ارشيف من :أخبار لبنانية
لماذا يستمر الحريري في الرهان على الأوراق الخاسرة؟
نبيل هيثم - "السفير"
تمترس سعد الحريري خلف ذكرى والده، وأعلن الحرب الشاملة على «حزب الله» ونبيه بري ونجيب ميقاتي وميشال عون ووليد جنبلاط ومحمد الصفدي، وعلى كل أولئك الذين اعتقدوا أنهم تمكنوا منه بـ«الخديعة والغدر والكذب والخيانة وانعدام الوفاء».
يفترض بعد اعلان هذه الحرب الشاملة على ثلاثة ارباع البلد وكذلك على سوريا وايران، ان يكون الحريري مدركا ان حربا كهذه تحتاج بالحد الادنى الى مقومات وعناصر قوة قبل الدخول فيها اولاً والى عناصر تضمن الصمود ثانياً والربح فيها ثالثاً، فهل ان رئيس تيار المستقبل يمتلك تلك المقومات والقدرات وعناصر القوة التي تمكنه من خوض حرب، وهل هو واثق من ربحها وحتمية هزيمة الآخرين؟
اكثر من ذلك هل ان خطاب «عرض العضلات» في «البيال» سيعيد سعد الحريري الى رئاسة الحكومة ام ان الطريق اقفلت عليه ان لم يكن نهائياً فإلى ان يقضي الله امراً كان مفعولا؟ وهل يستطيع ان يعود إلى رئاسة الحكومة وأن يحكم بمعزل عن كل تلك القوى التي حرق كل المراكب والمراحل معها، ليصبح سمير جعجع أبرز شركائه في تلك المعارك الدونكيشوتية؟
ابعد من ذلك، إلى أين يريد أن يصل سعد الحريري في خيار المواجهة، وهل يضمن النتائج وهل يضع في الحسبان خيار الانتحار، أو نحر ما تبقى من الحريرية السياسية؟
الواضح ان الحريري قرر أن يلعب «صولد سياسي»، في خطوة يصفها مريدوه بأنها «جريئة»، وفي المقابل، يعتبرها خصومه «متسرعة وغير ذكية»، و«مجازفة» و«هروب الى الأمام». ولكن بمعزل عن كل ذلك تنبري جملة من الملاحظات:
اولاً، لقد فشل الحريري سياسياً كما في «يوم الغضب» المشؤوم في قطع الطريق على تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، على الرغم من نجاحه الى حد ما في اعادة شحن الشارع السني وتجييشه سياسياً ومذهبياً وعاطفياً.
ثانياً، لا يستطيع سعد الحريري اليوم تعويض «التسرب السياسي» من منظومة «14 آذار» التي تمر في لحظة ضعف سياسي غير مسبوقة، لا بل إنها باتت تعاني من «موت سريري»، والتالي من الصعب الاعتقاد ان الحريري غافل عن تلك الحقيقة، ومع ذلك قرر الذهاب إلى حرب شاملة محسومة الحلفاء والنتائج سلفاً.
ثالثاً، إن إعلان الحرب الشاملة يكشف ان الحريري لم يقارب تطورات المنطقة لا بقراءة جدية او حتى سطحية، ولو تمت تلك المقاربة فربما اختلف الامر ولأمكن له إدراك حقيقة ان اعلانه لحربه الشاملة يكاد يكون بلا فعالية امام التحولات المتسارعة في منطقة الاعتدال العربي وفي الموازين الحقيقية التي رتبها الحدث المصري بعد سقوط حسني مبارك و«نائبه» لمدة يوم، عمر سليمان. ولأمكن له ايضا الانحناء امام العاصفة بدل الانتقال الى المواجهة، تماما كما فعلت قوى 8 آذار في ربيع عام 2005.
رابعاً، قد يقال إن الحريري وفي غياب «صاحب القرار»، اجتهد فأخطأ في إعلان الحرب الشاملة التي تحتاج الى دعم داخلي ونصير خارجي، وقد يقال ايضاً إن الحريري سعى من وراء هذا الاعلان الى جر حلفاء الخارج، إلا أن النتيجة واحدة في كلا الامرين، ذلك ان الراعي العربي منهمك بأولوياته وبتحصين دفاعاته في زمن الثورات الشعبية متجنبا الدخول في حروب جانبية تحت أي عنوان فيه، سواء محكمة دولية او قرار اتهامي او انقلاب سياسي او غير ذلك.
