ارشيف من :أخبار عالمية
الاستبداد والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والتعاطي باستخفاف مع الشباب أشعل الثورة
آلان غريش لموقع "الانتقاد": مصر الجديدة ستكون أكثر استقلالية وصرامة إزاء "إسرائيل"
ميساء شديد
ولد الصحافي الفرنسي آلان غريش في مصر عام 1948 وعاش فيها حتى عام 1962 وخلال هذه الفترة شهد الثورة الناصرية وما حملته من أمل للشعب المصري، أمل اختفى بشكل كلي تحت نظام حسني مبارك. بكثير من الاهتمام والتأثر تابع غريش الأخبار الواردة على مدى أيام الثورة من مصر التي يشعر بالارتباط بها إلى حد ما. واليوم بتفاؤل يراقب المشهد في مصر وفي العالم العربي في هذه اللحظة التاريخية حيث الأنظمة الاستبدادية تنهار أمام إرادة الشعوب.
موقع "الانتقاد" حاور المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ورئيس تحرير مجلة "لوموند ديبلوماتيك" آلان غريش حول ثورة الشعب المصري والتحديات التي يجب تجاوزها، وتداعيات هذه الثورة على المستوى السياسي لا سيما علاقة مصر مع العدو الإسرائيلي.
ـ ولدت في مصر وعشت فيها لمدة 14 عاماً، انطلاقاً من هنا كيف تابعت الأحداث في مصر؟
باهتمام أكبر من لو انها كانت تحدث في مكان آخر غير مصر، فهذا البلد اعرفه جيداً واشعر بشيء من الارتباط به. في كل الأحوال فإن صور التظاهرات السلمية الضخمة كان فيها الكثير التأثير. فبين الفترة التي عشت فيها في مصر والحقبة التي حكم فيها نظام مبارك، هناك متغيران أساسيان، الأول ديمغرافي إذ إن عدد السكان كان 20 مليوناً آنذاك اما اليوم فأكثر من 80 مليون وهذا واقع أصعب بكثير. أما المتغير الثاني فهو ان الثورة الناصرية جلبت الأمل للشعب المصري، وجرى تحسين الأوضاع من خلال دولة ساعدت الشعب. كانت فترة فيها الكثير من الأمل الذي اختفى بشكل كلي تحت نظام مبارك.
ـ هل كنت تتوقع أن يسقط مبارك ونظامه؟
بالعودة شهرين الى الوراء لم يكن باستطاعة أحد أن يتنبأ بما سيحدث في تونس أو مصر، كل ما يمكن قوله انه منذ سنوات عدة كانت مكونات الأزمة تتراكم ومن بينها ثلاث مكونات رئيسية:
أولاً: الأنظمة الاستبدادية الموجودة في الحكم منذ عشرات السنين دون انتخابات او تجديد، فحين يرحل القائد او الزعيم يخلفه ابنه. كذلك التعسف التام بحق المواطنين كأن يعتقل الشخص في أي وقت لأسباب سياسية أو دون أي سبب، كما حصل مع الشاب في الاسكندرية الذي قتل من دون أي سبب.
ثانياً: تراكم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي شكلت أزمة حادة حيث إن غالبية الشعب المصري تعيش تحت خط الفقر في وقت شرع النظام الباب اما سياسة التحرر الاقتصادي، وشيئاً فشيئاً بدأت تتقلص الخدمات المقدمة للشعب في القطاع الصحي والتعليمي وغيرها بوتيرة متسارعة.
ثالثاً: التعاطي باستخفاف مع الشباب حيث يصل أكثر من مليون منهم الى سوق العمل دون أن يجدوا أي فرصة إضافة الى انعدام حرية التعبير حيث اوقفت خدمات الانترنت واعتقل الكثير من المدونين.
إذاً هذه العناصر الثلاثة شكلت البارود أما الشرارة فأتت من تونس حيث ادرك الناس أنهم قادرون على قلب النظام وهذا كانت له تأثيراته على مصر.
ـ سبق وكتبت في إحدى مقالاتك أن رياح الحرية تهب على العالم العربي، إلى أي مدى تعتقد أن الثورتين في تونس ومصر ستغيران وجه المنطقة؟
أعتقد أنهما ستغيران وجه المنطقة أولاً على صعيد الحريات السياسية والديمقراطية، والحق في التعبير والتنظيم السياسي والنقابي، والحق في إجراء انتخابات حرة ونزيهة.
