ارشيف من :أخبار لبنانية

نضوج مصر

نضوج مصر

 ساطع نور الدين
مهين لشعب مصر، وخطير لمستقبلها، ذلك الكلام القديم المتجدّد عن أن قدر المصريين الوحيد هو حكم عسكري ينهي أزمة النظام والدولة والشرعية، التي تواجه اليوم واحدة من أصعب مراحلها، وأشدها ضبابية، لكنها لن تكون بأي حال من الأحوال اسوأ من خيار غير مدني يعيدهم سنوات وربما عقوداً الى الوراء، ويشكل طعنة قاتلة لثورتهم الشابة التي هي في الأصل وفي الجوهر نقيض العسكر والشرطة وانتفاضة على تسلطهما وفسادهما المتمادي.

مهين ليس فقط لأنه يستلهم تجربة سابقة انتهت صلاحيتها وقضيتها، وصارت من الماضي المصري البعيد، بل لأنه يُبنى على نظرية مسيئة ترى أن الشعب المصري كان وسيبقى بحاجة سيكولوجية وسلوكية الى فرعون يحكمه وطاغية يتسلّط عليه ويقيم دولة مركزية قوية هي جزء من تاريخ وادي النيل وتقاليده الثابتة، التي تقوم على أن الحياة على ضفاف النهر العظيم لا تستمرّ بغير هذا المجرى الطبيعي الحتمي، ولا تستقيم أحوال المصريين بغير هذا الخيار السياسي الذي ليس له بديل سوى الفراغ والفوضى.
صحيح أن التجارب «غير الفرعونية» في وادي النيل كانت نادرة لكنها لم تكن فاشلة أبداً سواء في عهود الكنيسة ام الاسلام ام الملكيات المتعاقبة، لكنها راكمت ثقافة ووعياً لا يمكن إنكاره، والأهم من ذلك انها تثمر اليوم نضجاً شعبياً لا مثيل له، يؤسس لنهضة مصرية وعربية واسلامية ثانية، بعد النهضة الاولى التي كانت منارة مشرقة في التاريخ العربي، قبل ان ينقلب عليها الاسلاميون ثم الاسرائيليون ثم العسكريون، وتنحدر الى ارهاب وفتن تشغل العرب والمسلمين في كل مكان.
صور الحياة في مصر هذه الأيام مشرقة فعلاً. الثورة حدث تاريخي لا شك فيه، لكن الاجتماع المصري يكتب صفحة تكاد تكون نموذجية في سجل الثورات العالمية الكبرى. ما يدور في ميدان التحرير استثنائي في طابعه السلمي والعفوي الراقي، وما يجري في بقية انحاء الجمهورية، وبرغم بعض اشكال العنف وارقام الضحايا، لا يزال في مستوى المثال الذي يمكن أن تطمح اليه جميع شعوب العالم الراغبة بالتغيير. هو بمثابة درس لا ينسى، ولا ينسب لغير المصريين، الذين تفوقوا حتى الآن على أشقائهم التونسيين، والذين شجعوا بقية اشقائهم العرب.. وبينهم من لا يليق بهم سوى الانقلاب العسكري، باعتباره تقدماً في مراتبهم السياسية والاجتماعية.
الترويج لحكم عسكري في مصر لم يصدر حتى الآن سوى عن اركان النظام الذين لم يلتقطوا ولم يفهموا تماماً محتوى الرسالة الموجّهة من الجيل المصري الشاب، الذي يقود الجمهور المصري ويرتقي به الى مستويات مدنية وليبرالية جريئة جداً، استحقت بها وحدها صفة الثورة الشاملة.. التي لا يمكن لأي تحرك للجيش إلا أن يكون موجهاً ضدها وهادفاً الى انتزاع مكتسباتها المهمة. وهو ما يحلم به بعض المسؤولين المصريين الذين يتمنون اشتباكات في شوارع مصر، لكنهم لم يدركوا ان اوان الانقلاب العسكري قد فات منذ نحو اسبوعين، ولم يعد خياراً صالحاً او مجدياً، وكل ما جرى بالأمس لم يكن سوى توفير مخرج لائق للمدعوّ حسني مبارك.

2011-02-11