ارشيف من :أخبار لبنانية
رسالة إلى ثوّار مصر: نحن اليوم بين تاريخين... ثالثهما أنتم
ناصيف قزي- صحيفة "النهار"
السلام عليكم يا ثوار مصر... السلام عليكم من لبنان، من ارض القداسة والشهادة والإباء، من جبل الأبدال والمساجد والخلوات، من عرس قانا وشهدائها والدماء، من أرض النضالات الجسام، والمجد والخلود لشهدائكم الأبرار، شهداء الثورة البيضاء في وجه الظلم والظالمين والفساد والمفسدين.
هي تحية عطرة أبعث بها الى ثوار أرض الكنانة وصانعي مجدها والتاريخ.
فيا ثوار مصر نحن اليوم بين تاريخين ثالثهما أنتم؟!
في مثل هذه الايام، قبل خمس سنوات، انبلج نور من كنيسة متواضعة، ظلت على مدى عقدين من الزمن، خط تماس بين اللبنانيين، في حرب أريدت لنا، وما أردناها يوما.
في مثل هذه الايام، في السادس من شباط عام ستة وألفين، وقع سيد القرار الحر العماد ميشال عون مع سيد المقاومة والتحرير السيد حسن نصرالله، في كنيسة مار مخايل في الشياح، "وثيقة التفاهم" التي أنهت عقودا من التفرقة والرهانات والأوهام، فأمست تاريخا مفترقا في مجرى السياسة اللبنانية بحيث أعادت الى لبنان معنى رسالته الحضارية العظيمة.
ومنذ ذلك التاريخ مشينا معا، كتلا وأحزابا وشخصيات، وكنا، ولا نزال، جبهة متراصة في وجه كيان صهيوني مسرف في عدوانيته وأطماعه، وثورة بيضاء على سياسات التفرد والتبعية والاستئثار والمديونية المفرطة والفساد.
وقبل يومين توجه الآلاف من مواطنينا الى بلاد الشام، في زيارة حج تاريخية الى بلدة "براد" شاركوا خلالها في اختتام المئوية السادسة بعد الالف لوفاة القديس مارون، ذلك الناسك العظيم شفيع الموارنة.
ومن هناك، من أرض الجذور، وقعنا بالصلاة والنذور، كتاب مشرقية مستعادة، تعانقت فيها المسيحية مع الاسلام، في صورة أرادتها السماء لنا، قبل الارض... من ساحل فلسطين ولبنان وبلاد الشام، الى بلاد الرافدين، مشرقية أرضها الخصوبة والوحي والرسالات وفضاؤها الانسان، ومدارك الانسان. فكنا اليد التي عادت، بعد ان اغتربت دون احتساب لتعانق تلك التي حفظت الامانة والايقونة والمكان فتنهي عهدا وتفتح عهدا.
فأي أنظمة هي تلك التي استقدموها لتدجيننا، وأي فرضيات وأي نظريات يجهزونها لبلاد طبعت سحنتنا والقامات... نحن الذين يوما، كنا للحضارة مهدا وللسماء مهبطا وللانسان منبتا؟!
وفي هذين التاريخين، السادس من شباط وعهد "لبنان الرسالة"، والتاسع منه وعهد "المشرقية المستعادة"... في هذين التاريخين، كنا الصورة المدوية لما يجب ان يكون عليه عالمنا العربي والاسلامي، لا بل البشرية جمعاء. كما كنا الصخرة التي تحطمت فوقها كل المؤامرات والنظريات الواهية، من بدعة "نهاية التاريخ" وأحادية النظام العالمي الى أوهام "صدام الحضارات" وجدران الاحقاد بين شعوب الله قاطبة وما الى ذلك من ترّهات.
واليوم... نرانا نوقع معكم، يا ثوار النيل، وكما في كل يوم، تاريخا ثالثا... تاريخا، نريده ان يكون هادرا، كما جموعكم المحتشدة في الساحات، ومدويا كما أصواتكم التي تقض مضاجع الحكام ومقدسا كما غضبكم ودماء شبابكم الطاهرة، تلك التي تسيل كما الروح المحيي، وكما الدفق الخلاق.
