ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريري بين المراجعة والمحاسبة أو الجنون

الحريري بين المراجعة والمحاسبة أو الجنون
ابراهيم الأمين، الأخبار

ليس معروفاً كيف يمكن فؤاد السنيورة أن يجمع بين تحيته إلى الشعب المصري وتحيته إلى الرئيس المخلوع حسني مبارك. مرةً جديدة يعطيك هذا الرجل حجة إضافية لعدم اللجوء إلى المنطق في قراءة مواقفه وتقديراته، ولو أنّ بعض النشطاء في تيار «المستقبل» يشيرون إلى أنّ الرجل كان خلال أيام ثورة مصر يصرخ ناصحاً مبارك بما عليه أن يفعل لكي يصمد في قصره. ربما فعل ذلك استناداً إلى خبرته في مواجهة تحرّك المعارضة واعتصامها الشهير أمام السرايا الكبيرة، علماً أنه كان يجب على السنيورة الانتباه إلى أنّ صموده ارتبط بوجود جمهور حقيقي خلفه رفض رحيله، وبأنّ توازن القوى في لبنان يحول دون وصف أيّ تحرك بأنه ثورة شعب بأكمله.

ومع ذلك، فإنّ الأمر يرتبط بكيفية تعامل هذا التيار وجمهوره مع ثورة مصر ونتائجها، ففيما يفترض أن تكون قاعدة «المستقبل» أقرب الى تغيير من النوع الذي يرفع من قيمة مصر، بدت هذه القاعدة مربكة فعلاً، لكونها لم ترَ من المشهد المصري سوى ما يتعلق بحسابات لبنانيّة ضيقة، حيث رأى هؤلاء أنّ سقوط نظام حسني مبارك يُصرف لبنانياً بأنّه هزيمة لحلفاء مصر في لبنان، وانتصار للطرف الآخر، وبمعنى أدقّ، اعتقد هؤلاء أنّ سقوط نظام مبارك السياسي والأمني فيه ربح لسوريا ولحزب الله ولحركة حماس في فلسطين، وتعاملوا بالتالي مع الحدث بطريقة مخيّبة للآمال، ذلك أنّ غياب أيّ حركة جماهيرية داعمة ومتضامنة، والاكتفاء بعبارات من النوع الذي لا يفيد في شيء، دلّا على مشكلة خطيرة تعيشها هذه القاعدة، وهي التي تتصل بالقدرة على التفاعل مع المحيط بطريقة منطقية وعلمية.

والسؤال الصعب هو: كيف يمكن قسماً كبيراً من قاعدة «المستقبل»، الذي ولد في منازل وقرى وأحياء ومدن كانت كلها تتوقف عن العمل للاستماع الى خطب جمال عبد الناصر، وكان في منازل هؤلاء أشياء كثيرة جيء بها من القاهرة، وتعلّم الألوف من الأبناء في جامعة بيروت العربية التي جاءت ردّاً أو توازناً مع الجامعات الأميركية والفرنسية التي تعمّقت جذورها في بيروت... كيف يمكن قواعد هذا التيار أن يتوقف الزمن عندهم لحظة الصدام مع حزب الله، فتتحوّل صلتهم بقضية فلسطين مثل صلة الانعزال اللبناني نفسه؟ وكيف صارت السعودية مصدر العروبة لا القاهرة أو دمشق أو بغداد؟ وكيف يمكن الانفصال عن حدث كبير بحجم ثورة مصر؟ وكيف أمكن كثيرين من هؤلاء كبت مشاعرهم وانفعالاتهم إزاء ما يحصل؟ وكيف كان هؤلاء في لحظة معيّنة، يقبلون ما يردّده أغبياء بأن ثورة مصر هي امتداد لما قاموا به في 14 آذار عام 2005؟

ومع ذلك، ثمة حاجة إلى انتظار المزيد من الوقت، ليس لتوقّع قراءة جديدة لما آلت إليه مصر بعد مبارك، بل لتوقّع الحيلة الجديدة التي سوف تلجأ إليها قيادة هذا التيار في معرض التعبئة المقررة ضد أيّ حكومة لا يكون رئيسها سعد الحريري. وهي الحيلة التي سوف تقوم أوّلاً، على الاستعانة بالحالة العاطفية المرتبطة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكنّها تعبئة لن يتجاوز مفعولها حدود قراءة الفاتحة عند الضريح، مهما كان الصوت مرتفعاً أو جرى اللجوء الى تقنيات تزيد من مداه. وذلك ليس لنقص في العاطفة عند جمهور الحريري، بل لكون الاستثمار قد انتهى زمنه، واستهلك كل ما أُتيح له من فرص، ولأن الخطاب الذي ينفع الآن مع المحبطين، هو إما الخطاب الداعي الى مراجعة المسؤولين عن سلسلة الخسائر المستمرة ومحاسبتهم، وإما الذهاب نحو الجنون من خلال الدعوة الى تصعيد في المواجهة، على الطريقة التي لجأ اليها فريق من المسيحيين في لبنان إثر توقف الحرب الأهلية قبل عقدين من الزمن. وهي الطريقة التي لا تنفع مع طائفة مثل الطائفة السنية. فالإحباط يعني الدعوة الى الانطواء والانعزال، والى تغيير نمط الحياة والتفاعل مع الآخر في البلاد وخارجها، وهو أمر يصعب توقّعه. وبالتالي، فإنّ لجوء الحريري في خطابه اليوم إلى حفلة جنون، سيكون بمثابة دعوة جمهوره إلى الاختيار بين مشروعه المتعثّر يوماً بعد يوم، ومشاريع أخرى قد تكون قيد التكوّن، وقد تستفيد من انتفاضة مصر كحافز لها من زاوية أننا أمام ثورة عربية يمكن أن تحقّق لأبناء هذا التيار توازناً مع إيران.

لكن بعيداً عن التقديرات، فإن المؤشرات العملية الآتية من التيار نفسه، أو من بعض داعميه في المنطقة والعالم، تشير الى أننا سنكون أمام حفلة جنون، لكن ليس معلوماً من أيّ درجة، إذ إن الحريري ومعظم مساعديه، يعدّون ما يتعرّضون له من خسائر إنما سببه ظروف خارجة عن إرادتهم، وأنه ليس للأمر أيّ علاقة بسياساتهم وحسابتهم وعلاقاتهم، بينما يعيش ديناصورات في السعودية ودول خليجية أخرى، هاجس المواجهة الشاملة، فتراهم يشجعون الحريري على الذهاب بعيداً. أما الولايات المتحدة الأميركية، فإن انشغالها بما يجري في مصر وتونس وانعكاسات ذلك على الوضع العام، تجعلها في حالة «لاسياسة» في لبنان، ما يعني أنه سوف يُطلب، وهذا ما حصل فعلاً، من المعنيين بملف لبنان مواصلة ما بدأوه، وفي ذلك إشارة إلى أن واشنطن ستكون في حالة مواجهة مع أي حكومة لا يكون لفريق 14 آذار فيها حق النقض (الفيتو)... ولذلك، من الصعب توقّع أيام هادئة، لكن من الضروري التحسّب لتوقع المزيد من الخسائر في أمبراطورية تهوي بأسرع ممّا قدر كثيرون، ما يوجب العمل لاحتواء جمهور من العيب والحرام تركه فريسة مجانين.
2011-02-14