ارشيف من :أخبار لبنانية

ماذا عن سابقة "حكومة الرجل الواحد" قبل اتفاق الدوحة؟

ماذا عن سابقة "حكومة الرجل الواحد" قبل اتفاق الدوحة؟

نبيل هيثم، السفير

اختار نجيب ميقاتي في مداخلته أمام المشاركين في اللقاء الاسلامي الموسع في دار الفتوى عباراته بعناية شديدة. بدت اللحظة مناسبة لقول أشياء لا يمكن للبعض أن يسمعها بهذه الصراحة، «وهو عندما تحدث عن شكوى البعض من الاستفراد في السنوات الست الماضية، كان يعني ما يقول» حسب أحد المشاركين من المحسوبين على الأكثرية الجديدة، «ولذلك أطلق عبارات تحمل الكثير من المعاني أبرزها ان من يشكو الاستفراد اليوم كان عليه ألا يقبل وضعه بالأمس في خانة استفراد الآخرين».

لقد اختار البعض إسقاط تجربة السنوات الماضية من أجل تحميل الوثيقة الإسلامية عبارات تاريخية، «ولكن الحقيقة التي يدركها البعض، وعلى الأرجح ميقاتي بينهم، أن مصدر شكوى الآخرين، من الشركاء في الوطن، منذ حكومة فؤاد السنيورة الأولى، بعد انتخابات العام ألفين وخمسة، هو استعجال البعض لمحاولة تكريس «السنية السياسية» لكن من دون أن يجملها أو يحاول حمايتها، كما فعلت المارونية السياسية طيلة نصف قرن من الزمن».

لماذا حصل ذلك؟ «لقد تحكم الثأر بالبعض وزاده التعصب المذهبي ثأرا، فإذا بمنطق الاستئثار واللامبالاة يتحكم بالسلطة السياسية، حتى بعد استقالة فريق منها، ولكن سرعان ما انقلب السحر على الساحر، وصولا الى السابع من أيار واتفاق الدوحة، وهكذا رأينا أن ما حاولت المارونية السياسية حمايته طيلة خمسين سنة، فرط به البعض في ثلاث سنوات.. وإلا كيف يفسر فؤاد السنيورة أنه كان ضد قرار شبكة الاتصالات وإقالة وفيق شقير لولا أن هدده وزراء «اللقاء الديموقراطي» بالاستقالة، فأعطاهم بذلك حق «الفيتو» الذي حجبه عن آخرين، لأسباب سياسية وربما طائفية، والكارثة أن السنيورة عندما تمسك بالقرارين بعد صدورهما، اضطر للاستجابة مجددا لـ«الفيتو» الجنبلاطي، عندما هدده وزراء «اللقاء الديموقراطي» أنفسهم بالاستقالة، اذا لم يتراجع عن القرارين الشهيرين، فاستجاب مجددا لطلبهم، بينما تصرف العكس مع كل الوقائع المتصلة بإخراج المحكمة الدولية من لبنان متجاوزا مجلس النواب ورئاسة الجمهورية وغياب فريق وازن عن السلطة التنفيذية».

من خلال هذه المقاربة، التي يقدمها أحد المشاركين في اللقاء الاسلامي، ينبري السؤال: ماذا يقصد من يطلقون توصيفات سلبية متعددة على حكومة نجيب ميقاتي حتى قبل أن تولد، وعلى رأسهم رئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري، وصولا الى تصوير ما يسمونها «حكومة اللون الواحد»، بأنها عبارة عن جسم غريب على الواقع اللبناني وأنها ستجر الخراب والويلات على البلد؟

بصرف النظر عن الأسماء والحقائب والمكونات السياسية أو «الوسطية» أو «التكنوقراطية»، التي ستضمها حكومة نجيب ميقاتي، لا نص دستوريا يمنع تشكيل أية حكومة في لبنان، وعلى الرغم من ذلك، لا سابقة في لبنان، وخاصة بعد الطائف، لحكومات تشكلت من لون سياسي واحد، إذ ان هذا النوع من الحكومات في أحسن الأحوال غير قابل للحياة أو آيل للسقوط السريع بالنظر إلى خصوصية التركيبة اللبنانية، التي فرضت، كما الرعاية السورية للبنان حتى شباط 2005، تجنب الحكومات الأحادية، وبالتالي ابتداع صيغ حكومية تجمع، تحت السقف السوري، معظم التناقضات السياسية اللبنانية ودائما تحت عنوان حكومات الوحدة الوطنية، وهناك الكثير من الأمثلة في الحكومات المتعاقبة التي ترأسها الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

هناك سابقتان كانت فيهما الحريرية السياسية خارج السلطة والحكم، الأولى، خلال ترؤس الرئيس الدكتور سليم الحص أولى حكومات عهد الرئيس إميل لحود في العام 1998، بعد الخروج الشهير لرفيق الحريري من السلطة، وهو الخروج الذي أسس لعودته السياسية القوية في العام 2000، والثانية، مع حكومة الرئيس عمر كرامي بعد استقالة الرئيس الحريري في تشرين الاول من العام 2004 وختمها آنذاك بجملته الشهيرة: «أستودع الله هذا البلد الحبيب...». وما ينبغي ملاحظته في كلتا الحالتين، ان الحريري الاب انتقل الى صف المعارضة، أما حكومتا الحص وكرامي فقد تشكلتا آنذاك، وفق ما تمليه التركيبة اللبنانية والرعاية السورية معا، وعارض الحريري الاب من خارجهما ولم يصفهما، على الرغم مما اجتمع فيهما، بأنهما حكومتا لون أحد.

