ارشيف من :أخبار لبنانية

المعادلة الأميركية الجديدة: إما المحكمة وإما ضرب القطاع المصرفي

المعادلة الأميركية الجديدة: إما المحكمة وإما ضرب القطاع المصرفي

نبيل هيثم - "السفير"


ضمن أي سياق تندرج زيارة عضوي الكونغرس الأميركي جون ماكين وجوزف ليبرمان الى لبنان في هذا التوقيت بالذات؟
يجيب خبير دبلوماسي أن الإدارة الأميركية لم تضع في الحسبان نهائياً إسقاط سعد الحريري من رئاسة الحكومة على النحو الذي حصل، لا بل أن هناك في الإدارة الأميركية من يلوم السفارة في عوكر بأنها لم تقدر الموقف جيداً، وبدت قاصرة عن تحديد المدى الذي بلغه «حزب الله» وحلفاؤه، في التمهيد للإطاحة بالحريري، برغم أن هذا الأمر كان محل تداول في الصالونات حيثما كان.

ومع إسقاط الحريري، «شعرت الإدارة الأميركية ان البساط انسحب ـ او يكاد ـ من تحت أقدام حلفائها في لبنان، وخاصة ان التقارير التي تلقتها من السفارة في بيروت تضمنت عرضاً «مأساوياً» بالمعنى السياسي لواقع فريق «14 آذار»، وصولاً إلى ارتكاب «تيار المستقبل» أخطاء سياسية قاتلة عبر ما سماه فريق الحريري «يوم الغضب». كما تضمنت جملة من الأسئلة حيال التعامل مع «انقلاب حزب الله» على حد ما يقول الخبير نفسه.

وأمام هذا التحوّل في المشهد اللبناني، يضيف الوزير العتيق، وجدت الإدارة الأميركية نفسها مضطرة للتحرك ليس لاحتواء صدمة الحريري (سقطت حكومته أثناء وجوده في البيت ألأبيض مجتمعاً بباراك أوباما) ومحاولة التقاط حلفائها لمدهم بجرعة من الأوكسيجين تبقيهم على قيد الحياة السياسية وتؤدي الى الحد من الخسائر الأميركية في لبنان، خاصة في ظل لحظة غليان يشهدها الشرق الاوسط.

لذلك، يتابع الخبير نفسه، تدرج الموقف الأميركي من إعلان «الدعم الصوتي» لسعد الحريري والمحكمة و«14 اذار»، الى الإقدام على خطوة عملية تمثلت بالإيعاز الى مدعي عام المحكمة الدولية دانيال بيلمار بإحالة قراره الاتهامي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري الى قاضي الإجراءات التمهيدية القاضي دانيال فرانسين.

وقتت الإدارة الأميركية تسريع القرار الاتهامي بالتوازي مع استشارات تكليف رئيس الحكومة، بحسب الخبير، «لعل ذلك يؤدي الى خلق وقائع جديدة في لبنان توصل إلى إعادة تكليف سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة، لكن الأميركيين أخفقوا هذه المرة في رهانهم على القرار، فجاءت النتائج عكسية، وبدل ان يعيد تسريع إحالة القرار الاتهامي إلى قاضي الإجراءات التمهيدية، سعد الحريري الى الرئاسة الثالثة مجدداً، طوى صفحة الحريري، وأتى بنجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، ما فرض تبديلاً في الخطة الأميركية، والانتقال إلى اعتماد خطة بديلة تقوم على الآتي:
 
أولاً، عدم المس بالاستقرار في لبنان خشية أن يؤدي أي مساس به في ظل ميزان القوى الحالي، الى تحولات سياسية جذرية لا مكان فيها لحلفاء واشنطن في لبنان. ومن هنا كانت مسارعة الإدارة الاميركية الى إصدار الأمر الى حلفائها بالوقف الفوري للمظاهر الاحتجاجية التي نفذها «تيار المستقبل».
ثانياً، محاولة التعايش مع الواقع السياسي الجديد في لبنان، لعل ذلك يمكنها من تحقيق اختراق هادئ يخدم الغاية التي يسعى اليها الاميركيون وحلفاؤهم، وتزامن ذلك مع هجوم دبلوماسي على مستويات اربعة:
 
المستوى الأول: في اتجاه الرئاستين الأولى والثالثة، حيث حاول الاميركيون تركيز ضغطهم على ثنائية ميشال سليمان ونجيب ميقاتي، في محاولة واضحة لمنعهما او ثنيهما عن الاندفاع نحو تأمين غطاء للأكثرية الجديدة بالسير في اجندتها في المرحلة المقبلة.

