ارشيف من :أخبار لبنانية
"الفزّاعة" الإسرائيليّة
يحيى دبوق، الأخبار
لا حاجة إلى كثير من الجهد، حتى ما قبل الثورة المصرية، وما قد يليها من تأثيرات سلبية على المعسكر البراغماتي في المنطقة ومنها إسرائيل، للقول إن تل أبيب غير قادرة على استخدام آلتها العسكرية لإحداث تغيير في الساحة اللبنانية، رغم انقلاب المشهد في لبنان وغلبة قوى المعارضة فيه. بكلمات ألطف وأقل حدّة، إسرائيل يتعذّر عليها أن تستخدم جيشها لإحداث التغيير، رغم كل ما يجري في لبنان ويعارض مصالحها.
مع ذلك، يجد البعض أن استخدام «الفزّاعة» الإسرائيلية ضرورة لا بد منها، في ظل فقدان أدوات التأثير على مجريات الشأن اللبناني، بل يبالغون في استخدام فزاعة الحرب للقول إن حسابات المنطق وموازين القوى غير كافية للاستنتاج بأن تل أبيب لن تحرّك ساكناً ضد لبنان، وتحديداً في أعقاب ما يجري فيه من «انقلاب» على قوى «الاعتدال». يضيفون، إنه لا يُعقل أن تفوّت إسرائيل فرصة مؤاتية لتغير المشهد اللبناني من خلال القوة العسكرية، بعد إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، وتغيير صورة الحكم في لبنان، وتشير إحدى الكتابات الصادرة أخيراً إلى أن إسرائيل لن تُخضِع سلوكها للمنطق والحكمة، فيما تشير كتابات أخرى إلى موعد جديد للحرب، تحدد في أعقاب صدور قرارات عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، في الخريف المقبل.
في الأحاديث الجديدة عن الحرب والتهويل بها، هناك تغيير ملحوظ، إذ يبرز اعتراف غير مباشر بأن خيار الحرب، إسرائيلياً، غير مبنيّ على الحسابات المادية وعلى منطق موازين القوى والقدرة على تحقيق النتائج من الحرب نفسها، بل هو مبنيّ على إمكانات الخطأ وعدم الحكمة الإسرائيليين. وهو إقرار مستجدّ بأن الحرب الإسرائيلية على لبنان باتت غير منطقية من ناحية مادية.
تشبه هذه المقاربة نظرية «جنون إسرائيل»، التي جرى اعتمادها في أعقاب حرب عام 2006، وكان أحد عرابيها قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، وعدد آخر من المسؤولين والخبراء الإسرائيليين. وبحسب هذه النظرية، بإمكان تل أبيب أن تشن اعتداءات على لبنان والدولة اللبنانية وبناه التحتية، مهما كانت الأثمان، إذا شنّت المقاومة عمليات عسكرية ضدها. كان الهدف من هذه النظرية، وما يزال، إيجاد منسوب من الردع حيال المقاومة يمنعها من تفعيل ما لديها من قدرة عسكرية ضد الدولة العبرية، في ظل تعذر المعالجة العسكرية المباشرة ضدها.
من المفيد الإشارة إلى أن كل حروب إسرائيل الماضية، كانت مبنية على حسابات منطقية، وبكل تأكيد ستحكم هذه الحسابات حروبها المستقبلية. كانت حرب 1956، التي عرفت بالعدوان الثلاثي، حرباً مدروسة على مستوى دولي بمشاركة من بريطانيا وفرنسا، إلا أن الموقف الأميركي منها، غيّر من نتائجها لاحقاً. أيضاً في عام 1967، رأت إسرائيل أن العرب أمّنوا لها فرصة، فعمدت الى استغلالها جيداً، بل هي ظهرت بمظهر الجهة التي تخوض حرباً استباقيّة قبل أن يشن العرب حربهم عليها، رغم أنها كانت تعدّ العدة من ناحية عسكرية لخوضها منذ سنوات. أما حرب عام 1973 فكانت حرباً لم تبادر إليها إسرائيل؛ فيما حرب عام 1982 كانت قائمة على حسابات استراتيجية دقيقة، لكن ما حدث لاحقاً من خسارة إسرائيلية جاء بعد سنوات نتيجة لبقاء الاحتلال الإسرائيلي، لا للحرب نفسها. وأخيراً، كانت حرب عام 2006 مبنية على حتمية النصر الإسرائيلي، وعلى دراسة دقيقة جداً للظروف السياسية وحسابات الربح والخسارة، إلا أن قدرة المقاومين حالت دون وصول الحرب إلى نتائجها.
