ارشيف من :أخبار لبنانية
جزيرة مالطا: حكاية الرئة الماليّة لليبيا
بسّام الطيارة - صحيفة الاخبار
في خضم الثورة الليبية، قفز اسم «جمهورية مالطا» إلى واجهة الإعلام، وبدت كأنها «نافذة ليبيا» إلى الخارج وإلى أوروبا تحديداً. طيّارون ليبيون يرفضون أوامر بقصف شعبهم، فيتجهون إلى مالطا. بارجات عسكرية يحصل معها الأمر نفسه. وآخر الأنباء تحدّثت عن أنّ السلطات المالطية رفضت طلب طائرة تابعة للخطوط الجوية الليبية الهبوط في مطار فاليتا في العاصمة.
ورغم عدم إفصاح مالطا عن هوية ركاب تلك الطائرة، إلا أنه تردّد أن ابنة معمر القذافي، عائشة، كانت على متنها، رغم نفي المرأة للأمر. لكن جميع تلك التسريبات تشير إلى أن مصالح القذاذفة من أولاد الزعيم الليبي في مالطا كانت تسمح لهم، حتى يوم أمس، بالتوجه إلى الجزيرة ـــــ الدولة، لكونها «ملاذاً آمناً». غير أن الوضع يبدو أنه قد تغيّر الآن.
وقد روى أحد الدبلوماسيين المالطيين لـ«الأخبار»، أنه قبل ٤ أشهر، حضر رئيس وزراء مالطا لورانس غونزي حفلاً أقامه «المكتب الشعبي للجماهيرية في العاصمة المالطية»، سمع خلاله رسائل مديح لـ«الرئيس القائد». لم يكن غونزي وحده في هذا الحفل، بل رافقه عدد كبير من ساسة الجزيرة، بينهم غالبية أعضاء البرلمان وكبار مسؤولي الحكومة، إلى جانب «معظم السفراء المعتمدين في مالطا». كذلك كان بين الحضور عدد من «كبار أساتذة الجامعات والباحثين وممثلي المؤسسات الإعلامية»، ومعظم مديري شركات الاستثمار المالية الموجودة بقوة في الجزيرة الصغيرة (316 كيلومتراً مربعاً).
وفسّر الدبلوماسي هذا «الحضور الكثيف»، وخصوصاً من جهة رجال المال والسياسة، بأن «ليبيا كانت لسنوات عديدة خلت المحرك المالي لمالطا»، ولأنها أدّت دوراً كبيراً في «المناورات للتحايل على الحصار» الذي كان مفروضاً على الجماهيرية. ويتابع المصدر أن النافذة المالطية كانت الطريق لـ«السيولة المالية ذهاباً وإياباً»، وتسمح للعقيد ولعائلته بالاستثمار في الخارج رغم الحظر. ويشير الدبلوماسي في هذا الصدد إلى أن مالطا «استفادت كثيراً من جرّاء موقعها الجغرافي» والروابط التي تجمعها بليبيا (وتونس) من جهة، وأوروبا عموماً، وإيطاليا وبريطانيا خصوصاً، من جهة أخرى.
وبحسب أكثر من مصدر أوروبي، فإن دوائر القرار في القارة العجوز كانت على علم بالروافد المالية التي كانت تعبر الجزيرة، وأنها كانت تغض النظر بحجة أنه «لم يكن هناك حظر على بيع النفط»، وبالتالي يجب عدم محاصرة الأموال المتدفِّقة من خلال بيع النفط. ووفق بعض المعلومات المتوافرة، فإنّ المالطيين كانوا واسطة تهريب كميات من النفط خارج إطار البيع المعلَن من قبل الشركات المخوَّلة ذلك.