المستوى الثاني: في اتجاه المعارضة الجديدة، وجاء خيار مشاركة «14 اذار» في حكومة ميقاتي تعبيراً عن رغبة أميركية، على اعتبار ان وجود «14 اذار» في الحكومة يشكل عنصر إشغال دائماً للأكثرية الجديدة ضمن الحكومة، ومن شأنه أن يؤدي، ان لم يكن إلى تعطيل، فإلى عرقلة أي أجندة للأكثرية الجديدة تحمل بعداً انتقامياً أو إلغائياً للمرحلة السابقة بكل عناصرها.

المستوى الثالث: إطلاق إشارات جديدة حول قرب صدور القرار الاتهامي ضد «حزب الله» وحول مضمونه التفصيلي وأسماء المتهمين المحتملين، وآخرها ما صدر عن «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، المعروف بقربه من مراكز صنع القرار في تل أبيب. وفي هذا السياق، تندرج زيارة ليبرمان وماكين إلى لبنان، وأخطر ما فيها بحسب الخبير نفسه، «ليس السؤال عن «حزب الله» ودوره وحجم مشاركته في حكومة نجيب ميقاتي، بل ما كشفه عضوا الكونغرس الأميركي صراحة لمسؤول لبناني بارز التقيا به قبل يومين من ان القرار الاتهامي سيصدر في وقت ليس بعيدا (على الأرجح في السابع من آذار)، وسيتهم افراداً من «حزب الله» باغتيال رفيق الحريري، وذلك على مسافة سبعة أيام من إحياء الذكرى السنوية السادسة لتجمع 14 آذار».

ويتابع الخبير «عندما حاول المسؤول اللبناني الاستفسار اكثر، عما اذا كان ماكين وليبرمان يملكان أدلة معينة»، جاءه الجواب «نحن نعرف ان «حزب الله» هو الذي قتل الحريري». والجدير ذكره هنا ان ليبرمان قال الكلام ذاته للنائب وليد جنبلاط الذي رد «إن ما تقوله غير صحيح، وأنتم من الأساس تنطلقون في اتهامكم بناء على تحقيق خاطئ، واستناداً الى محكمة دولية مشكوك فيها وبمصداقيتها وبتوجهاتها ومبنية على شهود زور وعلى تحقيق مشبوه وبيع معلومات (في إشارة إلى نائب ديتليف ميليس المحقق الالماني غيرهارد ليمان) وعلى تسريبات متتالية من ديرشبيغل وصولاً حتى التلفزيون الكندي».

المستوى الرابع: التلويح بإجراءات انتقامية سياسية واقتصادية ومالية اطلت نذرها مع استهداف البنك اللبناني الكندي من ضمن خطة شاملة لاستهداف القطاع المصرفي في لبنان. ويكشف الخبير نفسه ان مسؤولاً لبنانياً كبيراً تلقى قبل ايام قليلة تقريراً من واشنطن تضمن معلومات وصفت بالمهمة والحساسة، حول امر ما يبيت للقطاع المصرفي في لبنان. ويتحدث هذا التقرير عن محاولة بناء معادلة اميركية جديدة: إما المحكمة وإما ضرب القطاع المصرفي في لبنان. ويكشف ان «التشهير» الذي بدأته وزارة الخزانة الاميركية، قد لا يتوقف عند البنك اللبناني الكندي، ومن هنا جاءت نصيحة رئيس الحكومة المكلف لحاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة بوجوب التوجه الى واشنطن سريعاً.

2011-02-24