ارشيف من :أخبار عالمية
ما سر هذا الإهتمام الأميركي والصهيوني باتفاقية "كامب ديفيد"؟
ليندا عجمي
ما حدث في ثورة "25 يناير" في مصر وقبلها في ثورة "الياسمين" في تونس، من طي لصفحة الذل والهوان والإرتهان للإدارة الأميركية ومن خلفها العدو الصهيوني، ومن عودة ميمونة إلى العروبة ومبادئها وقيمها وأخلاقياتها، يؤكد أن عصر الشعوب العربية والاسلامية قد بدأ، وأن لا مكان للإرتهان والتبعية بعد اليوم، فثورة استرداد الكرامة المهدورة، ليست مجرد حركة مطلبية معيشية، بل لها أبعاد سياسية إقليمية ودولية عديدة، إذ إنها ستكتب فصلاً جديداً من فصول الكرامة والعزة والعنفوان، مؤكدة أن زمن الهزائم والوصايات قد ولى وجاء زمن الإنتصارات والمقاومة.
وبما أن الثورة المصرية هدمت جدار المذلة والهوان، فإن الكيان الصهيوني يخشى ومعه الإدارة الأميركية بالطبع من تداعياتها ومن الخسائر المترتبة عليها بدءاً من إلغاء إتفاقية "كامب ديفيد"، وهو ما يفسّر مسارعة هؤلاء الى الترحيب بإعلان المجلس العسكري الأعلى في مصر التزامه بالاتفاقيات الدولية، مروراً بإنشاء نظام مصري مناهض للاحتلال والتبعية، وصولاً الى محاربة ومواجهة كيان العدو الغاصب، ومن هنا كانت المحاولات الأميركية والصهيونية المستمرة لوأد الثورة وخنق مفاعيلها الداخلية والخارجية، والإلتفاف عليها لإجهاضها، خشية عودة مصر إلى دورها الريادي في مقاومة الاحتلال ووقوفها الى جانب حركات المقاومة في العالم العربي.
واللافت بهذا الصدد أن صور الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر حضرت بقوة في التظاهرات الشعبية المصرية المطالبة برحيل مبارك، في وقت غابت عنها تماما في المقابل صور الرئيس الراحل أنور السادات الذي عقد الصلح مع "إسرائيل" وفي ذلك بالطبع ما يخبر الكثير عن نبض الشارع العربي المصري ودوافع ثورته، بخلاف ما يحاول تصويره البعض من أن أهداف الثورة كانت معيشية مطلبية وللحصول على هامش من الحريات العامة.
من هنا، ولفهم سر هذا الإهتمام الصهيوني ومن خلفه الأميركي والغربي ببقاء سريان مفعول مواد إتفاقية "كامب ديفيد" ومندرجاتها، لا بد من الغوص في ثنايا هذه الإتفاقية للوقوف عند المكتسبات التي حققها العدو منها. فالإتفاقية التي تم التوقيع عليها في 17 سبتمبر 1978 بين الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات ورئيس وزراء الكيان الصهيوني مناحيم بيغن بعد 12 يوما من المفاوضات تحت إشراف الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، تضمنت في طيات بنودها:
ـ اعترافا مصريا بالكيان الصهيوني وبـ"دولة لاسرائيل" على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ـ تطبيعا مصريا مع كيان العدو وإقامة علاقات طبيعية ودية بين الطرفين (علاقات اقتصادية، سياحية، تبادل تجاري..).
ـ إعترافا مصريا بحدود دولية للكيان الصهيوني واحترام سلامة أراضيه بما في ذلك مياهه الإقليمية ومجاله الجوي.
ـ الحصول على ترتيبات أمنية داخل الأراضي المصرية منها (مناطق محدودة التسليح في الأراضي المصرية وأخرى منزوعة السلاح).
ـ منح الكيان الصهيوني حقوقاً وامتيازات ومنها تمتع السفن الإسرائيلية والشحنات المتجهة من "إسرائيل" وإليها بحق المرور الحر في قناة السويس ومداخلها وحرية الملاحة والعبور الجوي في كل من خليج السويس وخليج العقبة والبحر الأبيض المتوسط.