ولكن هذا لا يعني أن كل المشاكل في هذه البلدان ستحل، لأن هناك تحديداً المشاكل الاقتصادية ونحن نشهد اليوم آلاف التونسيين يغادرون تونس نحو ايطاليا لأن لا فرص عمل لديهم. في الوقت الراهن لا شيء تغير على هذا المستوى ولكن من المؤكد أن هذا يتطلب وقتاً.
ـ إلى أي مدى انت متفائل في وقت ما زالت تحكم تونس الوجوه نفسها لنظام بن علي؟
لسنا سوى في بداية التحرك سواء في تونس او مصر، وما حققه الشعبان في هذين البلدين سيتطور، الأمر لم ينته هنا واذا توقفت الأمور عند هذا الحد فهذا أمر فظيع.
إنطلاقاً من هنا أنا متفائل ليس بما تم تحقيقه حتى اللحظة بل بما يمكن تحقيقه في المستقبل.
ـ ما مدى تأثير الثورة في مصر على المستوى السياسي وتحديداً علاقة مصر مع "اسرائيل" والولايات المتحدة وإيران؟
هذا الامر مرتبط تبعاً لتطور الامور. المجلس الاعلى للقوات المسلحة قال انه ملتزم بالاتفاقيات المبرمة اي انه لن يعيد النظر في اتفاقية كامب دايفيد ولكن ايا كان ما سيحدث ستكون له تداعياته. فمصر لعبت خلال السنوات الاخيرة دور المتواطئ مع امريكا واسرائيل في سياستهما تجاه الفلسطينيين، وبالتالي حتى لو لم تقطع مصر العلاقات الدبلوماسية مع "إسرائيل" إلا أنه سيكون هناك تأثيرات في هذا المجال، فمصر ستكون برأيي أكثر استقلالية وصرامة إزاء "اسرائيل".
ـ الى ماذا تستند في هذا التحليل؟
|
فرنسا فقدت الكثير من مصداقيتها في الفترة الأولى من الثورة التونسية فإنها حاولت ان تتصرف سريعاً على مستوى مصر
|
أما ما يتعلق بالعلاقة المصرية الايرانية، فإن مصر كانت واحدة من الدول العربية المناهضة لإيران واعتقد أن الأمور يمكن أن تتجه نحو اتفاق أو اقله انفراج بين البلدين، هذا هو احد الاحتمالات ولكن الأمر كما هو مرتبط بمصر كذلك مرتبط بإيران.
ـ تحدثت عن تحديات للثورة، ما هي هذه التحديات؟
إن ما فجر الأزمة لا يزال قائماً اليوم، اللامساواة ومشاكل الشباب. اليوم في مصر ولحسن الحظ يوجد العديد من التيارات والحركات المختلفة وبالتالي أعتقد أن الأمر مرتبط بالصراعات الداخلية تبعاً للاشتباكات بين الاتجاهات المختلفة.
ـ كصحافي ومتابع كيف تقيمون الموقف الفرنسي على المستوى الرسمي والشعبي؟
فرنسا كما الولايات المتحدة دعمت نظام مبارك كما دعموا نظام بن علي. ولكن بما أن فرنسا فقدت الكثير من مصداقيتها في الفترة الأولى من الثورة التونسية فإنها حاولت ان تتصرف سريعاً على مستوى مصر من خلال اعلانها ضرورة حدوث تغيير وتقديم تنازلات لمبارك أقل من تلك التي قدمتها لبن علي. في المقابل فإن الرأي العام كان ينظر بإيجابية للتغييرات الحاصلة على الرغم من أن "خوفاً من الاسلام يكمن لدى بعض الرأي العام الفرنسي".
ـ ماذا عن تقييمكم لأداء الاعلام الفرنسي والاوروبي عموماً؟
كانت وسائل الاعلام في تغطية مستمرة للأحداث في مصر مع إظهارها تعاطفاً مع الحركات الاحتجاجية. فالصحفيون الميدانيون أدركوا حقيقة ما يحصل في مصر خلافاً لتونس التي لم يتمكنوا من دخولها. في العموم يمكن القول إن التغطية كانت جيدة.
ـ ما الكلمة التي توجهها للمصريين اليوم؟
نتمنى أن تستمر هذه الثورة مع تغيير دائم وإيجابي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018