ارشيف من :أخبار لبنانية
14 آذار: الثروة تصنع الثورة!
جميل السيد ـ "السفير"
لم يكن غياب الشاهد الملك محمد زهير الصديق عن مهرجان البيال، في ذكرى اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري في الرابع عشر من شهر شباط الحالي، مفاجئاً لأحد، على الرغم من كونه، والحق يقال، من أهم ركائز «الحقيقة» التي اعتمدها تيار المستقبل، عدا عن كونه من أهم المرتكزات التي استندت إليها حركة 14 آذار في العام 2005، والتي سميت لاحقاً «بثورة الأرز»، بناء للوصف الذي أطلقه عليها المندوب الأميركي السابق في مجلس الأمن، السفير جون بولتون.
لكن أكثر ما صدم اللبنانيين والعرب والكثير من الأجانب، هو أن الخطباء في ذلك الاحتفال، وفي طليعتهم الرئيس سعد الحريري ورفيق دربه سمير جعجع وغيرهما، قد أجمعوا، ومن دون ان يرفّ لهم جفن أو يجفّ لهم لسان، على أن الثورات الشعبية التي شهدناها ونشهدها في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وغيرها، قد انطلقت كلها من رحم «ثورة الأرز»، وأن تلك الثورات لم تكن لتحصل لو ان الشعوب العربية في تلك البلدان لم ترَ ولم تسمع، منذ ست سنوات، أي في العام 2005، خطابات الحريري وجعجع ورفاقهما، من على منابر ساحة البرج، التي كانت يوماً قلب بيروت النابض، تلك العاصمة الوحيدة المصادرة في العالم، والتي أصبحت اليوم ملكاً لشركة سوليدير التابعة لآل الحريري وشركائهم في الوطن والمهجر...
ولقد شكلت تلك الخطابات والعبارات استفزازاً جارحاً واستغباءً مهيناً لتلك الثورات الشعبية المجيدة وللعقول والمشاعر عند المتتبعين والمقدرين لها على مدى الوطن العربي والعالم، والتي أقل ما يقال فيها إنها ثورات عفوية ومجانية ونابعة من إدراك جماهيري عام، وبحيث أن أي ادعاء لأبوتها أو مقارنتها بغيرها، ولا سيما «بفورة الأرز» عندنا، إنما يشكل تعدياً على التاريخ وامتهاناً للحقيقة والأمانة.
ولأن قمة الغباء تكمن في استغباء الناس، والناس وإن جهلوا أذكياء، فقد كان لا بد للرئيس سعد الحريري ورفاقه ان يعرفوا ويدركوا أن للثورات الشعبية ميزات ومفاهيم ومقاييس لا تخفى على أحد، وأنه ربما من المفيد لأركان «فورة الأرز» ان يتمعنوا فيها قبل ان يخدعوا أنفسهم والناس، ويغرقوا البلد مجدداً في فتنة قد يكونون أول المحترقين فيها، بعدما أطلقوا وعودهم من «البيال» بتجديد تلك «الثورة» في 14 آذار المقبل، مستنفرين الغرائز والجيوب لإسقاط ما يسمونه «نظام الميقاتي والحزب الحاكم»، فيما هم أنفسهم، هم آباء وأبناء وأحفاد هذا النظام الذي أقاموه منذ العام 1992 إلى اليوم... فإلى الشيخ سعد ورفاقه في «ثورة» الأرز ما يلي:
ـ إن الثورات العربية الراهنة صنعتها الشعوب العادية والفقيرة ولم يصنعها رؤساء ولا زعماء ولا أمراء حرب ولا حيتان مال ولا مجرمون ولا سارقون، ولا أبناء هؤلاء ولا أحفادهم ولا أصهرتهم ولا أشقاؤهم...
ـ إن تلك الثورات صنعتها بطون خاوية من جوع وقلوب أفرغتها الأنظمة من كل عزة وكرامة، لا سيما في مواجهة إسرائيل وحلفائها، ولم تصنعها البطون المتخمة ولا القلوب المستعارة أو المأجورة أو المؤجَّرة...