ـ توريد الغاز إلى "إسرائيل" بأسعار تفضيلية.
زهران: العرب أفلتوا من العقال الصهيوني
وللوقوف على آفاق الثورة المصرية واتجاهاتها المستقبلية فيما يخص العلاقات مع العدو الصهيوني واتفاقية "كامب ديفيد"، أجرى موقع "الانتقاد" حوارا مع عضو مجلس الشعب السابق أستاذ العلوم السياسية في جامعة بور سعيد، جمال زهران، وصف فيه "إعلان قائد القوات المسلحة المشير محمد طنطاوي التزام مصر بالاتفاقيات الدولية بالطبيعي في المرحلة الإنتقالية التي تمر بها مصر، ذلك أن الحكومة تشدد على احترام المعاهدات الدولية للحرص على بثّ الطمأنينة لدى جيران مصر والمجتمع الدولي عموماً"، لافتاً الى أن "النظام الجديد المقبل سيحرص على تغيير أو إلغاء هذه الاتفاقيات عبر مجلس نيابي ديمقراطي يعيد النظر في السياسة المصرية مع الكيان الصهيوني لجهة الاستمرار أو عدمه في إتفاقية "كامب ديفيد" أو الاتفاقيات الاقتصادية الثنائية بين الطرفين ومنها إتفاق تصدير الغاز إلى الكيان.
ورأى زهران أن النظام الجديد سيلغي الاتفاقيات الاقتصادية مع "اسرائيل"، مستنكراً الادعاءات الصهيونية بأن المشير طنطاوي هو امتداد للرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، وقائلاً "إن الحملة الصهيونية على الطنطاوي هدفها تشويه صورته، لا سيما أن القوات المسلحة كانت ولا تزال الدرع الواقية للشعب في الانتفاضة المصرية"، مذكراً بالدور الريادي الكبير للجيش المصري إبان حرب "أكتوبر عام 1973"، ولافتا الى أن الجيش المصري ضغط على مبارك للرحيل، بعد تأكيده للأخير عدم قدرته على حمايته.
وحول تداعيات الثورة المصرية على المنطقة، أشار زهران إلى أن الثورة ستحدث تغييراً جذرياً في المنطقة العربية، لا سيما أنها كانت عصيّة على التغيير"، لافتا الى أنه "منذ سقوط حائط "برلين والكتلة الشرقية" في نهاية عام 1989، أصبحت المنطقة العربية أكثر تقبّلاً للتغيير"، ومشدداً على أن "رياح التغيير التي بدأت من تونس ووصلت الى مصر ستنتهي في بلدان متعددة منها الجزائر واليمن وليبيا لتغيّر معادلات القوى في المنطقة".
وأكد زهران أن الادارة الاميركية فقدت سيطرتها على المنطقة، وأفلت العرب من العقال الصهيوني، مشدداً على أن الإرادة الشعبية هي التي سترسم خريطة العالم العربي من الآن فصاعداً.
وفيما يتعلق بالمرحلة الانتقالية، أوضح زهران أن مصر تسعى الى تقديم نفسها كنموذج في التغيير الديمقراطي السلمي، لتثبت في الوقت نفسه أنها قادرة على قيادة المنطقة مرة جديدة بحكم حجمها، مؤكدا على نجاح الثورة المبدئي بعد إسقاط رمز النظام الأول حسني مبارك، ومعتبراً أن حل البرلمان وتولي الجيش الحكم، إنجاز كبير ينبغي متابعته في المرحلة المقبلة واستكمال بقية الخطوات.