فمن هذه الارض التي صقلتها المعاناة والاحزان، ارض لبنان، أرض الرسالة الحضارية والمشرقية البهية، أرض التلاقي والعطاء، ارض البطريرك المؤسس يوحنا مارون، أرض الامام الأوزاعي، أرض العامليين، أحفاد أهل البيت، أرض الموحدين، من هذه الارض، إذ ننظر باعتزاز وأمل الى أنوار ثورتكم وضيائها، والتي نأمل ان تعيد اليكم كرامتكم الوطنية والانسانية، نرى ان بشائر "نهضة جديدة" تلمع في سمائكم لتسترد أيضا كرامة عربية طالما داستها صفقات ورهانات بعد عقود الهزائم والعثار، فتكملون بذلك انتصار تموز التاريخي وصمود غزة البطولي.
أنتم تعيدون اليوم، كما من قبل اخوان لنا في تونس، ترسيم معالم عروبة جامعة جذورها العدالة والمساواة والكرامة والحرية... عروبة أرادوا عنوة، وعلى مدى عقود ثلاثة، استبدالها بشرق أوسط جديد.
فيا أحرار مصر وثوارها الميامين، يا من تعيدون بوتقة عزكم، الى التاريخ العربي أمجادا ولا نبالغ اذا قلنا انكم الثورة العربية... ولو بعد حين الثورة التي نريد، وبكل اخلاص، أن تعيد بناء مجتمعاتنا والانسان.
فأنتم اليوم، بعزيمتكم وصمودكم وصبركم وتضامنكم، لا تعيدون الى مصر تاريخها المجيد فحسب، بل الى التاريخ العربي المعاصر بعض كرامة سحقتها الهزائم والتسويات، بل أكثر من ذلك، أنتم تعيدون المعنى الى مواثيق الأمم وشرائعها، تلك التي بعثرتها حكومات مستكبرة تنكر على الشعوب حقها الطبيعي في تقرير مصيرها.
يا ثوار مصر، يا ثوار العروبة والمسيحية والاسلام، تاريخنا المشترك، شاهد علينا!؟
فكما شاركتم، على شواطئ هذا المتوسط الرحب في ترسيم أول معالم الحضارة، وقدمتم الى الانسانية على مدى أدوار التاريخ، ما تزخر به متاحف العالم اليوم ومكتباته، كنتم القدوة، بعد أن تجمد الدم العربي في عروق أمة أقعدتها نكبة فلسطين، في "ثورة الضباط الاحرار" لتبقى ملحمة جمال عبد الناصر ثابتة في وجدان العرب من جيل الى جيل.
يا ثوار مصر، يا من حضنتم يوسف يوما وحميتم المسيح من ظلم هيرودس... يا من تلقيتم رسالة السماء قبل غيركم من شعوب الارض... يامن قامت في رحابكم الكنيسة الاولى في الاسكندرية... يا من حملتم الاسلام الحنيف... لا من كنتم الفكر الوسيط والنهضة والاصلاح والتنوير...
نحن وإياكم على مفترق كبير، وقد يصحح صمودكم مسار التاريخ. وسوف يسجل لكم هذا التاريخ بمداد من نور... أنكم، وفي لحظة مصيرية من تاريخ الأمة، كنتم، كما غزة والجنوب، ذلك المارد الذي رد الجحر الى رأس داود... والرمح في يد الخضر (جاورجيوس) الذي مزق قلب التنين.
بوركت حناجركم، بوركت سواعدكم والعزيمة والهتاف، بوركت ساحات تحريركم، وعرق جباهكم والدماء.
يا ثوار مصر، يا شبابكم الثائر في عروقه وفي مسؤوليته الوطنية وفي تقنياته ليخرق كل الحصار... أنتم أصحاب الحق.. وإنكم، وحق السماء، لمنتصرون.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018