ارشيف من :أخبار لبنانية
لماذا لا يزور الحريري السعودية؟
ابراهيم الأمين، الأخبار
لم يكن ممكناً الدعوة إلى حشد جماهيري في 14 آذار المقبل إلا مع خطاب مرتفع السقف كالذي أطلق في 14 شباط. وهذه المعادلة ليست بنت ساعتها، بل وليدة ظروف قامت في الأسبوعين الأخيرين قبل إعلان سقوط المبادرة السعودية ـــــ السورية. يومها، قرّر سعد الحريري أنه لا يريد تسوية لا تعطيه نفوذاً واضحاً وغير قابل للنقاش في السلطة، وأنه يريد في المقابل تسوية لملف المحكمة لا تشتمل على مواقف واضحة تعطّل التسوية.
قال سعد الحريري كلاماً كثيراً في خطاب البيال. ربما كان صادقاً في انفعالاته ورغبته في النزول إلى الشارع، متظاهراً، محتجّاً، معارضاً، ساعياً إلى سلطة بيد واحدة. لكنه لم يكن كثير الصدق في ما رواه وقاله عن الواقع السياسي. ذلك أنه إلى الآن لا يعرف كيف حصل سقوطه. لم ترد الفكرة في حساباته، ولا في حسابات الآخرين من العرب إلى الغرب، أن تبادر المعارضة، وعلى رأسها حزب الله، إلى خطوات تصعيدية من داخل النظام نفسه. لم يتوقّع هؤلاء أن المعارضة قررت فعلاً إسقاط حكومة الحريري، وأنها في صدد البحث عن آلية جديدة للحكم، ولو اقتضى الأمر منها تأليف حكومة اللون الواحد. لذلك، لم يكن في بال الحريري، ولا في بال كل قوى 14 آذار، ولا في بال السعودية والدول العربية الداعمة، ولا في بال أوروبا وأميركا، ولا في بال أجهزة الاستخبارات، أيّ خطة بديلة للمواجهة. لذلك، لجأ الجميع إلى الارتجال... ولا يزالون.
قرّر الأميركيون أن لبنان تراجع في الاهتمامات إلى مرتبة متخلّفة، حتى إسرائيل القلقة من تعاظم نفوذ حزب الله داخل النظام اللبناني، أشاحت بنظرها نحو مكان آخر. عادت للنظر إلى مصر. ولو فتح حزب الله النار اليوم صراحة وجهاراً نهاراً على القوات الإسرائيلية لقالت تل أبيب إنها مفرقعات نارية. ولو أطلقت حماس صاروخ فاتح على تل أبيب لقالت إسرائيل إنه انفجار في أنبوب غاز. هي الآن غير قادرة على رسم مشهد المواجهة. ثمّة متغيّرات كبيرة تجري. ربما البعض لا يعرف حجم الانتكاسة الأمنية التي أصابت إسرائيل جرّاء ما حصل في تونس، قبل الانتكاسة الاستراتيجية في مصر.
كان حزب الله واثقاً إلى حدٍّ بعيد بأنه لا يمكن الولايات المتحدة ولا إسرائيل ولا مصر ولا السعودية ولا أي دولة خارجية، القيام بعمل يمنع إطاحة الحريري، أو بردّ فعل نوعي على هذه الخطوة. وهذا ما حصل. المفاجأة الكبرى للأميركيين هي أن الرئيس السوري بشار الأسد وافق على إطاحة الحريري ردّاً على إطاحة الولايات المتحدة مشروع تفاهمه مع الملك عبد الله بن عبد العزيز. لم يخطر في بال الأميركيين، ولا حتى الفرنسيين، أن الأسد مستعدّ لهذه اللعبة الآن. ولمّا فعلها، اكتشفوا أنه ليس في مقدورهم القيام بشيء. بيانات تضامن وتحذير، ورفع لسقف المطالب، وفي الوقت نفسه فتح قنوات التواصل مع الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي.
أما السعودية، فذلك حساب آخر، ومخطئ مَن يظن أن ما يدور في الغرف المغلقة لأركان العائلة الحاكمة ونشطائها قليل، وأنّ حسابات الحكم والسلطة هناك من النوع الذي يتيح لهؤلاء التفرّغ لدعم الحريري أو خوض معركة دفاعاً عن سمير جعجع. وأكثر من ذلك، فإن القيادة السعودية غير راضية عن أمور كثيرة قام بها فريق 14 آذار في العامين الأخيرين، ودفتر الحساب المفتوح هو المتصل بالإنفاق المالي.
