ارشيف من :أخبار لبنانية
التغيير أو الرحيل
إدمون صعب - "السفير"
"نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع" - إبراهيم بن أدهم
يبدو لبنان، هذه الأيام، كأنه معزول عما يجري في العالم العربي من ثورات واهتزازات، ستكون لها انعكاسات كبيرة على أوضاعه.
ولا نجد تفسيراً لهذه الغربة بالغرق في الصراع الدائر حول الحقائب الوزارية في الحكومة العتيدة، بمقدار ما نجده في الخوف من مواجهة التطورات واستشراف الغد، والافتقار إلى الخيال والشجاعة في الإقدام، وخصوصاً من جانب الرئيس نجيب ميقاتي الذي كُلّف تأليف الحكومة الجديدة اثر أزمة كانت أسبابها واضحة المعالم.
وقد توسّم المواطنون خيراً بالميقاتي، آملين ان يحمل إليهم التغيير الذي ينشدون، ويعيد توحيد اللبنانيين حول مجموعة من الثوابت الوطنية، في مقدمها وحدة الجيش والشعب والمقاومة في مواجهة العدو الإسرائيلي، ويعمل لمصالحة كان أشار إليها رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري في خطابه في «البيال» بذكرى اغتيال والده في 14 شباط الماضي، على خلفية ان الهدف من مشروع الـ«س ـ س» بين سوريا والسعودية، كان التمهيد لعقد مؤتمر «مصالحة ومسامحة» في الرياض يحضره الزعماء اللبنانيون المختلفون حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وطريقة إدارة الشأن العام، وهما الموضوعان اللذان سببا استقالة وزراء المعارضة وانتهاء ولاية الحريري على رأس الحكومة.
وقد توقف كثيرون عند عبارة «المصالحة والمسامحة»، على أساس ان أحداً لم يسمع قبلاً بالمشروع، وأن ما طُرح، وخصوصاً على لسان وليد جنبلاط، كان ان تفاهماً تم مع الرئيس الحريري على اتخاذ موقف من المحكمة، يقضي بوقف التعامل معها، وسحب القضاة اللبنانيين منها، والامتناع عن دفع حصة لبنان من تمويلها، في مقابل إجراء مصالحة سياسية بين فريقي 14 آذار و8 آذار، والوقوف الى جانب المقاومة في مواجهتها العدو الإسرائيلي نظراً إلى انها عنوان للكرامة الوطنية، ورمز للحس المشترك، وللمشاركة في الوعي الوطني للأخطار التي تتهدد البلاد.
إلا أن ما عبّر عنه مشروع 14 آذار لمواجهة حكومة ميقاتي، الذي أعقب «الثوابت» التي صدرت عن المجلس الإسلامي الشرعي، قد افترض ان ثمة قراراً اتهامياً سيصدر عن المحكمة في حق عناصر من «حزب الله» في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وان لا مجال للمصالحة قبل الإقرار بالمشاركة في الجريمة، ولا للمسامحة قبل صدور القرار، وأن المعركة مفتوحة مع الرئيس ميقاتي في موضوعين أساسيين، هما المحكمة، وسلاح المقاومة،... وإلا فحرب مفتوحة لدفعه إلى الاعتذار، وفي أبعد الاحتمالات إسقاط حكومته في مجلس النواب، في حال تعذّر حل المجلس بفعل استقالة نواب المستقبل و14 آذار، كما لوّح بذلك بعض نواب المعارضة الجديدة.
