ارشيف من :أخبار لبنانية
وكرّت سبحة الإنتفاضات من أعلى النيل
وديع الخازن - صحيفة "البناء"
لطالما حدثت تحرّكات شعبية نتيجة إضطهاد الأنظمة وتعسّفها بحق مواطنيها، حتى جاء يوم الحساب كما في تونس ومصر واليمن والسودان وليبيا وبعض دول الخليج وتحديدًا البحرين.
ولكن تزامن هذه الحركات الشعبية لم يكن أبدًا من قبيل المصادفة إلاّ من منطلق التشابه في هذه الأنظمة التي دأبت على الإمساك بزمام السلطة طيلة ربع وثلث قرن من دون أن تقدّم لشعوبها فرص العيش بكرامة وإكتفاء!
كان طبيعيًا أن يحدث ما حدث وما هو على الطريق، لأن الحكّام لَهُوا عن معالجة قضايا المنطقة، وفي طليعتها فلسطين، خشية إغضاب الولايات المتحدة الأميركية وانصرفوا إلى شؤونهم الخاصة وتكديس ثرواتهم على حساب شعوبهم التي تعاني من ضيق العيش والنفس بما يسمح بقليل من أدنى مقوّمات الحياة بكرامة.
البداية والنهاية، على عنوان أحد أعمال نجيب محفوظ، كان في أرض الكنانة، وكرّت السبحة لأن مصر هي المحور الأكبر لآمال وتطلّعات العرب. فيوم بزغت ثورة الضباط الأحرار عام 1952 وأقدم الرئيس الثائر جمال عبد الناصر على تأميم قناة السويس عام 1956، وقعت أول حرب في عهده بتحالف ضمّ بريطانيا وفرنسا وإسرائيل وكاد يؤدّي إلى خسارة ثورته لولا التدخّل الأميركي لوقف العدوان على مصر، يوم كان الرئيس دوايت آيزنهاور على رأس إدارة عادلة، ويوم شاء أن يمنح بورتوريكو الإستقلال فتمنّع شعبها وبقيَ في مدار أميركا.
كما أنه، يوم كانت فرنسا الديغولية تحتلّ الجزائر، حاول آيزنهاور ممارسة ضغط على حلفائه لإعطاء الجزائر إستقلالها، فتأخّر ذلك بضع سنوات قبل أن يقتنع الرئيس ديغول بأن لا مفرّ من إطلاق حرية الجزائريين لإدارة شؤونهم.
غير أن العقود التي تلت إبرام إتفاقية السلام التي وقّعها الرئيس المصري أنور السادات في واشنطن، ثمّ أعقبها بزيارة الكنيست الإسرائيلي، جعلت مصر تنسحب من دورها التاريخي الذي حقّق فيه عبد الناصر إجماعًا على كلمته.
وجاء خليفة السادات، الذي إغتيل خلال عرض عسكري عام 1981 وإلى شماله قائد القوات الجوية يومذاك حسني مبارك على أيدي الإخوان المسلمين والذي نجا بأعجوبة، ليكمّل رعاية السلام المُبرم بين البلدين ويهمل في المقابل الشأن الفلسطيني إلاّ بما يشبه رفع العتب. وجاءت الحرب الأميركية على العراق عام 2003 والصمت المصري عليها يكاد يكون مطبقًا من الجانب العربي لولا معارضة الرئيس الدكتور بشار الأسد لهذه الهجمة الغربية وتعرّضه لضغوط بأثقال الجبال خرج منها في النهاية في عين شعبه منتصرًا ولو بالممانعة لعدم تكافؤ ميزان القوى.
ومن أجل أن يعدّل هذا الميزان، سلك طريق دعم الحركات المقاومة في لبنان والأراضي الفلسطينية والعراق، فكانت هذه الشرارات المنتفضة لحقوقها نبراسًا لِما حرّك مشاعر الشعوب من المغرب الكبير إلى سائر الدول التي شهدت إنتفاضات متلاحقة على وقع واحد.
ومهما قيل عن محاولات إحتواء لهذه الحركات من المتضرّرين منها في الغرب أوالشرق، إلاّ أنها استطاعت، حتى هذه اللحظة، أن ترسّخ فكرة الإنعتاق من هذه الأنظمة التي كانت السبب في تراجع الشأن العربي وثقله في معادلات هذا الشرق.
وإذا كانت بحاجة إلى مزيد من الوقت لإصلاح أنظمتها، إلاّ أنها خرقت جدار الخوف وأسقطت محرّمات الإستبداد بشكل غير مسبوق. ولعلّ إنهيار هذا "الدومينو" المتلاحق قد أصاب برذاذه الخط المماشي لركب ما كان يُعتبر خط "الإعتدال" وهو في الواقع خط "الإمتثال" للإرادات التي كان همّها الحفاظ على مصالحها الإقتصادية، والنفطية تحديدًا في المنطقة، ولبنان خصوصًا، بعدما أثبت الخيار السوري نجاحه في تعديل معادلة القوة من خلال مدّ الحركات المقاومة بأسباب صمودها في وجه أعتى الجيوش حيث كانت حرب تموز 2006 رمزًا من رموز إنتصار لبنان وسورية في مواجهة إسرائيل، ناهيك بالحرب الإسرائيلية عام 2008 على غزة والتي أوصلت إلى سوء تفاهم كبير بين حليفين عسكريين: إسرائيل والجيش التركي في عملية أسطول الحرية، الذي استُشهد فيه تسعة أتراك وترك جرحًا عميقًا لم يندمل في قلب المؤسسة السياسية والعسكرية في أنقرة
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018