ارشيف من :أخبار لبنانية

السابقة السودانية..!!

السابقة السودانية..!!
علي قاسم - "صحيفة الثورة"


جاءت فرحة الأميركيين باعلان نتائج الاستفتاء في السودان مرتبكة، حين فشلوا عن إخراجها إلى العلن باحتفال مشهود كما كانوا يمنون النفس ويحضرون.

شاءت الأحداث أن تأتي في ظروف تنشغل فيها الدبلوماسية الأميركية حتى التفاصيل بلملمة انكساراتها في أكثر من موقع وخصوصاًَ ما هو منها على مقربة من السودان.‏


ومع ذلك لم تخفِ سعادتها، ولم تفوّت الفرصة كي ترسم ابتسامة تغطي بها ارتباكها نتيجة مايلوح في الأفق من خسارات سياسية، رغم يقينها أنه من الصعب التغطية أو التعويض.‏

المسعى الأميركي الذي توجته نتائج الاستفتاء ترك مساحة هائلة للتساؤلات المريرة التي يفرضها الواقع الجديد على أكثر من صعيد.‏


تقسيم السودان الذي بدت مؤشراته قبل الاستفتاء، وتم التعامل معه كواقع من قبل الدبلوماسية الأميركية، مرّ على العرب دون أن يخرجهم من حالة التثاؤب رغم المخاطر المترتبة على ماكان يجري.‏


وحتى إعلان الاستفتاء لم يلقَ أي اهتمام وسط انشغال عربي بما يجري في مصر وكأن العلاقة التي تربط الحدثين تواجه انفصاماً كلياً غير قابل حتى للمقارنة.‏

ماهو مؤكد في هذا السياق أن السودان الذي سلم بالأمر الواقع دون أي اعتراض، يواجه اليوم مأزق البحث عن جغرافيته التي انفرطت، وباتت موضع استهداف لن يكتفي بما حصل، ونهاية المطاف ليست ذلك الاستفتاء، بل ثمة استحقاقات قادمة لن يكون مصير الشمال نفسه بعيداً عنها.‏


وإذا كانت المكافأة الأميركية المباشرة بازالة السودان عن لائحة «الدول الداعمة للإرهاب»، مقابل إزالة مساحة شاسعة منه عن خريطته المعتادة، فإن ماهو مطلوب منه لن يتوقف عند حدود التسليم بتلك النتائج، وانما ستتوالى قائمة المطالب، وهي غير بعيدة عن ادراك السودانيين وما يقف خلفها.‏
 

وبالتالي السؤال المقابل ماحجم الاقتطاعات الأخرى القادمة من خريطة السودان كي ينعم بمكافآت واشنطن تلك؟!‏. السابقة السودانية لاتقتصر مخاطرها على ماجرى من تقسيم، ولا هي في توظيف واشنطن لما جرى على أنه يحفظ ماء وجهها من الخيبات المتتالية أو يعوضها عن سلسلة انكسارات تواجهها، إنما فيما تجره من حالات تشابه قابلة للتكرار في أكثر من موقع داخل السودان وخارجه.‏


لكن مايخفف - ربما - أن الانشغال الأميركي بما يجري خارج السودان سيكون أكثر بكثير مما يحدث داخله، وسيعود إلى دائرة النسيان ربما لسنوات، وقد يكون لعقود، وحتى ذلك التاريخ سيكون مضطراً للتعامل مع جراحه منفرداً، وأن ينزع أشواكه بيديه..‏


وفي الحصيلة النهائية الدرس يتكرر.. لكن مساحة الاتعاظ ليست بنفس القدر ولاهي بالمستوى ذاته، ومازال المشهد طازجاً، والكل يردده بدلالاته ومعانيه..‏

هذه أميركا تنقلب في أي لحظة.. ولم ينفع تاريخ طويل من التعامل معها، والارتماء في أحضانها، كما لم تنفع كل محاولات استرضائها.. فحين جاءت لحظة الانقلاب كان كل الماضي لايعني شيئاً، ولايساوي شيئاً ولديها الاستعداد لتصدر كادر أي صورة جديدة ترد إلى المشهد.‏

2011-02-10