ولئن كان هناك من يعتقد أن تهويل الحريري وحلفائه حول حكومة اللون الواحد، هو تعبير واضح عن عدم قدرة على تقبل الخسارة السياسية التي مني بها هذا الفريق بعد إسقاط حكومة سعد الحريري وإخراجه من السلطة السياسية، فإن هناك من يسجل أن هذا التهويل لا ينسجم مع سابقة مارس فيها الحريري وفريقه صيغة اللون الواحد قولا وفعلا، وتحديدا مع حكومة فؤاد السـنيورة ما قبل الدوحة، التي لم تبرز كـ«حكومة لون واحد» فحسب، بقدر ما برزت «حكومة الرجل الواحد» التي أعطت أمثلة متعددة حول التفرّد في القرار، ولعلها هي التي أسست بسلوكها وقرارتها للسابع من أيار ولكل ما أعقبه من أعراف وتقاليد في السياسة اللبنانية.

ويتذكر اللبنانيون كيف أن تلك الحكومة التي وصفت بـ«البتراء» حكمت بمعزل عن رئيس الجمهورية آنذاك اميل لحود وبوجوده، وصادرت صلاحياته قبل انتهاء ولايته وبعدها، وتجاوزت مجلس النواب في ما هو من صميم صلاحياته وخاصة في ما يتعلق ببروتوكول المحكمة الدولية، والكل يذكر كيف تم إعداد عريضة السبعين نائبا أكثريا ومراسلة مجلس الامن حول إنشاء المحكمة الدولية.

كما ان اللبنانيين يتذكرون كيف ان فريق «14 آذار» حاول تعميم «اللون الواحد» على سائر السلطات، ولخدمة هذا الهدف ذهب الى حد «تعليق العمل بالدستور» وكاد ان ينتخب رئيسا أكثريا للجمهورية بالنصف زائدا واحدا!

ويسجل مرجع كبير في الاكثرية الجديدة الملاحظات الآتية:
اولا، يصح اعتبار الحكومة حكومة لون واحد عندما يلجأ فريق سياسي الى اتخاذ قرار بتشكيل الحكومة منفردا ويستبعد الفرقاء الآخرين، ولكن الامر يختلف بصورة جذرية عندما يرفض الآخرون اليد الممدودة للمشاركة، وهذا ينطبق على حالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الذي دعا الحريري وفريقه الى المشاركة ورفضوا منذ البداية، إلا لقاء تعهدات رفض أن يعطيهم إياها كما لغيرهم.

ثانيا، لا ينطبق وصف حكومة اللون الواحد على حكومة تضم الرئيس نجيب ميقاتي وكتلة وليد جنبلاط ومحمد الصفدي ونقولا فتوش وربما تمام سلام إذا ما قرر الالتحاق بحكومة ميقاتي، والحال نفسها بالنسبة إلى وزراء رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان.

ثالثا، إن ما يجمع بين ألوان الحكومة الميقاتية الجاري توليدها هو موقف سياسي جديد، وعلى قاعدة هذا الموقف يمكن تسمية الحكومة بأنها حكومة الموقف السياسي المستجد بعد خمس سنوات من التطورات، قائم على صياغة جديدة لكيفية العمل المشترك على الساحة اللبنانية، بين الاطراف الوازنة والفاعلة والممثلة لكل الطوائف والفئات.

رابعا، تختلف حكومة ميقاتي عما سبقها من حكومات، وخصوصا حكومتي ما بعد الدوحة، حيث كلتاهما كانتا كناية عن انعكاس لـ«تجمع طوائفي» غير متجانس ولا يجمعهما أي خيار سياسي موحد، بينما حكومة ميقاتي هي حكومة خيار سياسي بامتياز، وهذا أمر يشكل سابقة في تاريخ لبنان.

خامسا، إن أهمية حكومة نجيب ميقاتي تكمن أيضا في كونها حكومة تعيد تحديد الأوزان والأحجام السياسية على حقيقتها، وتلغي مقولة الرمز السياسي الطاغي أو اللاغي لسائر الرموز السياسية، سواء داخل الطائفة السنية أو خارجها.

سادسا، يتوقف على أداء الحكومة الميقاتية مستقبل ظاهرة الحريرية السياسية، خاصة إذا نجحت حكومة ميقاتي بأن تكون حكومة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تنشده أغلبية اللبنانيين.

سابعا، لن تتطلب المقاومة من حكومة ميقاتي أكثر مما طلبته من حكومتي السنيورة والحريري، أي اعتماد ما كتب في البيانات الوزارية السابقة حول ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة.

2011-02-14