ارشيف من :أخبار لبنانية

نيرون العربي ؟ !

نيرون العربي ؟ !

راجح الخوري ـ "النهار"

ظل العقيد معمر القذافي يفاخر أمام الليبيين ربع قرن بأنه أنشأ "النهر العظيم"، الى أن جاء ابنه سيف الاسلام أول من أمس يهددهم بأنه سيقاتلهم الى آخر رجل وبأن ليبيا ستقسم وأن مئات الآلاف من القتلى سيسقطون وأن أنهرا من الدماء ستسيل!

هكذا بالحرف. ولكن ليس على لسان "الأخ" معمر، بل على لسان ابن "الأخ" معمر. ربما لأنه آن الأوان ليرتاح نيرون وليخرج من الامثلة وألسن الناس، فيدخل سيف الاسلام نيرون العصر العربي الآخذ في الانهيار.

في أي حال، كان في وسع العقيد أن يصعد مع ولده النيروني وأن يصطحب العائلة وخصوصا ابن عمه ذلك المدعو قذّاف الدم، الى أسطح أحد الابنية ليتفرج على طرابلس الغرب وهي تحترق. فلا "النهر العظيم" يطفئها ولا بقية من عقل أو حياء توقف أنهار الدم الهدارة، من بنغازي التي شهدت انطلاق ثورة "الفاتح من سبتمبر 1969" على يد الملازم أول معمر القذافي، الى طرابلس وباقي أنحاء البلاد.

وليبيا التي صارت "الجماهيرية العربية الشعبية العظمى" لم تكن يوما جماهيرية ولا عظمى إلا عندما خرجت بصوت واحد تصرخ في وجه القذافي: ارحل أيها الديكتاتور.


ولكن الديكتاتور الذي حكم ليبيا بالبطش والطغيان وجنون العظمة، وحتى بالهرطقة المضحكة - المبكية وخصوصا في "كتابها الاخضر" وأجزائه الثلاثة الصغيرة التي تتحدث عن حكم المؤتمرات الشعبية، والدورة الاقتصادية على اساس الملكية الفردية، وتقديم النموذج الكاريكاتوري للنظرية العالمية الثالثة للحكم... هذا الديكتاتور الذي سبق له ان وجه الاهانات الفظة الى العرب ومؤتمرات القمة العربية، واستدار نحو أفريقيا ليعلن نفسه ملكا للملوك في القارة السوداء، لم يتوان عن إنشاء جيش من المرتزقة الافارقة يستعملهم الآن في ارتكاب المجازر ضد الليبيين الذين أعلنوا الثورة وخرجوا لمواجهة رصاص النظام بصدورهم العارية.

لم يكن القذافي يصدق ولا ابنه النيروني، ان الشعب الليبي الذي جعلوا منه "جماهيرية عظمى" يمكن ان يثور وأن يطالب برحيل القذافي او بمحاكمته. فالشعب الليبي بكل فرد من أفراده هو مجرد حاشية كما يفترض القذافي، او مجرد رمال في الصحراء، هو الذي جعل منهم بشرا ولو عانوا الأمرّين. وهو ملك الملوك الذي يريد ان يصدق العالم تواضعه وبساطته وطهرانيته البدوية، لمجرد انه يحب أن ينام في خيمة يفرضها على أنف الدول التي تستضيفه.
لقد بدا الامر دائما بمثابة مهزلة: ملك الملوك وخيمته وأزياؤه العجيبة التي لا يصدق البعض ان بعضها من تصميم كبريات دور الازياء الفرنسية المستغرقة في الضحك وقبض الملايين. ملك الملوك وحراسه من "الحسناوات" حملة المسدسات. ملك الملوك ونظرية "اسراطين" مثلا!


❑❑❑

لكن المهزلة ليست عند الأخ معمر وحده، بل عند الذين صفقوا له كذبا على امتداد 42 عاما، في المنطقة وفي العالم ايضا، وآخرهم ذلك المهرج المدعو سيلفيو برلوسكوني، وكذلك هذا العدد الكبير من الزعماء والقادة الذين اختاروا أن يسيروا على بيض وهم يعلّقون على ثورة ليبيا وعلى المجازر التي نفذها النظام وخصوصا في بنغازي.

ولكي تأخذ المهزلة بعدا أوسع علينا ان نتذكر أن عددا كبيرا من الذين يصفقون الآن للشعب الليبي وثورته، كانوا حتى أمس من "طالبي الرضى" امام ملك ملوك افريقيا القائد الملهم الأخ معمر. ولدينا في لبنان مجموعة كبيرة من هؤلاء الذين وضعوا أيديهم في جيوب القذافي لخدمة "سياساته" ومشاريعه أو بالاحرى مشاريعهم.

وفي هذا السياق يحضرنا الآن كيف انفجر الرئيس المرحوم سليمان فرنجية عام 1973 عشية الحرب اللبنانية في وجه السفراء العرب الذين صعدوا لمقابلته في بعبدا، حيث قال لهم: القذافي دفع الملايين لإحراق لبنان!
❑❑❑

ثمة ما لا يصدق في كل ما يجري في "العالم" العربي، الذي تبين ان أنظمته مجرد بناء كرتوني آخذ في الانهيار السريع، ثمة ما لا يصدق أكثر في مدى تحمل الشعب العربي لهذا الركام من مظالم الحكام والانظمة.
ومهما حملت أخبار الغد عن ليبيا ومصير "الأخ" معمر، فاننا وبكثير من الاحساس الضروري، العربي، الشعبي العام بعقدة الذنب والخنوع نقول: إن القذافي الذي حكم ليبيا 42 عاما، يكون عمليا قد استهلك سبعة رؤساء أميركيين منذ ريتشارد نيكسون، وخمسة رؤساء فرنسيين منذ جورج بومبيدو، وثمانية رؤساء وزراء بريطانيين منذ هارولد ولسون، وأن التاريخ سيكتب أنه أقدم حاكم على وجه الارض، وأنه أول حاكم في العالم شكل جيشا من المرتزقة الافارقة لقتل أولاده في الجماهيرية العظمى!

2011-02-22