وإذ أشار الى أن وظيفة حكومة أحمد شفيق منحصرة فقط بتصريف الأعمال، لفت إلى أن جمعة "النصر" التي دعا إليها شباب الثورة، ستستمر في متابعة مطالبها وأهمها الإلغاء الفوري لحالة الطوارئ والإفراج الكامل عن المعتقلين السياسيين وإطلاق حرية تكوين الأحزاب على أسس مدنية وديمقراطية وسلمية، دون قيد أو شرط وإطلاق حرية الإعلام وتداول المعلومات، مؤكداً أن مصر أمام مرحلة جديدة، حيث إن حراس "الثورة" سيتشبثون بمطالبهم، في مواجهة الجيش حتى لا ينفرد الأخير بالقرار أكثر من المدة المتفق عليها، ومعلناً أن كل يوم جمعة سيكون يوم "ضغط لمواصلة المطالبة ببقية بنود الثورة".
رميح: تحذير من سرقة مفاعيل الثورة المصرية
من جهته، رأى رئيس تحرير صحيفة "الدستور" المصرية، طلعت رميح، أن "هناك إلتباساً في طبيعة واتجاه وحدود التغيير الذي جرى في مصر، حيث إن المتابعين لاحظوا أن كل التحركات الحاصلة في الشارع المصري انصبت حول قضية أساسية محورها الحريات، سواء أكان في تغيير الرئيس السابق حسني مبارك، أو في التعددية الحزبية أو حريات الإعلام أو السماح بتداول موقع الرئاسة في الدولة المصرية"، مشيراً إلى أن "البعد المتعلّق بالسياسة الخارجية كان شبه غائب عن الشعارات التي طرحت والتحركات التي جرت لم تؤثر بشيء على السفارتين الصهيونية والاميركية".
وإذ استغرب عدم "طرح شعارات واضحة في ما يتعلق بالقضية الفسطينية أو الصراع العربي الصهيوني، أو في قضية أزمة المياه في جنوب السودان، حيث لم يكن هناك إشارات على شمول هذا التغيير للقضايا الوطنية أو القومية"، قال رميح، في حديثه لموقعنا، "هناك إمكانية أن يتأجّل بحث هذه الأمور الى ما بعد إجراء الانتخابات، أي بعد حوالي ستة أشهر على الأقل، فقد يأتي تيار فكري الى الحكم يكون لديه رؤية برنامجية بخصوص اتفاقية "كامب ديفيد" والصراع العربي الصهيوني، أو تغيير نمط العلاقات مع الولايات المتحدة الاميركية".
وأضاف ان "ما حدث من تغيير في السلطة السياسية ناتج عن قرار من حسني مبارك بتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة في البلاد، لذلك لا وجود لأية إشارات على احتمالات حدوث تغيير في السياسة الخارجية في هذه الآونة، خصوصاً أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ( الحاكم الآن في مصر) قد أعلن بوضوح إحترامه للمعاهدات والاتفاقات الموقعة".
وحول إمكانية إلغاء إتفاقية "كامب ديفيد" في الأشهر المقبلة، إعتبر رميح أنه ثمة "رؤية طموحة تتوسّع بحدود التغيير الى آفاق هو ليس عليها"، مشيرا الى أن "الحركة الجماهيرية الشعبية خطت نموذجاً في عمليات التغيير للسلطة السياسية"، ولافتا الى أن "هذا التغيير سيكون دافعا للإقتداء به وأخذ الهبّة الشعبية نموذجا يحتذى به في الدول الأخرى"، مشددا على أن "الاتجاهات الداخلية والخارجية التي ستنجم عن هذا التغيير ستنتج سلطة سياسية ترتبط إرتباطا حقيقيا بالعالم العربي"، ومحذّراً في الوقت نفسه من أنه "في حال جاءت سلطات سياسية ضعيفة تعيش إشكاليات الصراعات الداخلية، فقد لا يكون التأثير إيجابياً كما يتصوّر الكثيرون".
وأكد رميح، أن الإدارة الأميركية لعبت أسوأ الأدوار حيال هذه الأزمة، حيث بذلت كل الجهود لدفع أجهزة الدولة المصرية الى حالة صدام مع الحركة الشعبية، مؤكداً أنها لن تتوقف عن محاولات إنهاك الجسد الداخلي المصري، لإعادة توجيه اتجاه حدث التغيير إلى اتجاهات تحاول بها خدمة المصالح الأميركية والصهيونية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018