ـ إن تلك الثورات انطلقت في الشوارع عارية من أي حصانة أو حماية، مستقوية بالإيمان وحده، ولم تستنجد بمجلس أمن أو بقرارات دولية، ولا حماها شيراك أو بوش أو مبارك، ولا رعاها سفير أو سفارة. تلك الثورات شهودها حق، ولم تكن بحاجة لمحمد زهير الصديق ولا لهسام هسام ولا للجنة تحقيق دولية مزيفة ولا لمحكمة دولية مسيّسة.
ـ تلك الثورات الشعبية لم تشتر شعاراتها بملايين الدولارات من شركات التسويق الإعلامي والإعلاني، لم تكلِّف شركة ساتشي وأخواتها ولا احتاجت إلى منظمي حفلات ومهرجانات وأعراس لجمهورها، ولا حجزت لوحات الطرق الإعلانية، ولا اشترت صفحات الجرائد وشاشات التلفزة الدعائية، ولا دفعت أجرة المشاركين فيها، ولا استأجرت لهم وسائل نقل، ولا أعطتهم مصروف جيب، ولا اشترت لهم ماء أو طعاماً، ولا زودتهم بالأعلام والرايات، ولا لقّنتهم الشعارات، ولا جندت لهم السماسرة ورجال الدين والمنافقين، ولا رعاها حزب أو تنظيم أو تيار، ولا كلّفت عشرات ومئات ملايين الدولارات..
ـ تلك الثورات الشعبية لم يكن فيها منبر ولا مسرح، وبالكاد فيها مكبّر صوت مستعار، ولم يكن فيها برامج فنية، ولا مطربون ومطربات، ولا موسيقى كلاسيكية أو جنائزية، ولا مقدمو برامج ولا مقدمات، لا أفلام ولا شاشات، ولا شتائم ولا مسبّات ولا مزايدات ولا متاجرات...
ـ تلك الثورات لم يكن فيها خطباء مأجورون وآخرون موتورون، لم يكن فيها تعصب ولا تحريض، ولا طائفية ولا مذهبية ولا عنصرية. تلك الثورات لم ترَ العدو صديقاً والصديق عدواً. أبطالها مجهولون متواضعون كتومون ومحرومون لم يذوقوا يوماً السومون والكافيار، لا يعرفون مطاراً ولا يملكون طائرة أو سيكارا...
ـ تلك الثورات الشعبية، أيها الشيخ سعد ورفاقه، لم يكن فيها بزّات من ماركة لانفان، ولا ربطات عنق كريستيان ديور، ولا حقائب شانيل، ولا أحذية غوتشي، ولا ماكياج أو شعر مصفوف أو حاجب منتوف، ولا ابتسامات مصطنعة ولا دموع تماسيح، بل كان فيها فرح الأطفال، كما في العيد، حتى ولو كانوا حُفاةً عُراةً، إلا من الكرامة...
ـ تلك الثورات طبخت طعامها في الشوارع والساحات، بعض فول وأرز وخبز، وبعض طبيخ أمهات، حَرَمت منها الأطفال كرمى لعيون الثوار... تلك الثورات دفنت شهداءها بعزة وصمت، لم تمنن أحداً، ولم تساوم أحداً، ولم تستعطف جمهوراً، ولم تستدرج سلطة، ولم تركبهم مطيّة، ولم تطلب عليهم أجراً ولم تبخل بهم على وطن. وحدهم الأبطال يستشهدون بصمت...
ماذا عساي أقول بعد للشيخ سعد ورفاقه؟
تلك ثورتهم وهذه ثورتكم، وأين هذه من تلك؟ من قال أن البطون المُتخمة والجيوب المنتفخة والقلوب الفارغة يمكن ان تصنع ثورة؟ من قال ان الثروة تصنع الثورة؟!! من يقول لسعد الحريري أن الثروة قد تصنع فتنة ولا يمكن ان تصنع ثورة، وشتّان ما بين الثورة والفتنة...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018