ارشيف من :أخبار لبنانية
غارات على العواصم
ساطع نور الدين ـ "السفير"
لان لائحة المعتوهين من الزعماء العرب لا تقتصر على الرئيس الليبي معمر القذافي، ولا تنتهي عنده، فان ما يجري في ليبيا هذه الايام هو درس مفجع يوحي بانه كما تستفيد الشعوب من التجارب السابقة، لا سيما التجربتين التونسية والمصرية، كذلك يتعلم الحكام ويسعون الى تجنب اخطاء من سبقهم في مواجهة تلك الثورة الشعبية العارمة التي تجتاح العالم العربي من اقصاه الى اقصاه..
الشائع والظاهر الان ان القذافي الذي أدان علنا الثورتين التونسية والمصرية ولعن شعبي البلدين المحيطين بليبيا يعتبر ان رفيقيه زين العابدين بن علي وحسني مبارك، لم يقاوما بما فيه الكفاية، ولم يستخدما كل ما أوتيا من قوة وبطش من اجل البقاء في السلطة. وهو لذلك عندما استقبل قادة الجيش الليبي قبل اندلاع الثورة في جماهيريته العظمى ابلغهم صراحة انه سيقاتل حتى الرمق الاخير، وهو ما صرح به نجله المفدى سيف الاسلام في كلمته المتلفزة ليل الاحد الماضي التي تضمنت كلاما لا يصدر الا عن رئيس عصابة، ولا يليق بكرامة الشعب الليبي.
قال القذافي لضباطه انه لن يخرج من ليبيا لانه ليس له مكان آخر يذهب اليه وليس هناك بلد اميركي لاتيني او افريقي يمكن ان يستقبله ويمنحه اللجوء السياسي، وهو لذلك لن يسلم ليبيا الا ارضا محروقة. وها هو ينفذ الان ذلك التهديد الجنوني الذي يدفع الشعب الليبي نحو مأساة انسانية لم يسبق لها مثيل، وينذر باعادة ذلك البلد العربي المعذب قرونا الى الوراء.. مستندا الى حقيقة راسخة كما يبدو في ذهنه وهي انه كان بامكان بن علي ان يبقى في السلطة وكان بامكان مبارك ان يحتفظ بالحكم، لو انهما استخدما جيشيهما واجهزتهما الامنية بالطريقة التي يعتمدها، والتي لا تنم فقط عن جهل فاضح بالوضع في تونس ومصر، بقدر ما تنم ايضا عن احتقار شديد للشعب الليبي واستخفاف برغبته وقدرته على المطالبة بحقه في التغيير.
لا شك في ان تونس ومصر محظوظتان بشعبيهما المتقدمين في الوعي والثقافة وبزعيميهما السابقين اللذين يتمتعان بقدر من الاخلاق والانسانية يفتقر اليه العقيد الليبي.. الذي يتراءى له على الارجح ان العالم الخارجي الذي ارتبك امام الثورتين المجاورتين لليبيا وحار في التعامل معهما، لن يجد ما سيفعله اذا ما قرر ذبح الشعب الليبي عن بكرة ابيه، سوى اصدار بيانات الادانة التي لا يمكن ان تحفظ اكثر من اربع وعشرين ساعة ولا يمكن ان تغير في الوقائع الميدانية التي سيضطر الجميع للتعامل معها عاجلا ام آجلا. وهو للاسف تقدير صحيح الى حد ما، لا سيما وان اي حكومة في العالم لن تجرؤ على ارسال قواتها الى ليبيا لوقف المذابح بحق شعبها، ولن يفكر احد من الخارج في محاولة اغتيال القذافي وانهاء تلك الفضيحة الدولية المشينة.
الدرس الليبي يؤكد ان الثورات العربية تتقدم، والطغاة يسقطون، والثمن يرتفع يوما بعد يوم، ولن تظل بقية العواصم العربية بمنأى عن غارات جوية تشنها انظمة يائسة تزداد وحشية وجنونا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018