وبديهي ان مواجهة المرحلة المقبلة، تتطلب تضامناً وتكاتفاً بين اللبنانيين، سواء حيال القرار الاتهامي والمحكمة، أو إزاء تداعيات الثورات المتنقلة في العالم العربي، التي لن يبقى لبنان بعيداً من آثارها. فثمة إرادة لا تُرد بوجوب تعزيز سلطة الشعب، وتنقية الديموقراطية من أدران التسلط والاستئثار، وتحرير الأنظمة من قبضة القبلية والطائفية والمذهبية، التي لطالما خنقت التوق إلى التغيير، وتحقيق المساواة بين المواطنين، وإلغاء نظام الرعايا، وإعطاء دور للشباب في التنمية والتقدم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
لكن، بماذا يرد الرئيس ميقاتي على مطالبة الشعب بالتغيير والقضاء على الفساد؟ بل بماذا يرد على: «الشعب يريد تغيير النظام»؟
هل يرد بدعوة الفاسدين والمفسدين إلى قيادة عملية الإصلاح والتغيير؟
أم بالإتيان بأشخاص أنقياء، أطهار، ذوي سمعة وشهامة ونظافة كف؟
ذلك ان إشراك المفسدين في الحكم مخالف للتكليف، فضلاً عن اعتباره تواطؤاً معهم وحماية لأصحاب المواقع المشكو منها، سواء في الإدارة، أو الأمن، أو القضاء... الخ. فهل يقبل الرجل الذي جاء إلى الحكم، باسم التغيير والتقدم، ان يصبح شريكاً للمستأثرين بالسلطة، وحامياً للفساد، والتستر على التجاوزات؟
وربما كان الأولى بالرئيس المكلف ان يرسم الخطوط العريضة لمشروعه السياسي الوسطي. ويحدد، إذا شاء التغيير حقاً، الحقول التي سيشملها التغيير، ثم يتحدث مع رئيس الجمهورية شريكه في التأليف، حول التشكيلة المثلى، ويطلعه على نتيجة الاتصالات التي أجراها بالكتل الراغبة في المشاركة، وتقويم أحجامها، بدلا من طرح موضوع تأليف الحكومة كأنه بازار طائفي ومذهبي، هذا إذا كان حقاً هناك تفكير في الإفادة من الثورات التي تجتاح العالم العربي مطالبة بالتغيير الذي سيفرض نفسه على الأنظمة المختلفة لأنه يعمّد بالدم، ويستعيد الكرامة الوطنية التي يجسدها الشهداء، وفي مقدمهم شهداء المقاومة الذين ألهموا جميع الثوار، من تونس إلى مصر، فاليمن فالبحرين فليبيا فالجزائر... وهؤلاء لا تمكن المساومة عليهم لأنهم يمثلون روح الأمة.
أما إذا كان الرئيس ميقاتي قد قبل التأليف من أجل الترقيع، واتقاء شرور المفسدين، فأفضل له الاعتذار اليوم قبل الغد، لأن الوضع لم يعد يتحمل أكثر.
"نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع" - إبراهيم بن أدهم
يبدو لبنان، هذه الأيام، كأنه معزول عما يجري في العالم العربي من ثورات واهتزازات، ستكون لها انعكاسات كبيرة على أوضاعه.
ولا نجد تفسيراً لهذه الغربة بالغرق في الصراع الدائر حول الحقائب الوزارية في الحكومة العتيدة، بمقدار ما نجده في الخوف من مواجهة التطورات واستشراف الغد، والافتقار إلى الخيال والشجاعة في الإقدام، وخصوصاً من جانب الرئيس نجيب ميقاتي الذي كُلّف تأليف الحكومة الجديدة اثر أزمة كانت أسبابها واضحة المعالم.
وقد توسّم المواطنون خيراً بالميقاتي، آملين ان يحمل إليهم التغيير الذي ينشدون، ويعيد توحيد اللبنانيين حول مجموعة من الثوابت الوطنية، في مقدمها وحدة الجيش والشعب والمقاومة في مواجهة العدو الإسرائيلي، ويعمل لمصالحة كان أشار إليها رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري في خطابه في «البيال» بذكرى اغتيال والده في 14 شباط الماضي، على خلفية ان الهدف من مشروع الـ«س ـ س» بين سوريا والسعودية، كان التمهيد لعقد مؤتمر «مصالحة ومسامحة» في الرياض يحضره الزعماء اللبنانيون المختلفون حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وطريقة إدارة الشأن العام، وهما الموضوعان اللذان سببا استقالة وزراء المعارضة وانتهاء ولاية الحريري على رأس الحكومة.
وقد توقف كثيرون عند عبارة «المصالحة والمسامحة»، على أساس ان أحداً لم يسمع قبلاً بالمشروع، وأن ما طُرح، وخصوصاً على لسان وليد جنبلاط، كان ان تفاهماً تم مع الرئيس الحريري على اتخاذ موقف من المحكمة، يقضي بوقف التعامل معها، وسحب القضاة اللبنانيين منها، والامتناع عن دفع حصة لبنان من تمويلها، في مقابل إجراء مصالحة سياسية بين فريقي 14 آذار و8 آذار، والوقوف الى جانب المقاومة في مواجهتها العدو الإسرائيلي نظراً إلى انها عنوان للكرامة الوطنية، ورمز للحس المشترك، وللمشاركة في الوعي الوطني للأخطار التي تتهدد البلاد.