وأما الراعي الاميركي فمشغول في رصد انفجارات العبوات الشعبية في انظمته وارتدادات ذلك على مساحة الشرق الاوسط. وهناك من يربط مبادرة الحريري الى رفع المواجهة الى حدها الاقصى بوجود رهان على دعم اميركي مباشر، ولكن هذا الرهان يصطدم بالأولويات الجديدة للإدارة الأميركية التي قد تفرض الا يتعدى الاهتمام الاميركي بلبنان في هذه المرحلة حد السقف الاعلامي وبيانات الدعم التقليدي، في المناسبات التقليدية لا اكثر ولا أقل.
خامساً، لقد اوحى الحريري في إعلانه الحرب الشاملة، بأنه رمى ورقته الاخيرة تعويلا على المحكمة الدولية وقرب صدور القرار الاتهامي ضد «حزب الله»، وبدا عالماً بمضمونه. وقد يرى البعض ان الحريري يعتقد ان المحكمة والقرار الاتهامي سيثأران لدم ابيه، ومن حزب الله وسلاحه ومن سوريا وحلفائها، وسيطوبون له حكم لبنان مجدداً. لكن ذلك لا يتفق مع ما قاله دبلوماسي غربي بارز لمسؤول حزبي كبير، في معرض توصيفه للوضع اللبناني الراهن، وفيه ما حرفيته:
- «هناك توتر اميركي - اوروبي جدي حيال مستقبل الوضع في لبنان، ومبعث التوتر الشعور بأن القدرة على تمرير السياسات والمشاريع والرغبات باتت ضعيفة جداً. خاصة أن حلفاءهم في 14 اذار ليسوا قادرين على مواجهة «حزب الله».
- «نحن لا نشهد سقوط خيارات سياسية في لبنان فقط، بل إن هناك خيارات سياسية في المنطقة تتعرض لاهتزازات وسقوط، ومعنى ذلك ان الأنظمة التي يعتمد عليها الاميركيون باتت مهددة».
- «نحن نرى ان مشكلة الحريري و14 اذار ليست في الضعف السياسي فحسب، بل في عدم تفاعل الجمهور معهم، ما قد يطرح علامات استفهام حول التجمع الذي دعا اليه الحريري في 14 اذار في ساحة الشهداء».
وأما الرهان على صدور القرار الاتهامي، فإن لدى «حزب الله» الجواب التالي: «بالنسبة الينا، لقد فقد القرار الاتهامي فعاليته ومعناه، وفي نظرنا هذا القرار قد انتهى، وهم يدركون انه لن يخدمهم، خاصة ان ما قام به «حزب الله» من البداية كان خطوة ذكية سواء بمقاطعة اي صلة بالمحكمة التي نصرّ على أنها أميركية وإسرائيلية ومسيسة ومتآمرة، وصولا الى كل الخطوات التي قمنا بها في مجال الاتصالات وإبراز القرائن وحتى حادثة العيادة النسائية وإحالة ملف شهود الزور للمجلس العدلي... كل ذلك لم يكن في مواجهة قرار اتهامي محتمل، بل في مواجهة قرار اتهامي قد صدر، ولذلك ما كان علينا أن نقوم به بعد صدور القرار، قمنا به قبل صدوره وبالتالي تحطم القرار قبل أن يصدر وبات بلا قيمة ولا فعالية ولقد خسر سعد الحريري فرصة أن يحكم لعشرين أو ثلاثين سنة مقابل التزام أخلاقي ومعنوي (إعلان موقف قبل صدور القرار الاتهامي)».
أكثر من ذلك يستغرب الحزبيون تلك الرواية الهوليودية التي قدمها الحريري حول المسعى السوري السعودي، ويقولون «لم يتناول بنود التفاهم بل اخذ السين سين الى مكان آخر ليس موجوداً، وخلافاً لكل المضمون، وليسمح لنا، فهو لم يوقع عليها بالقلم صحيح، فلا احد قام بذلك، ولكنه وقع بإعلان موافقته على كل التفاصيل، ولعل الجواب الشافي لدى الأمير عبد العزيز بن عبد الله».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018