ارشيف من :أخبار لبنانية

لثوابت وطنية لا طائفية

لثوابت وطنية لا طائفية
إدمون صعب - "السفير"


«كذب يقال على المنابر دائماً
أفلا يَميد لما يقال المنبر؟»
أبو العلاء المعري

رحم الله الأديب سعيد تقي الدين الذي قال ذات يوم إن «الرجل الكبير لا ينتهي بمأتم».
وقد تذكّرنا ذلك القول الذي أصبح مأثوراً في ذكر الرجال العظام أمثال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي حاول نجله سعد ومن أحاط به من خطباء في مهرجان البيال بالذكرى السادسة لاغتيال والده، أن يشوّه صورته عبر إقحام ذكراه التي يفترض ان تكون عنصراً جامعاً للبنانيين، ولاحماً لوحدتهم الوطنية، في الصراع مع أفرقاء لبنانيين أساسيين.

إنه كلام مُعيب ومغضب حتى للرئيس الشهيد في قبره، وهو الذي طالما وقف مع المقاومة ودافع عن سلاحها ودوره في الدفاع عن لبنان.
ولسنا ندري إذا كان هناك خطأ في النص، أم إن الذي كتب الخطاب قد تعمّد تبرئة إسرائيل من السعي إلى إشعال فتنة سنية ـ شيعية بسبب التداعيات المحتملة للقرار الاتهامي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، والتي بشرنا بها رئيس الأركان الإسرائيلي غابي اشكنازي، قبل اشهر، يوم حدد شهر أيلول موعداً لصدور القرار الذي قال ان الاتهام فيه سيوجه إلى عناصر من «حزب الله».

وقد تجاهل كاتب الخطاب وقارئه معاً التحذيرات الإسرائيلية للسلطات اللبنانية وللمجتمع الدولي بعدم ترك «حزب الله» يسيطر على الحكومة الجديدة، كما ان الفريق السياسي للرئيس سعد الحريري وحلفائه في 14 آذار، لم يقصّروا في وصف الرئيس المكلف بأنه صنيعة هذا الحزب، وأن الأخير هو من سيؤلف الحكومة بعدما «انقلب على الدستور» و«خطف الأكثرية بترهيب السلاح» و«سرق السلطة، من إرادة الناخبين»، على ما قال الحريري الشاب في البيال.
وتساءل كثيرون أمس، وهم يصغون إلى تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك الذي قام بجولة في شمال إسرائيل برفقة رئيس الأركان الجديد بني غانتس الذي خلف اشكنازي في منصبه قبل أيام، وهو يدعو الجنود إلى ان يرفعوا من جهوزيتهم، لأن الوضع المستجد في لبنان قد يستدعي دخول أراضيه مجدداً. وجاء هذا الكلام استكمالاً لكلام سابق باحتمال اشتعال فتنة في لبنان بسبب تداعيات القرار الاتهامي وعلى خلفية «سيطرة» «حزب الله» على الحكم في لبنان من خلال الحكومة التي سيؤلفها الرئيس نجيب ميقاتي.
 
وما دام الذين أشرفوا على مهرجان البيال قد استعانوا بمنتجين ومخرجين أعدوا لهم الأشرطة التي عرضت عن شهداء «ثورة الأرز»، فحبذا لو أكملوا معروفهم فعرضوا علينا شريطين، واحداً وثائقياً لمقابلتين أجريتا مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري بين قريطم وفقرا وتحدث فيهما بأسلوب بسيط ومؤثر عن نشأته وكفاحه وتواضعه، ومحبته لعمل الخير، وحدبه على الفقراء والمعوزين، وإيمانه بالشباب، وصولاً إلى الظروف التي جعلته ينخرط في العمل السياسي، ويحتل ذلك الموقع المهم لبنانياً وعربياً، ودولياً. وأجاب عن أسئلة حول الصفات التي أوصلته إلى هذا الموقع فأوجزها بالصدق، والثقة، والإخلاص، والصبر، والتسامح، والمحبة. وقال انه أعطى من قلبه وماله لأن الله قد أكرمه، فعمل بمشيئته.

أما الشريط الثاني، والمثير والمسلي في آن، فهو ذلك الذي بثته قناة «الجديد» التلفزيونية أخيراً بعنوان «حقيقة ليكس»، والذي كشف فيه الرئيس سعد الحريري، في لقاء مع شاهد الزور زهير الصديق، عن شخصية هشة، سطحية، وساذجة، وغير مسؤولة، بل غير جديرة بتولي أي مسؤولية، ولا تؤتمن على سر. تطلق أحكاماً اعتباطية لا تقيس عواقبها على من تناولتهم في التحقيق الذي أجري معه في قضية اغتيال والده الذي سُجل عام 2007، وأصاب بسهامه شخصيات لبنانية وسعودية وسورية.
ولو عرض الشريطان، لما كان صدر بيان دار الفتوى حول «الثوابت الإسلامية».
فالمطلوب، هو ثوابت وطنية لا ثوابت إسلامية أو سنية في مواجهة الشيعة والدروز وفريق كبير من المسيحيين، مما يؤسس لفتنة كانت إسرائيل وعدتنا بها.
وكان الرئيس سعد الحريري استحق كل تلك الأهمية من خلال المطالبة بالمحافظة علـــى الدستور واعتــــبار دار الفتوى «ان الثابت لدينا هو تنفيذ الدستور الحالي بنـــصه وروحه، وتطبيق نصوصه كاملة من دون انتقاص أو انتقاء».

إن نص الطائف وروحه يقولان بأن صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني وامتيازاته قد انتقلت في الطائف إلى مجلس الوزراء مجتمعاً كمؤسسة، وليس إلى رئيس المجلس الذي هو متقدم بين متساوين في حكم انتقلت سلطته الإجرائية من حكم فرد وتسلّطه إلى شراكة (لا مشاركة) وحكم جماعي.
 
وإذا كان هناك من مطالبة، وهي كثيرة ويقوم حولها إجماع، بالعودة إلى الطائف لتصويبه وإكمال تنفيذه، فيجب البدء بإقفال دكاكين الطوائف ومرجعياتها السياسية كلها، ورفض كل الثوابت المذهبية والخصوصيات، سواء أكانت إسلامية أم مسيحية، والتمسك بالثوابت الوطنية التي تُجمع على ثلاثة مبادئ أساسية هي: وحدة الوطن، ووحدة الشعب، ووحدة الشعب والجيش والمقاومة في مواجهة أي عدو خارجي، وإسرائيل في المقدمة. وهذا يستدعي من الرئيس الحريري وفريقه مراجعة سريعة لمواقفهم من المشاركة في الحكومة، وخصوصاً في ضوء كلام باراك، كما يتطلب من الرئيس المكلف نجيب ميقاتي الإسراع في تأليف حكومة تشكل رداً على الجهوزية الإسرائيلية حيال لبنان، والإفادة من المناخ العربي الجديد بعد ثورة 25 يناير المظفرة في مصر والتي شكلت زلزالاً هز أركان العروش والأنظمة في العالم العربي.

2011-02-17