ارشيف من :أخبار لبنانية

جمهورية ميدان التحرير

جمهورية ميدان التحرير

الفضل شلق
أجمع الناس على أن ما يحدث في مصر، وفي تونس من قبل، ثورة. تحاول بعض الدول الخارجية (خاصة الإمبراطورية الأميركية) إيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه الإسرائيلي واتفاقاتهم مع مصر؛ وبالمناسبة، حفظ ماء الوجه للنظام المصري الذي لا سبب لوجوده إلا القمع وتطبيق الاتفاقات لصالح إسرائيل. يتلقى النظام المساعدات العسكرية والمدنية من اجل هذا الغرض.
في لحظة الثورة يتواصل الناس كما لم يتواصلوا من قبل، يتعلمون من بعضهم كما لا يتعلمون في الأحوال العادية، ينضمون إلى بعضهم، يتضامنون، يتعاونون فيشكلون شعباً متماسكاً ولو لبرهة وجيزة (أسابيع قليلة)، يتواصلون مع الأقطار العربية الأخرى بثقة واستعداد للمساعدة. تنمو بينهم صلات العروبة كما ليس من قبل، تقوم بينهم وبين شعوب العالم علاقات ومشاعر مشتركة كما ليس من قبل. تسقط جدران الفصل مجتمعياً قطرياً وعربياً وعالمياً.
ربما لا تدوم الثورة طويلاً، إذ يركب الموجة الانتهازيون حين يرون نجاحاتها تتحقق. تقضي الثورة على صناعها الحقيقيين خيال التحول من فترة الثورة إلى فترة الدولة، ليأخذ السلطة الانتهازيون والبيروقراطيون. لكن الثورة تكون رفعت العلاقات داخل مجتمع القطر وبين الأقطار ومع العالم إلى مستوى أعلى لا يمكن الهبوط إلى ما دونه. تحقق الثورة أحلام الثوار وإن لم يكن الأمر بما يتمناه الثوار الحقيقيون. الثورة مثال، حلم يأتينا من عالم المستقبل الذي يُراد صنعه وعليه فلن تتحقق في هذا العالم السفلي، عالم الكون والفساد. كما كان أرسطو يقول.
في جمهورية ميدان التحرير، وهذا الميدان يلخص كل مجالات التظاهر الأخرى في كل مصر، يمارس الثوار جمهوريتهم الديمقراطية ويناقشون ويتحاورون وينتجون شعاراتهم السياسية، ويمرغون أنف السلطة في الوحل، تمهيداً لإخراج هذه السلطة التي لا تكاد تتألف من ألف عائلة خصخصت معظم موارد مصر المادية والسياسية وحوّلتها إلى ملك خاص يحاز ويتوارث. وفي جمهورية ميدان التحرير نظم الناس أمورهم المعيشية، من ماء وصرف صحي وتغذية، وألبسة وبسط للنوم وغير ذلك، ونظموا دخولهم للتظاهـر وخروجهم للعـمل ثم العودة. فـوق ذلك يستـمر
تعاونهم وتفانيهم من أجل المضي في مظاهراتهم الاجتماعية ـ السياسية التي يتوخون منها إسقاط النظام من دون العودة عنه.
عادة ما يستمد النظام شــرعيته من دســتوره وقوانينه وقواته المسلحة وقوات الأمن الداخلي الذين صاروا بلطجية. في ميدان التحرير تكتسب جمهورية الناس الشرعية من الناس أنفسهم، ويفقد النظام شرعيته ويفقد قدرته على احتكار العنف واحتكار السلاح. لا يستطيع ضباط المراتب العليا، المخترَقون أميركياً وإسرائيلياً أن يأمروا أصحاب المراتب الدنيا باستخدام أسلحتهم؛ ويقف النظام مرتبكاً ثم ينازع فاقداً حيله منتظراً النهاية المهينة له. في جمهورية ميدان التحرير (وفي بقية الميادين في مختلف مدن شوارع مصر) يمارس الشعب المصري (إذ صار شعباً في اللحظة الشرعية) ديمقراطيته، ويحكم على علاقات التبعية للإمبراطورية ولإسرائيل بالزوال، لأن الإمبراطورية يجب أن تخرج، وإسرائيل يجب أن تذوب في الدولة الفلسطينية الواحدة العربية والمتسامحة مع مختلف الأديان. في جمهورية ميدان التحرير يتقرر مصير مصر. وهذا الأمر يتطلب قيادات ونخبا من النوع الرفيع العارف والمتمتع بحس سياسي سليم. تنتج الثورة قادتها ونخبها من العمل المباشر على الأرض. تكتسب من التجربة ما لا يستطاع اكتسابه في أحوال عادية.