إلا أن ما عبّر عنه مشروع 14 آذار لمواجهة حكومة ميقاتي، الذي أعقب «الثوابت» التي صدرت عن المجلس الإسلامي الشرعي، قد افترض ان ثمة قراراً اتهامياً سيصدر عن المحكمة في حق عناصر من «حزب الله» في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وان لا مجال للمصالحة قبل الإقرار بالمشاركة في الجريمة، ولا للمسامحة قبل صدور القرار، وأن المعركة مفتوحة مع الرئيس ميقاتي في موضوعين أساسيين، هما المحكمة، وسلاح المقاومة،... وإلا فحرب مفتوحة لدفعه إلى الاعتذار، وفي أبعد الاحتمالات إسقاط حكومته في مجلس النواب، في حال تعذّر حل المجلس بفعل استقالة نواب المستقبل و14 آذار، كما لوّح بذلك بعض نواب المعارضة الجديدة.
وبديهي ان مواجهة المرحلة المقبلة، تتطلب تضامناً وتكاتفاً بين اللبنانيين، سواء حيال القرار الاتهامي والمحكمة، أو إزاء تداعيات الثورات المتنقلة في العالم العربي، التي لن يبقى لبنان بعيداً من آثارها. فثمة إرادة لا تُرد بوجوب تعزيز سلطة الشعب، وتنقية الديموقراطية من أدران التسلط والاستئثار، وتحرير الأنظمة من قبضة القبلية والطائفية والمذهبية، التي لطالما خنقت التوق إلى التغيير، وتحقيق المساواة بين المواطنين، وإلغاء نظام الرعايا، وإعطاء دور للشباب في التنمية والتقدم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
لكن، بماذا يرد الرئيس ميقاتي على مطالبة الشعب بالتغيير والقضاء على الفساد؟ بل بماذا يرد على: «الشعب يريد تغيير النظام»؟
هل يرد بدعوة الفاسدين والمفسدين إلى قيادة عملية الإصلاح والتغيير؟
أم بالإتيان بأشخاص أنقياء، أطهار، ذوي سمعة وشهامة ونظافة كف؟
ذلك ان إشراك المفسدين في الحكم مخالف للتكليف، فضلاً عن اعتباره تواطؤاً معهم وحماية لأصحاب المواقع المشكو منها، سواء في الإدارة، أو الأمن، أو القضاء... الخ. فهل يقبل الرجل الذي جاء إلى الحكم، باسم التغيير والتقدم، ان يصبح شريكاً للمستأثرين بالسلطة، وحامياً للفساد، والتستر على التجاوزات؟
وربما كان الأولى بالرئيس المكلف ان يرسم الخطوط العريضة لمشروعه السياسي الوسطي. ويحدد، إذا شاء التغيير حقاً، الحقول التي سيشملها التغيير، ثم يتحدث مع رئيس الجمهورية شريكه في التأليف، حول التشكيلة المثلى، ويطلعه على نتيجة الاتصالات التي أجراها بالكتل الراغبة في المشاركة، وتقويم أحجامها، بدلا من طرح موضوع تأليف الحكومة كأنه بازار طائفي ومذهبي، هذا إذا كان حقاً هناك تفكير في الإفادة من الثورات التي تجتاح العالم العربي مطالبة بالتغيير الذي سيفرض نفسه على الأنظمة المختلفة لأنه يعمّد بالدم، ويستعيد الكرامة الوطنية التي يجسدها الشهداء، وفي مقدمهم شهداء المقاومة الذين ألهموا جميع الثوار، من تونس إلى مصر، فاليمن فالبحرين فليبيا فالجزائر... وهؤلاء لا تمكن المساومة عليهم لأنهم يمثلون روح الأمة.
أما إذا كان الرئيس ميقاتي قد قبل التأليف من أجل الترقيع، واتقاء شرور المفسدين، فأفضل له الاعتذار اليوم قبل الغد، لأن الوضع لم يعد يتحمل أكثر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018