ارشيف من :أخبار لبنانية
ما هي المعطيات الجديدة التي دفعت نصرالله إلى إطلاق تهديده الأقصى ضد "اسرائيل" ؟
إبراهيم بيرم- صحيفة "النهار"
أكثر من سبب ومعطى محدث وقديم دفع الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الى اطلاق خطابه التصعيدي حيال الكيان الصهيوني من خلال التهديد بدخول وحدات "المقاومة الاسلامية" الى منطقة الجليل الأعلى في أراضي 1948 المحتلة، وهو كلام لا يتفوه به قائد اعتاد أن لا يطلق الكلام على عواهنه، ومن شأنه أن يعيد خلط الاوراق والاوضاع، ويرسم معالم قفزة نوعية في مجال الصراع العربي - الاسرائيلي من جهة الجنوب اللبناني.
ولعل أول معطى يمكن أن يلحظ في طيات كلام السيد نصرالله انه يذكّر بما قاله في المناسبة عينها (ذكرى القادة الشهداء) قبل عام بالتحديد. حينها أطلق الرجل كلاماً عد آنذاك نوعياً ومتطوراً، عندما تحدث صراحة عن امكان استهداف الشريط الساحلي الممتد من الحدود اللبنانية - الفلسطينية وصولاً حتى تل أبيب، وان صواريخ المقاومة بإمكانها أن تطاوله كله وأن "تحرق" كل ما فيه، محذراً من أن أي بناية تهدمها أو تطاولها القذائف الاسرائيلية سيرد عليها ببناية مماثلة ستسقط في تل أبيب وليس بفجوة في جدار ما.
وبعد أقل من اسبوعين على هذا الكلام انعقدت "قمة دمشق" الشهيرة التي جمعته (أي نصرالله) الى الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد والرئيس السوري بشار الاسد.
كان جلياً من خلال ظهور السيد الى جانب رئيسي هاتين الدولتين ان الرجل أراد أن يربط بين الموقف والصورة، وأن يعطي لتهديده معناه الأشمل وبعده الأعمق الذي يفهمه من تبعث اليهم الرسائل.
لذا فإنه ثمة في أوساط المتابعين من يربط بين كلام الذكرى في السنة الماضية والصورة المنطوية على تعبيرات جمة التي تلته مباشرة، وبين الكلام النوعي بالامس، ليخرج باستنتاج فحواه ان نصرالله شاء هذه المرة أن يأخذ الصراع المستمر الى ذروة جديدة، فأطلق خطاباً ربما يكون آخر زعيم قال مثله هو الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قبل أن يمنى بهزيمة عام 1967، لأنه بعد ذلك كان أقصى كلام عربي مماثل كلاماً ذا طبيعة دفاعية، يطالب بحقوق سلبت من أراضٍ عربية، وليس ذا طبيعة تنطوي على هجوم وتحدٍ كمثل الكلام الذي ترددت أصداؤه امس في أرجاء الضاحية الجنوبية، وربما كان الامر بلا هذا الدوي، لو لم يسارع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الى الرد، بعد وقت قصير، على كلام نصرالله، بطريقة بدا الهلع فيها حاضراً.
وكان جلياً ايضاً ان لتولي نتنياهو الرد بنفسه، خطوة تنطوي على دلالات ومقاصد عدة أبرزها ان رئيس الوزراء الاسرائيلي يعي مدى تأثير كلام نصرالله على الرأي العام الاسرائيلي ومدى قابلية المجتمع الاسرائيلي لتصديق كل كلمة يقولها هذا الرجل، لذا فهو لم يشأ أن يترك المجال مفتوحاً أمام نصرالله ليؤدي كلامه مفاعيله النفسية السريعة في داخل النسيج النفسي الاسرائيلي، ويأخذ الهلع المجتمع الاسرائيلي الذي كانت قيادته قبل ساعات قد اضطرت الى شن تعبئة نفسية لطمأنته من جهة لبنان وفي وقت تتكرر موجة الخوف الاسرائيلي من عمل ثأري مفاجئ مع اقتراب ذكرى اغتيال القائد العسكري في "حزب الله" عماد مغنية. وإذا كانت تلك هي التفسيرات التي أعطيت للرد الاسرائيلي على كلام نصرالله والذي لم ينف ضمناً امكان أن يترجمه الحزب عملياً بقدر ما انطوى على توجه يقول بأن الحزب ليس في وارد تنفيذ تهديدات قائده في هذه المرحلة، فإن الثابت أيضاً ان ثمة معطيات دفعت السيد نصرالله الى هذا اللون غير المسبوق من الوان التهديد لاسرائيل ومنها:
- ان الرجل بات على ثقة كبيرة بقدرات حزبه العسكرية.
- ان هذا الكلام في هذه المرحلة بالذات، حيث تهتز الأرض العربية، وتزول أنظمة عربية ناصبته العداء في أسرع مما هو متوقع، وتظهر التطورات أن ثمة وعوداً بتغيرات أوسع وأعمق تطل نذرها من هذه العاصمة أو تلك تعزز منطق الممانعة أو رفض الاستكانة لمعادلات فرضتها فترات الوهن العربي، تبين كم أن الرجل مرتاح الى منظومة المتغيرات التي تعيد خلط الاوراق، أو على الاقل تبدد من اوراق معسكر الخصوم.
ولم يكن، في هذا السياق، ظهور احد قياديي الحزب سامي شهاب، في مقدم مهرجان ذكرى القادة الشهداء بالأمر العابر، او البلا دلالة، فهو بشكل او بآخر تثمير حسي وحيّ للتحولات والتغيرات التي عصفت في عاصمة اكبر دولة عربية واطاحت واحدة من أكثر الانظمة عداء لـ"حزب الله" وأدبياته وتوجهاته.
ولا ريب في ان "حزب الله" شاء من إظهار شهاب (اسمه الحقيقي محمد منصور) في مثل هذه المناسبة التأكيد مجدداً ان "تحرر" هذا القيادي كان "ببركة" ثورة شعبية يراهن عليها مهما آلت امورها، وانه ايضاً ليس من النوع الذي يترك أسراه في السجون مهما كانت قصية، وانه قادر على تحرير عناصره وكوادره، وهو ربط محكم بين الفعل والوجدان.
ولا شك في ان لكلام نصرالله الجديد والنوعي هذا ابعاداً تتصل بالداخل اللبناني وتطوراته الحاصلة والمتوقعة، فهو شاء ان يقول لخصومه الداخليين والخارجيين معاً ان كل ما بذلتموه من محاولات وجهود للنيل من سلاح المقاومة بما في ذلك القرار الاتهامي الوشيك الصدور، لم يعطِ اكله أو يطرح ثماره، بدليل ان جملة في خطاب يطلقه تضطر رئيس الوزراء الاسرائيلي الى المسارعة في وقت قصير الى الرد عليه سعياً الى استيعاب تداعياته على الذهن الاسرائيلي وامتصاص ارتدادته عن الذاكرة الصهيونية التي لم تبارحها بعد آثار ما فعله هذا السلاح الذي تم التصويب عليه في مهرجان "البيال"، وليقول ايضاً لهؤلاء الخصوم ان واقع المنطقة في الآونة الاخيرة بات متحولا على نحو لم يعد الوضع الداخلي قادراً على تحجيم تطلعات الحزب واستيعاب حركته، وتالياً في أي اتجاه "ستصرفون" القرار الاتهامي الذي به تتوعدون؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018