ارشيف من :أخبار لبنانية
تجاهل الثورة العربية
الفضل شلق - صحيفة السفير
«الثورة العربية الكبرى»، هذه التسمية يطلقها بعض الإعلام الغربي على ما يحدث لدى العرب؛ لكن، هل يعني ذلك أن الغرب يفهم ما يحدث؟ وهل يعني ذلك أيضاً، أن النخب الثقافية والسياسية العربية، وهي عادة تردد ما يقوله الغرب عنهم، تفهم ما يحدث؟ هل يملك هؤلاء جميعاً العدة المعرفية لفهم آلية سقوط الأنظمة العربية، وحقيقة الدوافع لدى الجماهير، التي بدا فجأة أنها جماهير تملك إرادة جمعية؟
منذ أسابيع فقط كان يبدو استخدام تعبير «جماهير» نوعاً من الابتذال وتردداً للغة خشبية مفوتة.
حتى ثورة تونس، كان يبدو للجميع أن العرب يحتاجون إلى حداثة ما، إلى ثقافة جديدة قبل التغيير، وقبل الثورة. بدا أن التغيير يحدث من تحت إلى فوق، من الثقافة إلى السياسة، لا العكس، غاب عن الذهن أن الثقافة لا تولد في بضعة أيام أو أسابيع، لأنها تحدث على المدى الطويل، لدى المجتمعات، بتراكم الأفكار والممارسات. غاب عن الذهن أن السياسة أمر آخر، أمر يحدث بتقاطع الأحداث والإرادات على المدى القصير، غاب عن الذهن أن في السياسة تجاوزاً للثقافة، وأن السياسة تغير الثقافة لا العكس.
كان احتقار الغرب لبلادنا (عنوان إحدى الصحف الليبرالية الغربية: حتى العرب يقومون بالثورة) يؤدي به إلى ادعاء حاجتنا إلى ثقافة جديدة، إلى أولوية التغيير الثقافي، كي ننسى أولوية السياسة. ما كان أحد من هؤلاء الطواغيت الذين يتساقطون واحداً تلو الآخر، إلا على علاقة حميمة بالغرب وأجهزته وشركاته (حتى أننا رأينا رئيس وزراء إحدى الدول الأوروبية الكبرى يقبل يد طاغية ليبيا).
كان للهزيمة أثر كبير في نفوسنا؛ قبلنا تفسير الغرب لوجودنا. كان في هذا القبول إقراراً بالتبعية، والتبعية تقود إلى الإقرار بالهيمنة الإمبريالية. لم تدرك الغالبية من مثقفينا أن الخروج من التبعية يستدعي الخروج على أفكار ومقولات السادة الذين يفرضون علينا الخضوع، ويستدعي الخروج على رؤيتهم للحاضر والماضي، والخروج على رؤيتهم للتاريخ والتطور والتغيير.
أعادت الإمبريالية صياغة تاريخنا (وحاضرنا) بواقع هيمنتهم. الهيمنة صاغت أسس الخضوع. الخضوع جوهر الهزيمة. كان ضرورياً أن ننهزم قبل أن نُهزَم. انهزمنا في أدمغتنا قبل أن نهزم على أرض المعركة. الهزيمة الكبرى أننا قبلنا مقولة أننا يجب أن نشبههم. قالوا إننا لا نشبههم، وقبل أن نشبههم لا يحق لنا تقرير مصيرنا. الحقيقة التاريخية أننا قبل الإمبريالية، قبل القرن التاسع عشر، كنا نشبههم، وكانوا يشبهوننا، وذلك قبل أن يحدث الافتراق العظيم في القرن التاسع عشر، الافتراق الذي فرضته الإمبريالية واصطنعته العنصرية، علماً بأن العنصرية وليدة الإمبريالية. الإمبريالية هي ما يفرض التمييز بين الحضارة والبربرية، بين ما نحن عليه وما هم عليه، بين من يستحق التقدم ومن لا يستحق، بين من يستحق الوجود الحر ومن لا يستطيع أن يكون حراً.
في القرن العشرين اختصروا كل عناصر ومقولات التمييز بالديمقراطية؛ غرب ديمقراطي وشرق لا ديمقراطي. مقولة الاستبداد الشرقي قديمة. إسرائيل هي البلد الديمقراطي الوحيد في المنطقة؛ إذن، يحق لها أن تفعل ما تشاء، وأن تتوسع في بناء المستوطنات، وأن تخالف ما يسمى القوانين الدولية، وأن تخالف حتى السياسة الأميركية المعلنة. ومع ذلك تمارس الإدارة الأميركية الفيتو في مجلس الأمن منعاً لإدانة إسرائيل في ما يخص المستوطنات؛ هذا بغض النظر عن حقيقة أن إسرائيل مازالت تمتنع عن ترسيم حدودها، وبغض النظر عن حقيقة أن الدولة هي قبل كل شيء حدود جغرافية، مما يجعل إسرائيل المنظمة غير الحكومية (NGO) الوحيدة في العالم التي تمارس حق الدولة؛ وبما أنها ليست دولة فهي يحق لها أن تمارس ما يخالف قوانين الدول وأعرافها. كل ذلك باسم الديمقراطية، التي لم يكن العرب يستحقونها.