لا بد من حدوث الثورة بين الوقت والآخر: عندما تصل الأحوال المادية والمعنوية المتعلقة بالكرامة حداً لا يطاق. تحدث الثورة عندما يبلغ القمع الداخلي والاستسلام الخارجي (خاصة لإسرائيل) حداً لا يطاق، عندما تفقد السلطة شرعيتها، عندما يفقد الناس أملهم بأن تحقق شيئاً متقدماً على صعيد القمع الداخلي والعلاقات الخارجية التبعية، وعندما تفشل الدولة في تحقيق التنمية والازدهار والاقتصاد فتزداد البطالة والهجرة وعدم القدرة على العيش الكريم في البلد. تثور الشعوب عندما تفقد الأمل بالنظام، ويفقد النظام شرعيته، فيرفع الثوار شعار إسقاط النظام.
تندر الثورات، ما بين الثورة والثورة نفتقد الأمل، نفقد الثقة بأنفسنا، نكفر بالإنسان ومبدئه ومنتهاه. تعود الثورة كي نستعيد المعنى والمغزى. نولد من جديد. الثورات حركات زلزالية (Tectonic) بمعنى حركات طبقات الأرض الجيولوجية. ضخامة الثورة ونتائجها تفرض نفسها محلياً وإقليمياً ودولياً، وربما هدّدت النظام العالمي، كما قال راسموسن، قائد القوات الأطلسية.
ما زالت العلوم الإنسانية عاجزة عن توقع حدوث الثورة، وعاجزة عن توقع سلوك الإنسان في الأحوال الثورية، مثلما عجز علم الاقتصاد في كل مكان من أنحاء العالم عن توقع حدوث الأزمة المالية – الاقتصادية. لا تستطيع الرأسمالية وعلومها توقع الأزمات الاقتصادية، ولا تستطيع العلوم الاجتماعية توقع حدوث الثورات، وإلا كان بإمكان السلطات توقيف ذلك، وإلا كانت هذه السلطة وقواها قادرة على منع حدوث الثورة. غير أنهم يخططون لثورة مضادة لمواجهة الثورة في حال حدوثها. وهذا يبدو في مصر، وهذا ما لا يبدو أنه ناجحاً.
في الفترات العادية تسود الواقعية وتحليلات موازين القوى على اعتبار أن الأمة وجماهيرها كم مهمل يستطاع التصرف به على هوى السلطة. في الثورة تسيطر الأحلام والمشاريع السياسية المبنية على ما يجب وما يمكن فعله. تتحول الجماهير من كميات مستسلمة objects إلى قوى فاعلة proactive. بمقدار إصرارها على أحلامها وعلى الممارسات الفاعلة الإيجابية (Positive)، تستطيع أن تحقق أهدافها أو معظمها.
في الواقعية يكون ممكناً توقع الأحداث، لأن هذه ببساطة تكرر نفسها، الأنظمة القمعية لا يمكن إلا أن تكون رتيبة ومملة في سلوكها. وهي يمكن توقع سلوكياتها مما يفيد المقموعين في تدبير بعض أمورهم. أما في الحالة الثورية فإن الأمور تسير بسرعة ولا تكرر نفسها، لذلك يحتاج قادتها إلى الكثير من الإبداع. ينجح الثوار بمقدار ما يأخذون الواقعية جدياً، (دون أن يعتبروها كل شيء)، ويضيفون إليها أحلامهم وتوقعاتهم وإبداعاتهم. وعند ذلك تنجح الثورة.
للثورة شرعية هي غير شرعية النظام، مع انحلال النظام المصري وتفككه تأخذ جمهورية ميدان التحرير أهمية كبرى. لا يستطيع النظام إلا الحوار معها، ولا تستطيع الثورة إلا أن تضع مطالبها على الطاولة وترفض مطالب النظام، النظام الذي ليس أمامه سوى أن يرحل لا يجب ان تكون له مطالب تعتبر. على الثورة أن ترفض مطالب النظام وتصر على الإحاطة به وإخراجه من السلطة. من دون ذلك تصير ثورة مجهضة.
الشرعية الجديدة الجمهورية هي وحدها التي يمكن ان تعيد تشكيل السلطة. السلطة الحالية فاقدة الشرعية؛ فاقد الشيء لا يعطيه. إن للشرعية الجديدة حقاً بأن تزيح السلطة الحالية وتفعل كل ما هو مطلوب كي تحل محلها. ليس مقبولاً أن تتسامح الشرعية الجديدة مع بقاء الشرعية القديمة الفاقدة لأي شرعية.
الذين فقدوا كل شرعية وسبق أن عاثوا في الأرض فساداً، هؤلاء عليهم أن يرحلوا. لكنهم يناورون عن طريق طرح أفكار مجتزأة، أو فات أوانها، كي يكسبوا بعض الوقت ليستمروا في السلطة لأقصى حد ممكن، بعد فوات الأوان.
الثورة عمل سياسي منظم، وإن شابته بعض الممارسات الفوضوية. في خلال الثورة تمارس الجماهير السياسة بأرقى أشكالها؛ إلى أن يسلبها منهم الانتهازيون والمنتفعون والمارقون. السؤال هو كيف تستمر ثورة الجمهور؟ وكيف ترتقي من مستوى إلى مستوى محافظة على طابعها؟ والسؤال الأهم هو هل تستطيع النخب السياسية والثقافية اللحاق بالجمهور والارتفاع إلى مستواه السياسي كي تبقى الثورة أعلى مراتب السياسة؟

2011-02-11