مع ذلك، لا تشبه حروب اليوم حروب الأمس، لا من جهة التدمير وحسب، بل من جهة الدافع والأسباب المؤدية إليها. على نقيض ما يذهب إليه أصحاب «الفزاعة الإسرائيلية»، فإن الجديد الفعلي في حروب إسرائيل المستقبلية هو أن تل أبيب غير قادرة على المجازفة والرهان على إمكاناتها في احتواء متغيّرات غير محسوبة وغير متوقّعة، بل تجاوز ما هو معلوم لديها ومتوقّع، وبالتالي ستبتعد إسرائيل عن المغامرة في خوض حرب تدرك أنها قادرة على البدء بها، لكنها غير قادرة على إنهائها كما تريد.
في أعقاب عدوان عام 2006، رفعت إسرائيل شعار منع ترميم المقاومة لقدراتها العسكرية، ورغم ما وصلت إليه المقاومة من جهوزية غير مسبوقة، إلا أنها «فضّلت» عدم تحريك ساكن، والاكتفاء بالصراخ والشكاية من متغيّرات القوى ومن تعاظم الترسانة العسكرية لحزب الله كمّاً ونوعاً، بما تسميه «كسراً للتوازن»، فإذا كانت إسرائيل ترتدع عن شن حرب لأسباب تتعلق بأمنها القومي على نحو مباشر لمنع تعاظم قدرة المقاومة العسكرية، كما تثبت السنوات القليلة الماضية، فهي بطبيعة الحال لن تتحرك لمساندة قوى 14 آذار ومدّ يد العون إليهم، وخاصة في ظل تأكد تل أبيب من أن هذه القوى غير قادرة على تأمين البضاعة، في مواجهة حزب الله.
لا حاجة إلى كثير من الجهد، حتى ما قبل الثورة المصرية، وما قد يليها من تأثيرات سلبية على المعسكر البراغماتي في المنطقة ومنها إسرائيل، للقول إن تل أبيب غير قادرة على استخدام آلتها العسكرية لإحداث تغيير في الساحة اللبنانية، رغم انقلاب المشهد في لبنان وغلبة قوى المعارضة فيه. بكلمات ألطف وأقل حدّة، إسرائيل يتعذّر عليها أن تستخدم جيشها لإحداث التغيير، رغم كل ما يجري في لبنان ويعارض مصالحها.
مع ذلك، يجد البعض أن استخدام «الفزّاعة» الإسرائيلية ضرورة لا بد منها، في ظل فقدان أدوات التأثير على مجريات الشأن اللبناني، بل يبالغون في استخدام فزاعة الحرب للقول إن حسابات المنطق وموازين القوى غير كافية للاستنتاج بأن تل أبيب لن تحرّك ساكناً ضد لبنان، وتحديداً في أعقاب ما يجري فيه من «انقلاب» على قوى «الاعتدال». يضيفون، إنه لا يُعقل أن تفوّت إسرائيل فرصة مؤاتية لتغير المشهد اللبناني من خلال القوة العسكرية، بعد إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، وتغيير صورة الحكم في لبنان، وتشير إحدى الكتابات الصادرة أخيراً إلى أن إسرائيل لن تُخضِع سلوكها للمنطق والحكمة، فيما تشير كتابات أخرى إلى موعد جديد للحرب، تحدد في أعقاب صدور قرارات عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، في الخريف المقبل.
في الأحاديث الجديدة عن الحرب والتهويل بها، هناك تغيير ملحوظ، إذ يبرز اعتراف غير مباشر بأن خيار الحرب، إسرائيلياً، غير مبنيّ على الحسابات المادية وعلى منطق موازين القوى والقدرة على تحقيق النتائج من الحرب نفسها، بل هو مبنيّ على إمكانات الخطأ وعدم الحكمة الإسرائيليين. وهو إقرار مستجدّ بأن الحرب الإسرائيلية على لبنان باتت غير منطقية من ناحية مادية.
