ارشيف من :أخبار لبنانية
سقط الطاغية فمتى ثقافته؟
بعد سقوط الطاغية، الذي رهن قرار مصر لدى الاجنبي ونهب ثروات الشعب مع جماعاته وأفراد عائلته، وشارك في حصار العراق والحرب عليه، وبرر العدوان على المقاومة الإسلامية ولبنان وساهم في قهر غزة وأطفالها، بعد سقوط الطاغية وعدد من معاونيه فإن النظام الذي اقامه حسني مبارك على خطى السادات لا زال قائماً بأفكاره وبناه وقيمه، ريثما تستكمل ثورة يناير المجيدة رحلتها التاريخية لتحقيق الأهداف الكبرى التي من اجلها ثار واستشهد شباب مصر.
وإذا كان من واجبنا في لبنان دعم الثورة المؤهلة لتغيير وجه المنطقة، على قاعدة الثـقة بمصر وطلائعها ومؤسساتها على مواصلة الكفاح ومواجهة الحلف العالمي الذي يسعى للانقضـاض عليها وحرفها عن مسارها، فإننا نرى من واجبنا أيضاً الاشارة إلى بعض القضايا التي نطرحها للنقاش على انفسنا هنا كما على اخواننا ثوار مصر الذين فاجأوا الدنيا بصلابتهم وذكائهم ونجاحهم في إعادة مصر إلى حيويتها وسمعتها وإشراقها.
وإذا كنا حقاً مع ثورة 25 يناير فينبغي شحذ الهمم لإسقاط ثقافة النظام القائمة على الاستتباع والخضوع للأجنبي من جهة، والقائمة على الفساد والظلم واستغلال ابناء مصر من جهة اخرى. هي ثقافة الهزيمة، لا بل هي ثقافة الضعفاء في نفوسهم الذين ينطلقون من ظاهر الامور ليقرروا ان قدرة الآخر هي مطلقة ولا قِبل لنا بمواجهتها، وأن «الحكمة» تقضي الاعتراف بالحقيقة والتصرف على اساسها فتنتهي الامور خضوعاً وخنوعاً امام أي رمز أو مسؤول اجنبي، سواء كان اميركياً أو اسرائيلياً، كما تنتهي باحتقار الشعب وقدراته الذي عليه، بمنطق هذه الثقافة، القبول بالاحتلال المقنع، كما بفتات الخبز، يتصدق به رجال اعمال امتلكوا الاوراق من خلال السلطة والخضوع لسلاطينها وبرعوا في سرقة اراضي الدولة ونهب ثروات المواطنين.
ان هذه الثقافة التي جسدت الانحطاط ومجّدت الاجنبي وسعت لإذلال مصر لن تتخلى عن مقاعدها الوثيرة ومواقعها المؤثرة طوعاً، وستحاول بألف طريقة وطريقة الالتفاف على الثورة واحتواءها وإفراغها من مضمونها الاجتماعي الاقتصادي ومسخ أبعادها الحضارية الإنسانية.
في مناخ الاحتكار والاستتباع، الذي اشاعه النظام، نشط وزراء ونواب وكتاب وتجار وصحافيون وموظفون وأساتذة وبحاثة في صياغة تلك الثقافة الذليلة بواسطة السلطة والاعلام والتوظيف، كما بواسطة التهديد والسجن والفتنة. فالجرائم التي اقدم عليها حبيب العادلي، وزير داخلية النظام، من نهب وابتزاز وصرف نفوذ وصولاً إلى القتل وإثارة الفتن، كما الجرائم التي ارتكبها احمد عز امبراطور الحديد، فضلاً عن محمد المغربي ورشيد محمد رشيد وهشام طلعت وزهير جرانة وسواهم، لم تكن جرائم فردية وإنما كانت جرائم من ضمن آليات النظام ومتصلة بدوائره العليا بمن فيهم الذين جهزوا أنفسهم للوراثة بعيداً عن عيون مصر وإرادتها.
كان سلاح هؤلاء، عند مطالبتهـم باتخاذ المواقف التي تعبر عن روح مصر تجاه العراق وفلسطين ولبنان، الارتداد إلى شعار «مصـر اولاً» قائلين ما شأننا بالمغامرين والمقاومين (إحنا عاوزين نرتاح) حتى وجدت مصر نفســها اخيراً مهددة بالجوع والذل.
إن بيروت التي وقفت على الدوام إلى جانب مصر وجمال عبد الناصر وثوار بور سعــيد وأبــطال العبور، تشعر اليوم وبعد ثورة ينــاير، انها اقوى بوجه كل ما يحاك ضدها في الدوائر الصهيونية، وهي على ثقة بأن شعب مصر الذي صنع هذه الثورة العظيمة قادر على اتخاذ كل الخطـوات اللازمة لإسقاط هذه الثقافة المهترئة التي التزم بها نظام مبارك - السادات طيلة العقود الماضية. وهذا يرتب علينا بالمقابل ومن ضمن مواقف الدعم والتأييد والتكامل ان نسعى نحن في لبنان إلى اسقاط الثقافة المشابهة التي تسعى عندنا إلى تسخيف فكرة المقاومة لصالح فكرة الارتماء في احضان المجتمع الدولي الذي لم يترك فرصة لدعم اسرائيل بوجه حقوقنا إلا واغتنمها... والتي تسعى أيضاً لتكريس شعار لبنان اولاً بوجه فكرة الاتحاد العربي التي تؤمن للبنان الحصانة والمنعة في وجه العدوان الصهيوني... والتي تستميت في تنمية اقتصاد الاحتكار والنهب والرشوة في وجه الاقتصاد المنتج المتوازن العادل.
كلما اسقطنا في لبنان ثقافة الفساد والاحتكار والتبعية كلما ساعدنا ثورة مصر على الانتصار، وكلما ناضلنا من اجل ثقافة وطنية قومية ديموقراطية في بلادنا تقوم على احترام حقوق الناس، وفي الطليعة منها حق المقاومة، وترتكز على العدالة والمساواة والتكامل مع اشقائنا العرب، كلما قدمنا افضل الدعم لثورة مصر المستمرة بإرادة ابنائها حتى تحقيق اهدافها المشروعة كاملة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018