ارشيف من :أخبار لبنانية
الذكرى الرابعة لغيابه: جوزف والانتفاضات العربيّة
إبراهيم الأمين - "الأخبار"
قبل عقد من الزمن أو أقل، كان الراحل جوزف سماحة يعمل في الزميلة «الحياة» في لندن. دعاه الزميل نور دمرداش الى المشاركة في حوار سياسي مباشر على قناة «mbc» العربية مع العقيد معمر القذافي. كان جوزف في الاستديو، والقذافي في مكتبه بطرابلس الغرب. طال الحوار، وتخللته مناقشات تميّز خلالها سماحة بالنقد الواضح، الأمر الذي جعل القذافي مرات عدة يحاول احتواء الموقف. وحقيقة الأمر، أن دمرداش ربما كان يتّكل على تهذيب سماحة، وهدوئه، وعلى أنه لن يحصل ما يثير بقوة حفيظة ضيفه المعظّم، لكن الأمر لم ينته على هذا النحو. وفي آخر المقابلة، قال القذافي بعضاً من تخريفاته، ثم توجّه المحاور الى سماحة ليقول آخر جملة له. فنفخ جوزف نفخته الشهيرة، التي لا يسمع لها صوت، وتوجّه الى الشبان العرب، داعياً إياهم الى عدم الاستماع الى ما يقوله القذافي. ابتسم الأخير وانتهت الحلقة.
مرت أيام، وبدأ سماحة يتلقى اتصالات من دبلوماسي ليبي في العاصمة البريطانية، والتقى أحدهم من الذين يعرفونه، ناقلاً إليه دعوة من «الأخ القائد» لاستكمال الحوار الذي بدأ في المحطة السعودية. كان سماحة يعتذر بلباقته. وكان يتندّر مع الأصدقاء: هل حان موعد إخفاء جديد، في إشارة الى الإمام موسى الصدر الذي قبل دعوة من القذافي إلى حوار لم يعد منه بعد.
قبل انطلاقة «الأخبار» بفترة قصيرة، زار سماحة القاهرة وباريس ولندن لمقابلة زملاء وأصدقاء ومثقّفين يتحاور معهم في المشروع. في القاهرة، كان يحلو له الاستماع الى أناشيد الثورة الناصرية. وهو الذي ظل يحتفظ في مكتبه بصورة لعبد الناصر حتى غيابه. وهي الصورة التي تشبه الصورة التي كانت والدته قد علّقتها في صدر صالون منزلهم في الأشرفية، قبل أن يبعدهم «الكتائب» عند اندلاع الحرب الأهلية. لم يكن سماحة مثل كثيرين متفائلاً بقرب انهيار نظام حسني مبارك. كان يشفق على حشد من المعارضين الذين لا قدرة لهم على التحرك سوى في حدود ضيقة. لكنه كان مثل كثيرين من العارفين، يجزم بأن العالم العربي لن يستعيد حيويّته إلا بعد استعادة مصر دورها الرئيسي في مواجهة مشاريع الولايات المتحدة وإسرائيل.
منذ اندلاع ثورة تونس، وانتصار صورة مصر، ومع اشتداد المواجهة في ليبيا كما في اليمن ودول عربية أخرى، كنا جميعاً نسأل أنفسنا: آه لو جوزف بيننا اليوم، لكان رفع العصا ورقص على إيقاع ميدان التحرير، ولكان قدّم للعرب ولشعب ليبيا شرحاً عن طريقة معالجة حالة غرائبية اسمها معمر القذافي، ولكان نبش كل ما يجب نبشه عن دور الأميركيين في رعاية هؤلاء الطغاة والحؤول دون سقوطهم، ولكان «بهدل» فرنسا على سلوكها النابع من عقلية استعمارية لم تغادرها بعد، ولكان شرح لنا طبيعة العلاقة النفسيّة التي تجمع القذافي مع مجنون إيطاليا برلوسكوني. لو كان جوزف حياً لكتب الكثير الذي يصلح لأن يكون مقرّراً يدرّس في كليات العلوم السياسية.
اليوم، تصادف ذكرى رحيل سماحة الرابعة، وفي كل مرة، يدلّنا القدر على أنه لا تعويض لهذا الغياب. وكل ما يمكن حفظه للرجل حكايته المهنيّة التي كان آخر فصولها «الأخبار».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018