وما لا يتحدث عنه كثيرون، هو أن القيادة السعودية أوفدت مَن يزور مناطق لبنانية، في عكار وطرابلس وأحيائها الفقيرة، وقرى في البقاع الغربي وحتى المخيّمات الفلسطينية، وكانت الصدمة أن كل القوائم التي أرسلت وفيها جداول إنفاق على مشاريع، إنما هي وهم بوهم، وأن السرقات تفوق التصوّر، وحتى مراجعة النفقات الانتخابية أظهرت أن نحو 70 إلى مئة مليون دولار مختفية حتى الآن، وأن الكثير من الأموال التي حصل عليها أقطاب من 14 آذار تفوق حاجتهم خلال الانتخابات.
ثم جاءت فضيحة سعد الحريري في المقابلات التي أجراها مع لجنة التحقيق الدولية قبل أعوام، واستسهاله الحديث عن كل شيء، من دون أيّ تحفّظ، وإشارته القاسية إلى محمد بن نايف، الذي لا يزال غاضباً حتى الآن، وقد فشلت كل الوساطات التي قام بها أصدقاء للحريري داخل المملكة، ولم يحصل الحريري بعد على إذن بزيارة المملكة حتى الآن. والأهم هو أن الملك عبد الله لم يقل كلمته التي من شأنها توفير غطاء للحريري، حتى إذا قالها الملك، قبل محمد بن نايف ووالده مسامحة الحريري، دون الاحتفاظ بصداقته.
ثم ماذا؟
تلقّى الحريري إشارات قوية إلى أن الرئيس نجيب ميقاتي أجرى اتصالات مع أركان في القيادة السعودية، ولم يسمع تحذيرات له بعدم قبول منصب رئاسة الحكومة، وأنه أجرى اتصالات مع مسؤولين أميركيين وفرنسيين وأوروبيين اقتصرت ملاحظاتهم خلالها على تقديم النصح والتحذير من الخضوع لحزب الله.. وإن كانت أجهزة الاستخبارات لهذه الدول تملك رأياً مخالفاً. لكن، يجب التوقّف منذ الآن عن الأخذ التلقائي بتقديرات الاستخبارات الغربية، بعد الفضائح التي أصابتها جرّاء ما حصل في تونس ومصر، وما يحصل الآن في دول عربية أخرى. حتى بات الأميركيون يتندّرون بنكتة تقول إن الرئيس باراك أوباما، بعد أن يطّلع على تقرير وكالة الاستخبارات، يطلب إلى طبّاخه الاتصال بأصدقائه في المنطقة والتأكد من معلومات الاستخبارات هل هي صحيحة أم لا.
لم يكن ممكناً الدعوة إلى حشد جماهيري في 14 آذار المقبل إلا مع خطاب مرتفع السقف كالذي أطلق في 14 شباط. وهذه المعادلة ليست بنت ساعتها، بل وليدة ظروف قامت في الأسبوعين الأخيرين قبل إعلان سقوط المبادرة السعودية ـــــ السورية. يومها، قرّر سعد الحريري أنه لا يريد تسوية لا تعطيه نفوذاً واضحاً وغير قابل للنقاش في السلطة، وأنه يريد في المقابل تسوية لملف المحكمة لا تشتمل على مواقف واضحة تعطّل التسوية.
قال سعد الحريري كلاماً كثيراً في خطاب البيال. ربما كان صادقاً في انفعالاته ورغبته في النزول إلى الشارع، متظاهراً، محتجّاً، معارضاً، ساعياً إلى سلطة بيد واحدة. لكنه لم يكن كثير الصدق في ما رواه وقاله عن الواقع السياسي. ذلك أنه إلى الآن لا يعرف كيف حصل سقوطه. لم ترد الفكرة في حساباته، ولا في حسابات الآخرين من العرب إلى الغرب، أن تبادر المعارضة، وعلى رأسها حزب الله، إلى خطوات تصعيدية من داخل النظام نفسه. لم يتوقّع هؤلاء أن المعارضة قررت فعلاً إسقاط حكومة الحريري، وأنها في صدد البحث عن آلية جديدة للحكم، ولو اقتضى الأمر منها تأليف حكومة اللون الواحد. لذلك، لم يكن في بال الحريري، ولا في بال كل قوى 14 آذار، ولا في بال السعودية والدول العربية الداعمة، ولا في بال أوروبا وأميركا، ولا في بال أجهزة الاستخبارات، أيّ خطة بديلة للمواجهة. لذلك، لجأ الجميع إلى الارتجال... ولا يزالون.
