ارشيف من :أخبار لبنانية
القواتيّون في مؤتمرهم: هل نتجاوز "الصليب المشطوب"؟
يحلو لسمير جعجع الحديث عن المؤتمر التنظيمي التأسيسي لحزب القوات اللبنانية. يعلّق عليه الكثير من التطلعات. أنهى القواتيون مسوّدة النظام الداخلي، على أن تجري مناقشته والبدء بتطبيقه في مهلة أقصاها سنة، رهناً بالظروف السياسية في البلاد
يحسم رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، سمير جعجع، موقفه لجهة نيّته الترشّح لرئاسة الهيئة في الانتخابات الحزبيّة المقرر إجراؤها خلال سنة حدّاً أقصى. من يسأل جعجع عن هذا الأمر لا يتوقع جواباً مغايراً ولا ينتظر مفاجأة ما. لكن عند الدخول في تفاصيل المؤتمر التنظيمي القواتي، يعتدل جعجع في جلسته ويحاول قدر المستطاع اختيار كلماته وتعابيره. يرتبك سيد معراب أمام سؤال لا يتوقع أن يسأله أحد: هل ثمة من ينوي منافستك على هذا المنصب؟ بينما يبحث جعجع عن الكلمات المناسبة للإجابة، يضحك عدد من المقرّبين الدائمين منه. تدخل المسؤولة الإعلامية أنطوانيت جعجع على الخط، وتطرح نفسها منافساً صريحاً. يبتسم الجميع وأوّلهم جعجع، ثم يهزّ رأسه ويجيب: «بالقانون مسموحة، مين ما كان له الحق في الترشّح».
ينتظر جعجع الكثير من المؤتمر التنظيمي، ويرفع مستوى التفاؤل إلى أبعد الحدود: بعد أقل من شهر، ستكون القوات اللبنانية أول حزب في لبنان لديه نظام داخلي يطبّق. ووفق جعجع، ستكون مراحل التطوير الحزبي في أعلى المراحل، «حزب حديث ومتطوّر، قيادته ينتخبها المنتسبون مباشرة، والقواتيون المغتربون يتساوون في حقوقهم وواجباتهم الحزبية مع المقيمين في لبنان».
خلال مناقشة الإطار التنظيمي والخطوط العامة للقوات، يكشف جعجع عن وجود الكثير من المجموعات الشبابية الإسلامية التي تسأل عن إمكان الانتظام في صفوف الحزب. «عشرون شاباً هنا، وخمسة عشر هناك»، يحضرون إلى مكاتب الحزب، يستفسرون عن شروط الانتساب. إذاً، ثمة حالة إسلامية في محيط القوات، تتركّز في مناطق طرابلس وعكار والضنية والبقاع والإقليم، يضيف إليها جعجع ضاحكاً: «من الطريق الجديدة والفاكهاني أيضاً». كل هذه الطلبات محفوظة في مراكز القوات، إلى حين حسم النقاش والدرس «العميق، لكوننا لا نريد بناء أي شيء على أسس غير ثابتة». ويؤكد جعجع أنّ الطابع المسيحي لحزبه موضع نقاش «كتير كبير في التنظيم، منذ أكثر من سنة».
ما يذكره جعجع يدفع إلى التساؤل: هل يستطيع القواتيون تجاوز شعار «الصليب المشطوب»، المتوارث عن أيام الحرب الأهلية؟ لم يتوصل المعرابيون إلى إجابة بعد، وخصوصاً مع صعوبة الانتقال من نمط أداء وتفكير إلى آخر مختلف جذرياً.
إذا حصل هذا التحوّل ـــــ رغم صعوبته ـــــ فلن يترك وراءه ملف المجتمع المسيحي. فعندما تسأل اليوم جعجع عمّا حققته القوات للمسيحيين منذ خروجه من الاعتقال عام 2005، يعود إلى سؤال واحد: ماذا يطلب المسيحي؟ ثم يجيب: حريته وسيادته قبل كل شيء، بما يعني الابتعاد عن المكوّنات والطوائف الأخرى ـــــ ولو قليلاً ـــــ قبل أن يعاد البحث في الملفات الأخرى كالعيش المشترك والطائف وغيرهما، مع تأكيده أنّ ما تحقّق للمسيحيين منذ خمس سنوات حتى اليوم، يعود أولاً وأخيراً إلى ثورة الأرز لا إلى طرف أو آخر.
بالعودة إلى المؤتمر التنظيمي للقوات، باشرت لجنة دراسة النظام الداخلي، يوم الجمعة، توزيع المسوّدة النهائية للدستور القواتي، على أن يوجّه المحازبون، خلال مدة أقصاها أربعة أسابيع، كل أسئلتهم وملاحظاتهم إلى أمانة السرّ التي ستعمل على ترتيبها وتنظيمها ضمن الأطر والعناوين اللازمة، بهدف بحثها بانتظام خلال جلسات المؤتمر.
درست اللجنة المكلفة إعداد النظام الداخلي الكثير من النماذج الحزبية في أوروبا والعالم، وخلصت في عناوينها العريضة إلى وجوب انتخاب أعضاء الهيئة التنفيذية ورئيسها مباشرة من المنتسبين. ورغم إيجابية هذه الخطوة، تلحظ المسوّدة أن مسؤولي المناطق ستعيّنهم الهيئة التنفيذية، ولن ينتخبهم قواتيّو هذه الدوائر، ما يدفع أحد القيّمين والمطّلعين على الاستعدادات إلى القول: «تجربة المؤتمر ستكون ديموقراطية بنسبة 70 في المئة»، ما يشير إلى صعوبة ـــــ يمكن تفهّمها ـــــ الانتقال من ميليشيا عسكرية إلى حزب محظور ثم حزب يكوّن نفسه، إذ لا بد من المحافظة على حدّ أدنى من الانضباط الداخلي في مرحلة إعادة البرمجة والتنظيم.
لكن اللافت أنّ القواتيين يدافعون بشراسة عن الديموقراطية داخل حزبهم. وفي هذا الإطار، يقولون: «لن يصدّق أحد أنه في بعض الأحيان يعلو صراخ المتحاورين مع جعجع إلى خلف جدران مكتبه». فيتحدثون عن احتجاجات وأسئلة كثيرة يعبّر عنها القواتيون مباشرة وبوضوح وصراحة أمام قائدهم، حتى إنّ هذه الأسئلة تتخطى أحياناً إطار الاستفسار وتتّخذ شكل اللوم: «ماذا فعلنا لناسنا؟ ماذا قدّمنا لهم؟ إلى أين أخذناهم؟ لماذا تراجعنا وتخلّفنا في هذه الظروف السياسية»؟ والكثير من الأسئلة التي يحاول جعجع الإجابة عنها بأسلوبه الخاص.
الأهم أنّ جعجع ومعاونيه بحثوا في الأيام الماضية إمكان علنية الجلسات وحضور الإعلاميين والصحافيين للنقاشات الداخلية. لم يحسم القواتيون هذا الأمر، فيما حسموا كون المؤتمر سيتّخذ شكلاً إعلامياً عند انطلاقه، بحيث سيطلّ جعجع في مؤتمر صحافي لإعلانه. ربما هي محاولة جديدة يحاول فيها سيد معراب الاستفادة من قدرته على التأثير في جمهوره ومحازبيه، ولو أنّ الكاريزما وحدها لا تصنع أحزاباً ديموقراطية في التعبير وحديدية في التنظيم والانضباط.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018