تشبه هذه المقاربة نظرية «جنون إسرائيل»، التي جرى اعتمادها في أعقاب حرب عام 2006، وكان أحد عرابيها قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، وعدد آخر من المسؤولين والخبراء الإسرائيليين. وبحسب هذه النظرية، بإمكان تل أبيب أن تشن اعتداءات على لبنان والدولة اللبنانية وبناه التحتية، مهما كانت الأثمان، إذا شنّت المقاومة عمليات عسكرية ضدها. كان الهدف من هذه النظرية، وما يزال، إيجاد منسوب من الردع حيال المقاومة يمنعها من تفعيل ما لديها من قدرة عسكرية ضد الدولة العبرية، في ظل تعذر المعالجة العسكرية المباشرة ضدها.
من المفيد الإشارة إلى أن كل حروب إسرائيل الماضية، كانت مبنية على حسابات منطقية، وبكل تأكيد ستحكم هذه الحسابات حروبها المستقبلية. كانت حرب 1956، التي عرفت بالعدوان الثلاثي، حرباً مدروسة على مستوى دولي بمشاركة من بريطانيا وفرنسا، إلا أن الموقف الأميركي منها، غيّر من نتائجها لاحقاً. أيضاً في عام 1967، رأت إسرائيل أن العرب أمّنوا لها فرصة، فعمدت الى استغلالها جيداً، بل هي ظهرت بمظهر الجهة التي تخوض حرباً استباقيّة قبل أن يشن العرب حربهم عليها، رغم أنها كانت تعدّ العدة من ناحية عسكرية لخوضها منذ سنوات. أما حرب عام 1973 فكانت حرباً لم تبادر إليها إسرائيل؛ فيما حرب عام 1982 كانت قائمة على حسابات استراتيجية دقيقة، لكن ما حدث لاحقاً من خسارة إسرائيلية جاء بعد سنوات نتيجة لبقاء الاحتلال الإسرائيلي، لا للحرب نفسها. وأخيراً، كانت حرب عام 2006 مبنية على حتمية النصر الإسرائيلي، وعلى دراسة دقيقة جداً للظروف السياسية وحسابات الربح والخسارة، إلا أن قدرة المقاومين حالت دون وصول الحرب إلى نتائجها.
مع ذلك، لا تشبه حروب اليوم حروب الأمس، لا من جهة التدمير وحسب، بل من جهة الدافع والأسباب المؤدية إليها. على نقيض ما يذهب إليه أصحاب «الفزاعة الإسرائيلية»، فإن الجديد الفعلي في حروب إسرائيل المستقبلية هو أن تل أبيب غير قادرة على المجازفة والرهان على إمكاناتها في احتواء متغيّرات غير محسوبة وغير متوقّعة، بل تجاوز ما هو معلوم لديها ومتوقّع، وبالتالي ستبتعد إسرائيل عن المغامرة في خوض حرب تدرك أنها قادرة على البدء بها، لكنها غير قادرة على إنهائها كما تريد.
في أعقاب عدوان عام 2006، رفعت إسرائيل شعار منع ترميم المقاومة لقدراتها العسكرية، ورغم ما وصلت إليه المقاومة من جهوزية غير مسبوقة، إلا أنها «فضّلت» عدم تحريك ساكن، والاكتفاء بالصراخ والشكاية من متغيّرات القوى ومن تعاظم الترسانة العسكرية لحزب الله كمّاً ونوعاً، بما تسميه «كسراً للتوازن»، فإذا كانت إسرائيل ترتدع عن شن حرب لأسباب تتعلق بأمنها القومي على نحو مباشر لمنع تعاظم قدرة المقاومة العسكرية، كما تثبت السنوات القليلة الماضية، فهي بطبيعة الحال لن تتحرك لمساندة قوى 14 آذار ومدّ يد العون إليهم، وخاصة في ظل تأكد تل أبيب من أن هذه القوى غير قادرة على تأمين البضاعة، في مواجهة حزب الله.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018