ارشيف من :أخبار لبنانية

ما قد يؤخر الإعلان عن الاتهام الدولي

ما قد يؤخر الإعلان عن الاتهام الدولي
عمر نشابة، الأخبار

متى تكشف المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أسماء الذين تتّهمهم باغتياله؟

تتفاوت التقديرات بشأن الإجابة عن هذا السؤال. فأوساط تيّار الرئيس سعد الحريري في باريس نقلت أخيراً عن مسؤولين في العاصمة الفرنسية أن الانتظار لن يطول أكثر من عشرة أيام، بينما توقع البعض الآخر تأخّر إعلان مضمون القرار الاتهامي الى آخر آذار المقبل. يمكن اعتبار هذه التقديرات مجرّد تكهّنات، على رغم الضغوط السياسية التي تمارس لتسريع الاتهام، إذ إن قاضي الإجراءات التمهيدية دنيال فرانسين لم يتخذ حتى اليوم قراره بتصديق القرار أو ردّه أو طلب إدخال تعديلات على مضمونه.

لكن، قبل تقديم معطيات حول القرار الاتهامي المرتقب، لا بدّ من الإشارة الى موعدين قريبين لانعقاد المحكمة في لاهاي:
الموعد الأول لدائرة الاستئناف في المحكمة حُدّد يوم بعد غد (الأربعاء 16 شباط) حين ستنعقد جلسة وجاهية برئاسة القاضي أنطونيو كاسيزي للحسم في القوانين المعتمدة وتفسيراتها. وكان كاسيزي قد طلب من مكتب البحوث في جرائم الحرب في الجامعة الأميركية في واشنطن ومن كلية القانون الجنائي في جامعة غوتنغن الألمانية تقديم دراستين عن التعريف القانوني للدوافع «الخاصّة» لجرائم الإرهاب، وعن تعدّد التهم بحسب القانون اللبناني. وتقدّمت الجامعتان بصفتهما من «أصدقاء المحكمة» (Amicus Curiae) بموجب الصلاحيات الممنوحة في قواعد الإجراءات والإثبات، بالدراستين يوم الجمعة الفائت (11 شباط). وخلص الدكتور كال أمبوس (جامعة غوتنغن) الى أن تفسير مضمون المادة 314 من قانون العقوبات اللبناني يعود حصرياً للمشرّع اللبناني، ولا صلاحية أو تعارض مع القانون الدولي بهذا الشأن. يذكر أن نصّ المادة 314 جاء على النحو الآتي: «يعنى بالأعمال الإرهابية جميع الأفعال التي ترمي الى إيجاد حالة ذعر وترتكب بوسائل كالأدوات المتفجّرة والمواد الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة والعوامل الوبائية أو الميكروبية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً». وبالتالي، لا يمكن الحسم بوقوع جريمة مصنّفة إرهابية إلا بعد إثبات أن مرتكبيها يريدون «إيجاد حالة ذعر»، لا اغتيال شخص معيّن.
أمّا الموعد الثاني، فهو للدائرة التمهيدية للمحكمة التي ستنعقد في جلسة مغلقة قبل 11 آذار المقبل، برئاسة القاضي فرانسين، يعرض خلالها المدعي العام دنيال بلمار مضمون المستندات التي طلب اللواء الركن جميل السيّد الاطلاع عليها لملاحقة المسؤولين عن اعتقاله تعسّفاً. ويفترض أن يشرح بلمار للقاضي بالتفصيل أسباب رفضه تسليم السيّد تلك المستندات.

لنتائج الجلسة الأولى تأثير أكيد على قراءة القاضي فرانسين مضمون قرار الاتهام الذي تسلّمه من بلمار في 17 كانون الثاني الفائت. فأساساً، فرانسين هو الذي طرح الأسئلة القانونية في 21 كانون الثاني. وإذا حسمت دائرة الاستئناف اعتماد تفسيرات قانونية في تعريف الجريمة الإرهابية والتآمر الجنائي وتعدّد التهم القضائية، مختلفة عن المفهوم الفقهي الذي كان بلمار قد ارتكز عليه في صياغة القرار الاتهامي، يفترض إدخال تعديلات. ففي هذه الحالة يطلب بلمار سحب القرار أو يعيده إليه فرانسين، محدداً الجوانب التي تستدعي إعادة الصياغة أو الإلغاء. ورغم استبعاد احتمال إلغاء جميع الاتهامات بسبب قرار دائرة الاستئناف بعد غد، يتعلّق هذا الأمر بالمنهجية التي اعتمدها بلمار وتفسيرات معاونيه، وخصوصاً المحامي العام الأميركي داريل مندس، للقوانين اللبنانية. لكن لا بدّ من الإشارة الى أن قواعد الإجراءات والإثبات تتيح لبلمار الطعن أمام دائرة الاستئناف، بطلب فرانسين تعديل مضمون قرار الاتهام أو إلغاءه. ولا شكّ في أن ذلك، إن حصل، سيؤخر صدور القرار، إذ يفترض انعقاد دائرة الاستئناف للحسم في قبول الطعن أو ردّه. وكان بلمار قد طعن بحكم سابق صدر عن فرانسين في قضية طلبات السيّد، وردّت المحكمة طعنه في 10 تشرين الثاني 2010.

نتوقف أخيراً عند ثلاثة معطيات أساسية تتعلّق بقرار الاتهام الدولي المرتقب:
1- أصدر قاضي الإجراءات التمهيدية فرانسين في 19 كانون الثاني الفائت مذكرة كشف فيها أن بلمار تقدّم في 17 من الشهر نفسه بـ«طلب عاجل لعدم إعلان قرار الاتهام» بموجب المادة 74 من قواعد الإجراءات والإثبات التي تتيح للمدعي العام، في حالات استثنائية، عدم إعلان مضمون قرار الاتهام إلا لجهات قد تساهم في تقدّم التحقيقات. لم يحسم فرانسين بهذا الطلب، لكن ذلك يؤكد احتمال عدم إعلان أسماء المتهمين باغتيال الحريري حتى بعد تصديق فرانسين القرار.

2- قد يعتمد المدعي العام الدولي استراتيجية اتهام لا تقتصر على عدم إعلان مضمون القرار الاتهامي، بل تعتمد كذلك عملية استدراج لمشتبه فيهم، عبر اتهام بعض الأشخاص واستدعاء المشتبه فيهم بصفتهم شهوداً ومن ثم السعي إلى إثبات علاقتهم بالجريمة وتحديد طبيعتها. وهو أسلوب استخدمه المحقق الدولي ديتليف ميليس في هذه القضية من خلال التحقيق مع زهير الصديق عام 2005 وفي جريمة تفجير برلين عام 1986 خلال التحقيق مع الليبي عبد الغفار العتر في جزيرة مالطا.

3- إن المادة الثالثة من النظام الأساسي للمحكمة الدولية تحدّد المسؤولية الجنائية الفردية، وفي الفقرة الثانية من هذه المادة ذكر لعلاقة الرئيس بالمرؤوس بحيث يتحمّل الرئيس مسؤولية جرائم المرؤوس إذا كانت «تتعلق بأنشطة تندرج في إطار المسؤولية والسيطرة الفعليتين للرئيس، ولم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة لمنع ارتكاب مرؤوسيه لتلك الجرائم». ويسهّل ذلك اتهام السيد حسن نصر الله أو الشهيد عماد مغنية إذا وُجّه الاتهام نحو «عناصر غير منضبطين» من حزب الله كما تردّد أخيراً.
2011-02-14