وفي السياق، يقول أحد «الناشطين في استيراد النفط في السوق السوداء»، إن ليبيا كانت، حتى أسابيع قليلة مضت، ترسل أسبوعياً ما بين ٣ و٤ ملايين ليتر من البنزين الخفيف المهرَّب إلى شواطى أوروبا الجنوبية. ويشدّد «التاجر» على أن هذه الكميات لا تأتي «فقط من ليبيا»، وأن هدف كل كميات البنزين المهرَّب هو التحايل على دفع الرسوم المرتفعة جداً في أوروبا. وتبرير ذلك أنّ نسبة الضرائب في فرنسا وإيطاليا وألمانيا، وهي الدول التي تستهدفها عمليات التهريب، تبلغ ٧٤ في المئة. وبالطبع، فإنّ هذه الأموال تعود لتُضَخّ في شبكات المال المنطلقة من مالطا، إذ إنّ أصغر دول الاتحاد الأوروبي بنَت، خلال العقدين الماضيين، قاعدة صلبة للمؤسسات المالية، وتحوّلت إلى قاعدة مالية لمؤسسات الاستثمار، تنافس أبرز العواصم المالية، مثل لندن وجنيف والبحرين ودبي وهونغ كونغ.
ومالطا، إضافة إلى المركز المالي العالمي الذي باتت تحتله، فإنها تمتلك هيكلية تكنولوجية حديثة مع قطاع هندسي رقمي صلب، سمح لها باحتلال موقع تنافسي متقدِّم في عالم المال وفي عالم تكنولوجيا الشبكات الرقمية. والدليل على ذلك أن عدداً كبيراً من الشركات العالمية بات يتخذ من العاصمة فاليتا مركزاً له مثل (Vodafone, HSBC Bank, Volksbank, Spark, Hilton, Intercontinental, ST Micro Electronics, RTFX et Microsoft)، لدرجة أنّ الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في ٢٠٠٨، مرّت على الجزيرة مرور الكرام، وهي تحتلّ المرتبة العاشرة في معايير صلابة النظام المصرفي في العالم.
بالطبع، كانت السوق المالية في مالطا تنظر بشراهة إلى الدفق المالي الآتي من الشواطئ الليبية، وخصوصاً في العام الماضي، حين أعلن سكرتير مكتب المشاريع الليبية، خالد الغويل، قبل انطلاق ثورة الشباب الليبي، أن موازنة السنة المقبلة سوف تقارب ١٦،٧٣ مليار يورو، يذهب قسم كبير منها إلى «تنفيذ المشاريع الكبرى والتجهيزات». مشاريع يؤكّد أكثر من خبير مصرفي أنها تدرّ «أرقاماً خيالية من العمولات» للمتنفذين في محيط عائلات الحكام.
وكان الغويل قد أعلن أيضاً السعي إلى «إنشاء منطقة حرة في رأس جدير» لتشجيع الاستثمارات. وقد علمت «الأخبار» أن هذه المنطقة الحرة على الحدود مع تونس كان من المنتظر أن تديرها شركة مالطية بدعم من مؤسسات مالية كبرى، مركزها مالطا نفسها، وتسعى إلى الإفلات من القوانين الأوروبية التي تجهد، منذ الأزمة المالية الأخيرة، لفرض المزيد من الشفافية، وتزيد من الضغوط على الجنان الضريبية في المراكز المالية التقليدية.
بالطبع، فإن عيون المصرفيين المالطيين كانت تحوم أيضاً حول ستة صناديق استثمارية أنشأها النظام الليبي، وهي:Libyan Investment Authority, Economic & Social Development Fund, Social Security Investments Fund, Libya Africa Investment Portfolio, Libyan African Investments Company , Libyan Foreign Investments Company). جميعها صناديق تغذيها عائدات مبيعات النفط، ويملك حق التوقيع فيها أولاد القذافي حصراً.
وفور سقوط الطاغية واعتراف المجتمع بهذا السقوط، من المتوقَّع أن ينصبّ اهتمام الباحثين على الأصول المالية المنهوبة من ليبيا إلى دويلة مالطا، التي ترفع، منذ غزاها العرب في مطلع القرن التاسع، شعار «الشجاعة والمثابرة» لعدم الغرق في أتون نزاعات القوى الكبرى في البحر المتوسط.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018