قرّر الأميركيون أن لبنان تراجع في الاهتمامات إلى مرتبة متخلّفة، حتى إسرائيل القلقة من تعاظم نفوذ حزب الله داخل النظام اللبناني، أشاحت بنظرها نحو مكان آخر. عادت للنظر إلى مصر. ولو فتح حزب الله النار اليوم صراحة وجهاراً نهاراً على القوات الإسرائيلية لقالت تل أبيب إنها مفرقعات نارية. ولو أطلقت حماس صاروخ فاتح على تل أبيب لقالت إسرائيل إنه انفجار في أنبوب غاز. هي الآن غير قادرة على رسم مشهد المواجهة. ثمّة متغيّرات كبيرة تجري. ربما البعض لا يعرف حجم الانتكاسة الأمنية التي أصابت إسرائيل جرّاء ما حصل في تونس، قبل الانتكاسة الاستراتيجية في مصر.
كان حزب الله واثقاً إلى حدٍّ بعيد بأنه لا يمكن الولايات المتحدة ولا إسرائيل ولا مصر ولا السعودية ولا أي دولة خارجية، القيام بعمل يمنع إطاحة الحريري، أو بردّ فعل نوعي على هذه الخطوة. وهذا ما حصل. المفاجأة الكبرى للأميركيين هي أن الرئيس السوري بشار الأسد وافق على إطاحة الحريري ردّاً على إطاحة الولايات المتحدة مشروع تفاهمه مع الملك عبد الله بن عبد العزيز. لم يخطر في بال الأميركيين، ولا حتى الفرنسيين، أن الأسد مستعدّ لهذه اللعبة الآن. ولمّا فعلها، اكتشفوا أنه ليس في مقدورهم القيام بشيء. بيانات تضامن وتحذير، ورفع لسقف المطالب، وفي الوقت نفسه فتح قنوات التواصل مع الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي.
أما السعودية، فذلك حساب آخر، ومخطئ مَن يظن أن ما يدور في الغرف المغلقة لأركان العائلة الحاكمة ونشطائها قليل، وأنّ حسابات الحكم والسلطة هناك من النوع الذي يتيح لهؤلاء التفرّغ لدعم الحريري أو خوض معركة دفاعاً عن سمير جعجع. وأكثر من ذلك، فإن القيادة السعودية غير راضية عن أمور كثيرة قام بها فريق 14 آذار في العامين الأخيرين، ودفتر الحساب المفتوح هو المتصل بالإنفاق المالي.
وما لا يتحدث عنه كثيرون، هو أن القيادة السعودية أوفدت مَن يزور مناطق لبنانية، في عكار وطرابلس وأحيائها الفقيرة، وقرى في البقاع الغربي وحتى المخيّمات الفلسطينية، وكانت الصدمة أن كل القوائم التي أرسلت وفيها جداول إنفاق على مشاريع، إنما هي وهم بوهم، وأن السرقات تفوق التصوّر، وحتى مراجعة النفقات الانتخابية أظهرت أن نحو 70 إلى مئة مليون دولار مختفية حتى الآن، وأن الكثير من الأموال التي حصل عليها أقطاب من 14 آذار تفوق حاجتهم خلال الانتخابات.
ثم جاءت فضيحة سعد الحريري في المقابلات التي أجراها مع لجنة التحقيق الدولية قبل أعوام، واستسهاله الحديث عن كل شيء، من دون أيّ تحفّظ، وإشارته القاسية إلى محمد بن نايف، الذي لا يزال غاضباً حتى الآن، وقد فشلت كل الوساطات التي قام بها أصدقاء للحريري داخل المملكة، ولم يحصل الحريري بعد على إذن بزيارة المملكة حتى الآن. والأهم هو أن الملك عبد الله لم يقل كلمته التي من شأنها توفير غطاء للحريري، حتى إذا قالها الملك، قبل محمد بن نايف ووالده مسامحة الحريري، دون الاحتفاظ بصداقته.
ثم ماذا؟
تلقّى الحريري إشارات قوية إلى أن الرئيس نجيب ميقاتي أجرى اتصالات مع أركان في القيادة السعودية، ولم يسمع تحذيرات له بعدم قبول منصب رئاسة الحكومة، وأنه أجرى اتصالات مع مسؤولين أميركيين وفرنسيين وأوروبيين اقتصرت ملاحظاتهم خلالها على تقديم النصح والتحذير من الخضوع لحزب الله.. وإن كانت أجهزة الاستخبارات لهذه الدول تملك رأياً مخالفاً. لكن، يجب التوقّف منذ الآن عن الأخذ التلقائي بتقديرات الاستخبارات الغربية، بعد الفضائح التي أصابتها جرّاء ما حصل في تونس ومصر، وما يحصل الآن في دول عربية أخرى. حتى بات الأميركيون يتندّرون بنكتة تقول إن الرئيس باراك أوباما، بعد أن يطّلع على تقرير وكالة الاستخبارات، يطلب إلى طبّاخه الاتصال بأصدقائه في المنطقة والتأكد من معلومات الاستخبارات هل هي صحيحة أم لا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018