وسعه البقاء في رئاسة الحكومة وممارسة الحكم في مواجهة سوريا وحزب الله في أن واحد.
2ـــــ يسعى الرئيس المكلف إلى إزالة كل الذرائع التي تحول دون تأليف الحكومة، بما في ذلك إصراره على مشاركة قوى 14 آذار فيها، مع معرفته المسبقة بإحجامها عن هذه المشاركة. ولا يعني إقباله على الأسبوع الثاني من التكليف إلا تأكيداً لعدم استعجاله تأليف حكومة تستثني طرفاً رئيسياً في المعادلة الداخلية. وخلافاً لمواقف أفرقاء في الغالبية الجديدة، ينظر إلى إمرار الوقت على أنه يصب في مصلحته لأسباب شتى: منها تخفيف وطأة التشنّج المذهبي والشغب الذي كان رافق الساعات الأولى من استشارات التكليف، ومنها اجتماعات عقدها مع سفراء دول كبرى وأخرى مهتمة بالوضع اللبناني تفهّموا وجهة نظره في تأليف حكومة وحدة وطنية، حملت هؤلاء السفراء على مفاتحة أركان في المعارضة الجديدة بالانضمام إلى الحكومة الجديدة، ومنها رغبة قوى 14 آذار في التفاوض مع الرئيس المكلف بناءً على لائحة شروط كانت تعرف أنه لن يستجيب لها ما دام لم يستجب للجهر بما طالبت به قوى 8 آذار وهو مناوأة المحكمة الدولية.
ولعلّ المؤشر الذي يصوّر اهتمام بعض هؤلاء السفراء بالوضع اللبناني، وتجنيبه خضات حادة والسعي إلى ضمان استقراره الحكومي والأمني، وتالياً توجيه انتباههم المحوري إلى أحداث مصر، أن عدداً من الدبلوماسيين ممّن يُعدّون خلايا أزمة في السفارة الأميركية في بيروت غادروا إلى القاهرة للبقاء على قرب من العاصفة التي تهدّد النظام.
3ـــــ على مرّ الأسبوعين المنصرمين، رسم ميقاتي بروفيل لرئيس الحكومة مغايراً لذاك الذي طبعه عن نفسه الحريري، وبدا في الوقت نفسه يضاهيه في ما بدا أن الحريري الابن كالحريري الأب يتفرّد به: لم يبادل ميقاتي سلفه بردود فعل سلبية مشابهة لما فعله الحريري عندما دعا الشارع الطرابلسي الموالي له إلى التحرّك والشغب ضد الرئيس المكلف، وعندما تغاضى عن إحراق صور خلفه، وعندما التقى به بحرد ظاهر مرة في بيت الوسط وأخرى في مجلس النواب.
في المقابل قال ميقاتي إنه لا يسعه إلا التعاون مع الحريري ويريده إلى جانبه، وكسر أحادية الزعامة السنّية مذ تمحورت مع انتخابات 2000 حول الرئيس رفيق الحريري، واستعاد دور طرابلس في التناوب على رئاسة الحكومة وعلى إبراز تأثير زعاماتها المحلية في المعادلة الداخلية، وأعاد الروح إلى ما كان قد خبره الزعماء السنّة البيروتيون والطرابلسيون والصيداويون منذ الاستقلال عندما فصلوا بين رئاسة الحكومة وزعامة الطائفة، وعندما اعترف أحدهم للآخر وهو ينافسه على المنصب بأن أحداً لا يسعه ادعاء استئثاره بزعامة الطائفة. إلا أن اشتراك السلف والخلف في امتلاك ثروة طائلة وعلاقات عربية ودولية مثيرة للاهتمام، لا يحجب واقع أن ميقاتي بات يمثّل تهديداً جدّياً لزعامة الحريري في الشارع السنّي في المدى البعيد، إذا كان قد كتب للحريرية السياسية، وفق قرار سوريا وحزب الله، أن لا تعود إلى رئاسة الحكومة.
4ـــــ خلافاً لتكليف عام 2005، يقول الرئيس المكلف إنه لم يقطع لقوى 8 آذار تعهّداً بالدخول في مواجهة مع المحكمة الدولية، ولا وجد نفسه ملزماً في المقابل بإعطاء تعهّد مناقض لقوى 14 آذار لم يُعط نقيضه لخصومها. حدّد نطاقين لموقفه من المحكمة الدولية: أولهما أن ليس في وسع الحكومة اللبنانية إلغاء قرار أصدره مجلس الأمن ما لم يلغه الأخير، وثانيهما ناط بنفسه الحؤول دون تداعيات القرار الاتهامي على الوضع الداخلي، الأمر الذي سيحمله على ترجمة موازنة الموقف من المحكمة في البيان الوزاري. لا يأتي على ذكر التزام المحكمة بعدما فقدت الإجماع الوطني عليها، ولا يتبنى الإجراءات الثلاثة (وقف التمويل وسحب القضاة اللبنانيين وتجميد البروتوكول المعقود مع الأمم المتحدة) التي تصبح في عهدة هيئة الحوار الوطني ومجلس الوزراء ومجلس النواب، تبعاً لسياسة «الفشخة» التي يرغب الرئيس المكلف في اتباعها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018