حول الديمقراطية افتراق عظيم بيننا وبينهم. بنظرهم، نحن غير ديموقراطيين (أليست المسألة تتعلق بالثقافة، والثقافة هي الموروث، وهي المتراكم عبر التاريخ؟)، فلا يحق أن تكون لنا إرادة. إسرائيل ديموقراطية. إذن يحق لها أن تفعل ما تشاء. تصير إسرائيل مركز الفعل ويصير وجودنا رهناً بوجود إسرائيل. على كل وجودنا أن يحقق أمن إسرائيل، أولاً وأخيراً. نحن إضافات لوجود إسرائيل. يتفق الحكام العرب مع الإمبراطورية، في تبعيتهم لها، ويعتبرون شعوبنا ومجتمعاتنا إضافات لوجودهم الطاغوتي.
عبر عن ذلك القذافي بكل صراحة ووقاحة في خطابه الأخير، حين قال أن الشعب شعب القذافي لا شعب ليبيا؛ هم جرذان ومهلوسون.
استخدموا الفيتو في وقت تخوض الشعوب أكبر تجربة ديمقراطية، بالأحرى أكبر تجربة تحرر. لا تفهم الإدارة الإمبراطورية ذلك، أو لا تريد أن تفهم ذلك. يخطئ الغرب في السياسة، ويحيل الأمر إلى الثقافة. الثقافة تحتم ما يجب أن يحدث، وما حدث لم يكن متوقعاً؛ إذن كان يجب أن لا يحدث بنظرهم؛ ما حدث لم يكن متوقعاً، فكيف يمكن معرفة ما يستحيل توقعه؟ هل كان الغرب في حيرة؟ وما زال. وهل كان مثقفونا في حيرة، وما زالوا؟ طغاتنا لا يحتارون، طغاتنا اختاروا الاستبداد، وأعطوه أولوية على الثقافة، أما الغرب ومثقفونا فقد اختاروا الديموقراطية، وكلاهم يتمنى لتجربتنا الفشل: الطغاة لأنهم سخروا سياستهم للتبعية الإمبريالية، والغرب لأنه هو الإمبريالية.
قال ابن الطاغية إن مجتمعنا قبائل، إذن لا يستحق تجربة التحرر؛ قال إن وجودنا يعتمد على وجود الشركات الأجنبية، وعلى تدفق النفط، وعلى تقنيات لا تمتلكها عقولنا؛ وقال آخر، إننا طوائف، وآخر إننا مذاهب، وآخر إن عقولنا يتحكم بها التطرف الديني، وآخر إن هذا هو الإسلام، وأن بلادنا لا خيار لها بين القبول بالاستبداد أو التطرف الإسلامي؛ جميع دعاة الاستبداد أحالوا الأمر إلى الثقافة، والغرب بينهم، ودعاة الحداثة منهم.
ألا يفتقد جميعهم إلى العدة المعرفية لفهم ما يحدث؟ ألا يتمنى جميعهم أن تفشل التجربة كي لا يدانوا بفشلهم المعرفي؟
المهم هو أن القصور المعرفي يعبر عن موقف سياسي؛ الموقف السياسي للإمبريالية كما للطغاة، هو تجاهل كل ما هو عربي في ما يحدث، لأن العروبة في نظرهم تعبير عن مرحلة ماضية أفل نجمها، مرحلة لا يجب الحديث عنها. وحدة التجربة العربية الراهنة هي العدو الذي يجب أن يُهزم، إذن يتوجب عليهم التنظير لغير هذه الوحدة، ينظِّرون للثورة المضادة، ويرفضون التنظير للثورة.
ثورة تبعث على الفرح والفخر. ثورة نفهمها لأننا نعرف ماذا تعني؛ نعرف ذلك بوجداننا. وجداننا العربي والعروبي في آن معاً. مَن لا يشاركنا في هذا الوجدان لا يفرح؛ نأسف له. نعرف أن كل شعوب الأرض المتطلعة إلى التحرّر تشاركنا في وجداننا. لأنها تعرف أن وجداننا هو الإنسانية وحسب.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018